بعد 8 أسابيع من القلق.. اقتصاد أوروبا «يثبت» أنه أقوى من «البريكست»

المؤشرات تؤكد تجاوز صدمة الانفصال البريطاني.. والقادة يعربون عن ثقتهم

أظهر مسح جديد استقرار وتيرة نمو أنشطة قطاع الأعمال الخاص بمنطقة اليورو في أغسطس (رويترز)
أظهر مسح جديد استقرار وتيرة نمو أنشطة قطاع الأعمال الخاص بمنطقة اليورو في أغسطس (رويترز)
TT

بعد 8 أسابيع من القلق.. اقتصاد أوروبا «يثبت» أنه أقوى من «البريكست»

أظهر مسح جديد استقرار وتيرة نمو أنشطة قطاع الأعمال الخاص بمنطقة اليورو في أغسطس (رويترز)
أظهر مسح جديد استقرار وتيرة نمو أنشطة قطاع الأعمال الخاص بمنطقة اليورو في أغسطس (رويترز)

بعد موجة كبيرة من الخوف على الاقتصاد العالمي خلال نحو 8 أسابيع منذ إجراء الاستفتاء البريطاني على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي (البريكست)، تتوالى التقارير المبنية على أرقام إحصائية «صلبة» وليس على قراءات أو توقعات، التي تؤكد يوما بعد يوم أن الاقتصاد العالمي على وجه العموم، والأوروبي على وجه الخصوص، نجح في تخطي محنة الانفصال البريطاني دون مزيد من الأزمات الكبرى التي تضاف إلى كاهله المثقل بـ«ركود تجاري» و«هبوط نفطي» و«اضطراب نقدي»؛ إضافة إلى التوترات التي تستبق دائما الانتخابات في الدول الكبرى، التي تؤثر بشكل كبير على مستقبل الاقتصاد.
ويترقب العالم نهاية العام الحالي نتائج معركة الانتخابات الأميركية، إضافة إلى انتخابات أوروبية مهمة في هذا العام والعام المقبل، ربما تغير من التركيبة الحالية للدول الكبرى مع توقعات صعود اليمين السياسي، وهو ما سيؤثر على سلاسة حركات التجارة والاتفاقات الاقتصادية - المضطربة بالأساس حاليا - بشكل واسع.
وكان الانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي أحد أكبر المؤرقات التي أصابت العالم، خشية أن يؤدي إلى اضطراب كبير في نتائج الاقتصاد الأوروبي، أو يدفع إلى تفكك كامل للاتحاد، من شأنه أن يضاعف من مشكلات العالم الاقتصادية.
ويحتل الاتحاد الأوروبي – لكونه وحدة اقتصادية كبرى - المرتبة الأولى على مستوى العالم من حيث إجمالي الناتج المحلي، في لائحة البنك الدولي لعام 2015 بأكثر من 18.460 تريليون دولار، ولائحة الأمم المتحدة لعام 2015 بأكثر من 18.518 تريليون دولار.. في حين يأتي في المركز الثاني خلف الولايات المتحدة الأميركية في لائحة صندوق النقد الدولي لعام 2016. بإجمالي يبلغ 16.477 تريليون دولار.
وتختلف النتائج في لوائح البنك والصندوق والأمم المتحدة نظرا لتباين مصادر المعلومات أو طريقة احتساب الأرقام والنتائج بين كل مؤسسة وأخرى.. لكن الخوف على تضرر أحد أكبر اقتصادين على مستوى العالم، إضافة إلى فترة التغيير المبني على عوامل انتخابية التي تمر بها أميركا، شكلا معا ذعرا أقوى من مجرد هواجس على مستقبل الاقتصاد العالمي، خصوصا أن الاقتصاد الثالث عالميا؛ الصين، تمر هي الأخرى بفترة اضطراب تاريخية.
* مؤشرات مستقرة في أغلبها
