العجابئي والغرائبي في مجتمعات «ألف ليلة وليلة»

محسن الموسوي يكتب عن الذاكرة الشعبية وعلاقتها بالسرد ونظرياته

من أجواء ألف ليلة وليلة
من أجواء ألف ليلة وليلة
TT

العجابئي والغرائبي في مجتمعات «ألف ليلة وليلة»

من أجواء ألف ليلة وليلة
من أجواء ألف ليلة وليلة

ربما لا تعرف الثقافة العربية، ولا العالمية، متخصصًا في «ألف ليلة وليلة»، هذا الأثر الكبير والخالد، بحجم الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الأدب العربي والمقارن في جامعة كولومبيا، الذي كتب بالعربية والإنجليزية مجموعة من الكتب والمقالات تجعله أول من وضع الكتاب في أطر معرفية وثقافية تقدم شرحًا وتفصيلاً لكل جانب من جوانبه. وكتابه الجديد «الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة» 2016 صدر حديثًا عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء. وقبل الولوج إلى محتويات هذا الكتاب الضخم ومعالجاته وأفكاره وأساليبه، أشير إلى أن الموسوي نشر كتابه الأول عن ألف ليلة وليلة كأطروحة دكتوراه باللغة الإنجليزية سنة 1981 وتحت عنوان «الوقوع في دائرة السحر: ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب». وظهر بالعربية بثلاث طبعات في بغداد والقاهرة وبيروت. وإذا كان القراء العرب قد عرفوا بأطروحة الدكتورة سهير القلماوي التي أشرف عليها الدكتور طه حسين في الثلاثينات، ونشرتها «دار المعارف» 1940-1941. فإن ذلك العمل المهم الذي تناول الأثر وظهوره في الثقافة العربية العباسية لم يحقق الانتشار المطلوب، لا لعدم أهميته، ولكن لأن القراء العرب تعاملوا مع ألف ليلة وليلة كأثر هامشي عادي تركوا أمره منذ زمن للعجائز والأمهات يتحدثون بشأنه لأطفالهم قبل ظهور التلفزة وما تلاها. لكن كتاب الموسوي أتى في لحظة تطلع واسعة في الثقافة العربية، وتعامل مع نقطة ضعفها: أي عقدة الانبهار بالغرب ورسوخ عقدة الخواجة عند علية المثقفين. اخترق الموسوي هذه العقلية من هذه النقطة، فهو يوضح في كتابه الجذري عمق التأثير النظري والأسلوبي لألف ليلة وليلة المترجمة في الثقافة السردية والشعرية، مشيرا إلى الأسماء الكبرى في الغرب منذ القرن الثامن عشر وبخاصة القرن التاسع عشر التي تعاملت مع الأثر بجدية بالغة. اجتاح الأثر الفئات الوسطى وبلغ الفلاسفة والروائيين والشعراء، ودفع الصحافة إلى نشره متسلسلا، بينما قامت مجلة «الروائي» البريطانية في القرن الثامن عشر بنشر الترجمة الإنجليزية عن نسخة أنطوان غالان.
كتاب الموسوي الأول «الوقوع في دائرة السحر: ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب» وضع اللبنات الأساسية لمعرفة عمق التعامل النظري الأسلوبي مع هذا الأثر الذي حضر بعد ذلك. وعندما نتحدث عن عمق الأثر فنحن لا نتحدث فقط عن الصورة الشعرية والفكرة والبنية، وأساليب الروي والسرد، ولكننا نتحدث أيضًا عن «المضمر»: أي ذلك الباب الذي فتحته ألف ليلة وليلة (الليالي العربية، كما تشيع تسميتها في الغرب) والتي تدفق منها شخوصها من حمالين وفتيات وجن وخلفاء وسحرة ومردة وأصحاب الحرف. نحن نتحدث عن (شخوص) لم يألفهم السرد الغربي من قبل حيث الرواية تكوين رمزي (أليغوري) أو قصة للطبقة الوسطى عن مسألة عائلية محددة. اندفع هؤلاء من قمقم (غالان) ليجتاحوا الحياة الثقافية ويبدون متناسلين تمامًا عن التحولات الاجتماعية التي رافقت الثورة الصناعية وظهور فئات الكسبة والعمال والشغيلة عمومًا والموظفين. كانت أوروبا تشهد طفرتها الصناعية التي لا تفسرها لأذهانهم المندهشة غير خوارق ألف ليلة وليلة: كل شيء يتم في رمشة عين، والتحولات على أشدها بوتائر غريبة. وما كان مستقرًا اليوم ارتج وتغيّر. ومن كان غنيًا أصيب بالفقر، والفقير قد يصعد إلى فوق. كان سوق العملات والتجارة يزخر بالمفاجآت: هكذا وجد ديكنز هذا الفن في هذا القمقم فغرف منه ما كان أسلوبًا وبنية. شاعت مفردات الطلاسم والتمائم وغيرها برفقة ما هو عملي ومعيشي. هذه التغييرات ليست اعتيادية. هكذا تعامل معها الشعراء الكبار أمثال كولردج وشيلي وكيتس وتنسون وهكسلي وقبلهم لي هانت.
