كانت الضربة الجوية الأميركية التي قتلت قائد تنظيم داعش في أفغانستان وباكستان بطائرة «درون» من دون طيار أحدث لطمة توجه لطموحات التنظيم الذي يتحرك انطلاقا من الشرق الأوسط للتوسع في منطقة لا تزال حركة طالبان القوة المهيمنة فيها. وكانت «داعش» قد أغرت المئات وربما الآلاف من المقاتلين في أفغانستان وباكستان على مبايعتها بل وسيطرت على مساحة صغيرة من الأرض في إقليم ننجرهار في شرق أفغانستان حيث سقط زعيمها حافظ سعيد خان قتيلا في الضربة الجوية الأميركية يوم 26 يوليو (تموز) وهو ما أكدته واشنطن مساء يوم الجمعة الماضي. غير أن مسؤولين ومحللين أمنيين يقولون إن التنظيم لا يزال خارج هذا الجيب الصغير مجرد اسم أكثر منه قوة مسلحة متماسكة في معظم أنحاء تلك المنطقة. وقال مسؤول في الشرطة الباكستانية بمدينة إسلام آباد مشترطا إخفاء هويته لأنه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام: «الجماعات في مختلف أرجاء العالم تريد القفز إلى تلك العربة والاستفادة من شعبيتها وما تبثه في النفوس من خوف». وتتزايد المخاوف التي أثارها في أفغانستان وباكستان تنظيم داعش منذ سيطر التنظيم الذي خرج من عباءة تنظيم القاعدة على مساحات من الأرض في العراق وسوريا في عام 2014 وبدأ يروج لأفكاره على المستوى العالمي. وفي الشهر الأخير اكتسبت تلك المخاوف قوة جديدة بعد أن أعلنت ولاية خراسان التابعة للدولة الإسلامية في أفغانستان وباكستان مسؤوليتها عن تفجيرين دمويين أسفر كل منهما عن سقوط أكثر من 70 قتيلا. وكان أحد التفجيرين في العاصمة الأفغانية كابل والثاني في مدينة كويتا بجنوب غربي باكستان الأسبوع الماضي. إلى ذلك، قالت الشرطة إن شخصين على الأقل أُصيبا أمس بعد انفجار قنبلة مغناطيسية كانت مزروعة على سيارة بالقرب من السفارة الأميركية في العاصمة كابل. وقال فريدون عبيدي رئيس إدارة التحقيقات الجنائية في شرطة كابل: «انفجرت قنبلة مغناطيسية كانت مزروعة في سيارة تويوتا كورولا يمتلكها ضابط بالجيش الأفغاني في هذه المنطقة وأسفر ذلك عن إصابة شخصين». ولم تعلن أي جهة على الفور مسؤوليتها عن الانفجار. وقال شاهد عيان كنت في المنطقة عندما حدث الانفجار ثم تزاحم الناس في المنطقة ورأيت شخصين مصابين. وقال تقرير للأمم المتحدة في الشهر الماضي إن 1601 مدني على الأقل قُتلوا وأُصيب 3565 آخرين في الشهور الستة الأولى من عام 2016 في إطار استمرار محاولة جماعات متشددة مثل طالبان الإطاحة بحكومة كابل منذ الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001
ومع ذلك فقد أثار المسؤولون الباكستانيون والمحللون المستقلون الشكوك فيما أعلنه تنظيم داعش خاصة فيما يتعلق بتفجير كويتا. وقالوا إن إعلان المسؤولية الأكثر مصداقية عن الهجوم الانتحاري الذي وقع في مستشفى هو على الأرجح ما صدر عن جماعة الأحرار المنشقة عن حركة طالبان.
وقال مايكل كوجلمان محلل شؤون جنوب آسيا في مركز وودرو ويلسون للأبحاث في الولايات المتحدة: «إن تنظيم داعش يتخذ على نحو متزايد وضع الدفاع وهو يكافح للدفاع عن دولة الخلافة الآخذة في التقلص في العراق وسوريا ولذلك فإن أمامه حافزا قويا لإظهار أنه ما زال موجودا على الساحة بإعلان مسؤوليته عن عملية لم ينفذها. وقبل عامين كان اسم تنظيم داعش أشهر من نار على علم وكان التنظيم قبلة المتشددين العازمين على استخدام العنف في تدمير المؤسسات العلمانية وفرض تفسيرهم المتطرف للإسلام». وفي واقع الأمر أعلنت جماعة الأحرار في وقت من الأوقات مبايعة أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم في عام 2014 خلال خلاف مع قيادة حركة طالبان الباكستانية. غير أنها عادت بعد بضعة أشهر إلى رفع راية طالبان كما أنها استخدمت اسمها الكامل (تحريك طالبان باكستان جماعة الأحرار) عندما أعلنت مسؤوليتها عن تفجير كويتا الذي وقع في الثامن من أغسطس (آب) الحالي.