وأمس، أظهر مسح نشرت نتائجه استقرار وتيرة نمو أنشطة قطاع الأعمال الخاص بمنطقة اليورو في أغسطس (آب)، ورغم أن النتائج بدت عند مستوى ضعيف نسبيا، ورغم استمرار القلق حول أن شهر سبتمبر (أيلول) ربما يكون أكثر صعوبة على المصانع؛ نتيجة تعثر نمو الطلبيات الجديدة، فإن حالة امتصاص الأزمة في حد ذاتها تعد عاملا مبشرا في رأي كثير من المراقبين الاقتصاديين، حيث كان كثيرون ينتظرون ظهور مثل هذه التقارير المبنية على «أرقام صلبة» من أرض الواقع للاطمئنان على مستقبل الاقتصاد الأوروبي والعالمي.
وتشير أغلب النتائج حتى الآن إلى أن التبعات الاقتصادية لاختيار مواطني بريطانيا الانفصال عن الاتحاد الأوروبي تقتصر بشكل واسع على المملكة المتحدة نفسها، ولم تمتد لشركائها التجاريين الرئيسيين.
وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين لدى مؤسسة «ماركت» البحثية: «سيكون تحرك الأمور في الاتجاه الإيجابي أمرا مشجعا للغاية لواضعي السياسات. الأوضاع في المنطقة تنم عن تفاؤل حذر في مواجهة تهديد الانفصال البريطاني»، بحسب بيان صادر عن ماركت، أمس.
وارتفع مؤشر «ماركت المجمع لمديري المشتريات» لأعلى مستوى في سبعة أشهر، إلى 53.3 من 53.2 في يوليو (تموز) الماضي. وتشير القراءة فوق 50 نقطة إلى نمو، في حين تشير القراءات أقل من 50 إلى انكماش. وتوقع اقتصاديون في استطلاع للرأي أجرته «رويترز» خلال الفترة الماضية انخفاضا طفيفا، يصل بالمؤشر إلى 53.1 نقطة.
وسجل نمو الطلبيات الجديدة أقل مستوى منذ أوائل عام 2015، ونزل إلى 51.5 نقطة من 52.2. مما يشير إلى احتمال تراجع مؤشر مديري المشتريات الرئيسي الخاص بقطاع الصناعات التحويلية الشهر المقبل.
كما تراجع مؤشر مديري خدمات المشتريات «التصنيعي» لمنطقة اليورو إلى نسبة معدلة موسميا 51.8 هذا الشهر من القراءة النهائية، من 52.0 في يوليو، وهو أدنى مستوى في ثلاثة أشهر. وكان المحللون يتوقعون أن يبقى المؤشر ثابتا عند 52.0 في أغسطس.
وأشار ماركت في التقرير إلى أن القراءة المركبة كانت فقط «قليلا فوق المتوسط الذي شهدته على مدار العام حتى الآن، مما يشير إلى أن النمو في الربع الثالث من المرجح أن يكون مماثلا لتلك النتائج التي شوهدت في النصف الأول من العام».
ويرى المحللون أن تلك النتائج، رغم كونها ليست «إيجابية» بشكل كبير، فإنها تشير بشكل واضح إلى «استقرار واسع»، وهو أمر مهم عقب الاستفتاء، الذي كان من المتوقع أن يتبعه اضطراب كبير في الاقتصاد الأوروبي.
ويقول كريس ويليامسون إن مؤشر «فلاش لمديري المشتريات لشهر أغسطس يشير إلى أن منطقة اليورو لا تزال على مسار النمو المطرد في الربع الثالث، مع عدم وجود علامات على الانتعاش التي تخرج عن مسارها بسبب حالة عدم اليقين من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي»، موضحا أن البيانات أشارت إلى أن اقتصاد منطقة اليورو ينمو بمعدل ربع سنوي يقترب من 0.3 في المائة في الربع الثالث، أو بمعدل سنوي قدره 1.2 في المائة. مستنتجا أنه «على الرغم من المرونة التي يتمتع بها مؤشر مديري المشتريات في أغسطس، سيضيف ذلك الاعتقاد أن البنك المركزي الأوروبي سوف لا يرى أي حاجة لإجراء مزيد من التحفيز المباشر، وضعف الوتيرة الشاملة للتوسع والاتجاهات المخيبة للآمال في التوظيف، وتفاؤل الشركات والأسعار التي تقترح أن جميع صانعي السياسة سيبقون الباب مفتوحا لإجراء مزيد من التحفيز في وقت لاحق من هذا العام».