وقد أوضح تنظيم داعش التزامه بتطوير ولاية خراسان التي أعلنها في يناير (كانون الثاني) 2015.
وعندما أعلنت القيادة المركزية لتنظيم داعش مسؤوليتها عن تفجير كويتا أصدرت بيانات باللغات العربية والإنجليزية والأردية المستخدمة في باكستان. ولاسم «خراسان» أهمية خاصة في فكر التنظيم لأنه يشير إلى منطقة تاريخية تشمل جانبا كبيرا من إيران الحالية وأفغانستان وباكستان وإلى نبوءة بأن جيش المسلمين سيخرج من تلك المنطقة لفتح جميع أرجاء الشرق الأوسط بما في ذلك القدس. والإغراءات في جنوب آسيا واضحة بما يكفي في نظر التنظيم بفعل وفرة فرص تجنيد الأنصار من بين المقاتلين الموجودين والمسلحين تسليحا جيدا وكذلك خبراء صناعة القنابل. ونظرا لوجود عشرات من الفصائل الإسلامية التي تربطها تحالفات فضفاضة في أفغانستان وباكستان فإن المنطقة مؤهلة للتحولات الجاهزة في الولاءات. غير أن حركة داعش الناشئة في البلدين تواجه تحديات ففصائل مختلفة من حركة طالبان وتنظيم القاعدة المتحالف معها ممن يعترضون على أحقية البغدادي في الخلافة ما زالت تسيطر على شبكات واسعة متداخلة للتمويل من تجارة الأفيون وعمليات الخطف وفرض الإتاوات على مناطق تخضع لسيطرتها. وقال مسؤول الشرطة الباكستاني: «سيكون الثمن الذي تدفعه أي جماعة باكستانية غاليا جدا للانضمام إلى جماعة رفضتها حركة طالبان الأفغانية رفضا قاطعا». وبخلاف انتزاع السيطرة على عدة مناطق في ننكرهار من طالبان فلم يسيطر أنصار «داعش» حديثو العهد بمبايعتها على أي مساحة أخرى تذكر من الأرض في أفغانستان. كذلك فإن حركة طالبان وتنظيم داعش يتعرضان لقصف عنيف من جانب الطائرات الأميركية من دون طيار ولهجمات قوات الأمن الأفغانية في ننكرهار ومنها الهجوم الذي قتل فيه خان. وقالت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي إنها تقدر أن نحو 300 مقاتل من تنظيم داعش قتلوا في يوليو الماضي. ولا يعد مقتل القائد المحلي ضربة قاضية لقدرات التنظيم المحدودة على تنفيذ عمليات في المنطقة لكنها تؤثر بشكل من الأشكال على صورته في منطقة تكثر فيها خيارات الانخراط في القتال. وشرح كوجلمان من مركز ويلسون الفرق بين إغراء اسم «داعش» في أفغانستان وباكستان وفي مناطق أخرى من العالم. فقال: «في أوروبا لن يجد الساخطون والمستاءون بين المتشددين المحليين الكثير من الخيارات المغرية في بلادهم. وهذا ما يدفعهم للقيام بالرحلة إلى الشرق الأوسط للانضمام لصفوف تنظيم داعش»..
أما في باكستان وأفغانستان فالوضع مختلف؛ إذ يقول: «إن من اعتنق الأفكار المتطرفة حديثا ويبحث عن الانتماء لفصيل فليس ثمة ما يدعو إلى انجذابه لـ(داعش) لأن الخيارات الأخرى أمامه كثيرة».
مهمة شاقة أمام «داعش» لنشر فكرها في أفغانستان وباكستان
إصابة اثنين في انفجار بالقرب من السفارة الأميركية في كابل
انتشار أمني بالقرب من السفارة الأميركية في حي وزير أكبر خان بالعاصمة كابل بعد تفجير سيارة مفخخة بالقرب منها أمس (أ.ف.ب)
مهمة شاقة أمام «داعش» لنشر فكرها في أفغانستان وباكستان
انتشار أمني بالقرب من السفارة الأميركية في حي وزير أكبر خان بالعاصمة كابل بعد تفجير سيارة مفخخة بالقرب منها أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