* علامات إيجابية في بريطانيا أيضا
وعلى الصعيد البريطاني، أظهر مسح أن طلبيات التصدير في قطاع الصناعات التحويلية البريطاني ارتفعت إلى أعلى مستوى في عامين في أغسطس بفضل انخفاض الجنيه الإسترليني نتيجة التصويت؛ غير أن ضعف العملة البريطانية رفع توقعات الأسعار لأعلى مستوى فيما يزيد على عام.
وأظهر المسح الذي أجراه اتحاد الصناعة البريطاني أن مؤشرا يقيس طلبيات المصانع كلها نزل قليلا إلى «سالب 5» في أغسطس، من مستوى «سالب 4» في يوليو، لكن طلبيات التصدير تحسنت إلى «سالب 6» من «سالب 22»؛ وهو أعلى مستوى منذ أغسطس 2014.
كما ارتفع مؤشر يقيس توقعات الإنتاج في الأشهر الثلاثة المقبلة إلى «زائد 11»، من «زائد 6» في يوليو، في الوقت الذي سجل فيه الجنيه الإسترليني هبوطا حادا بعد التصويت. وجاء في المسح أن متوسط الأسعار - التي يتوقع المنتجون طلبها على مدى الأشهر الثلاثة المقبلة - ارتفع إلى «زائد8» في أغسطس، من «زائد5» في يوليو، وهو أعلى مستوى منذ فبراير (شباط) 2015.
* اطمئنان القادة
وعلى مستوى زعماء أوروبا، تبدو نبرة الاطمئنان واضحة في التصريحات الأخيرة، التي تؤكد قدرة القارة الأوروبية على تجاوز تبعات الانفصال. إذ قال رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رينزي، الاثنين، في مؤتمر صحافي مشترك مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، إن أوروبا «لم تنته» بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وعقد القادة الأوروبيون الثلاثة مؤتمرهم الصحافي على متن السفينة الحربية الإيطالية غاريبالدي قبالة جزيرة فينتوتوني الإيطالية. حيث أكد رينزي قائلا: «كثيرون اعتقدوا بعد البريكست أن أوروبا انتهت، هذا الأمر غير صحيح»؛ مطالبا باتخاذ تدابير قوية من أجل تحقيق نمو اقتصادي للاتحاد الأوروبي.
ويسعى القادة الثلاثة لإيجاد السبل التي تتيح تعزيز تماسك الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء البريطاني.
من جانبه، قال الرئيس الفرنسي هولاند إن الخطر المحدق بأوروبا اليوم «يكمن في التفتت والتقسيم والأنانية»، مشيرا إلى أن أولويات بلاده تتركز في تعزيز الأمن والدفاع والاهتمام بالشبيبة. في حين أشارت المستشارة الألمانية ميركل إلى أن أزمة الهجرة ستكون أحد مواضيع البحث خلال عشاء العمل مع هولاند ورينزي.
لكن المستشارة الألمانية التزمت الحذر إزاء مطالبة رينزي بمزيد من الاستثمارات وبالليونة فيما يتعلق بالموازنة وتنديده بالتقشف، دون أن توصد الباب أمام تلك المطالب. قائلة: «أعتقد أن ميثاق الاستقرار (في الموازنة الأوروبية) يتضمن فعلا كثيرا من الليونة التي بإمكاننا استخدامها بشكل ذكي»، وأعادت مسؤولية اتخاذ قرار بهذا الصدد إلى المفوضية الأوروبية. داعية دول الاتحاد الأوروبي إلى المضي قدما في مجال التكنولوجيا الجديدة.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.