في «الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة» يأتي الدكتور محسن الموسوي إلى «الذاكرة» وأهميتها أولاً حيث علاقتها بالسرد ونظرياته. والذاكرة تشتغل على (الحكاية)، كما تشتغل على أي موضوع آخر. وشأن الخبر، هناك حكايات وقصص تحضر وأخرى تختفي لتحلّ بديلاً عنها حكايات قوية: يبيّن المؤلف اشتغالات الذاكرة على أنها أساسية لمعرفة آليات السرد. فالمدّون هو سجن الذاكرة، وسجن الحكاية، لأنه يريد وضعها في إطار معنى ويمنعها من الحركة والتمدد أو التكيّف: كانت الذاكرة تتكشف مع الأوضاع المستجدة والظروف. وهذا هو سر ديمومتها وحيويتها وثرائها. التدوين سجن للذاكرة وقيد للمحكي. ويبيّن الموسوي المقاربات الكثيرة بين مدونات تاريخية وأخبار الحكايات ويبيّن الفروق بين هذه: فالحكاية تمتلك عناصر متعددة مضافة وتتخلى بحيوية ما تعوزها وتفتقدها الحكاية ذاتها عند الجاحظ أو غيره مثل السجستاني والتنوخي.
وإذا كانت الثقافة العربية قد عرفت بهذا الأثر بشكل ما منذ القرن التاسع الميلادي، فإن لحضوره وتناميه قصتهما. وهي طويلة ومليئة بالملابسات شأن الاستقبال العاصف الذي ميّز هذا الحضور في أوروبا بشكل حكايات متفرقة أولاً في القرنين الثاني عشر والثالث عشر قبيل ظهور ترجمة أنطوان غالان 1704 وظهورها مترجمة بالإنجليزية 1706. ثم في اللغات الأخرى. لكن ما هو أبلغ من هذا الحضور هو الأثر: هذا الأثر بأوروبا والشرق برمته كان قويًا في أميركا اللاتينية والولايات المتحدة الأميركية، ذلك لأنه اقتحم خاصية السرد وآلياته التي تجعل لهذه المجموعة هذا الحضور وذاك التأثير.
ولا يعني هذا الاشتغال انعزاله عن العوامل الأخرى المؤثرة في التكوين والبنية: وهنا يقدم الموسوي المقاربة التوبوغرافية (التضاريسية) بتفصيل: فنحن نتقبل أن العواصم الكبرى (بغداد - القاهرة) مثلاً سحبت من الأطراف الكتاب والأدباء والمؤرخين والنحاة والفلاسفة. لكننا ننسى أن هذه الحواضر الكبرى التي تستقدم التجارة والثقافة تستقدم (الحكي) و(الرواية) والخبر، وتتمركز هذه في (الحواضر) وتخضع لعوامل الحاجة والطلب، كما أنها تخضع لمواصفات السوق: فالحكواتي/ الروائي يتخذ من هذه مهنة وحرفة، ويهمه أن يكون مقبولاً ومسموعًا بين منافسين آخرين يتوزعون الدروب والأسواق والمجالس. ولكي تكون الحكاية نافذة، عليه التحسين فيها باستمرار ومعرفة ما يدور من جديد. إن (التحسين) من صفات الذاكرة، فلا ذاكرة تسترجع الأمر كما كان، بل تسقط عليه المستجدات وتعطيه ثوبًا.
وللمقاربة الجغرافية - التضاريسية شأن آخر: فكما أن بغداد أو القاهرة تستقدم من الأطراف رموزها وعلماءها وتجارها، فإن الحكاية الإطار هي تعلة لمثل هذا الاستقدام والتكيف. هنا يُسقط الموسوي موضوعي (المؤلف) والنص الصامد، أي الأول والأخير، من الحساب ويأتي بديلاً عن ذلك بفرضيات بمنتهى الأهمية: فلكل روي ومحكي أساس، سواء أكان تاريخيًا أو حياتيًا. لكن هذا الأساس يخضع للتغيير والتطوير والتعديل والتشذيب والتأطير أيضًا ضمن سياق (أدرك شهرزاد الصباح) ومعه عبرة الحكاية. الإطار هو مركز (حاضرة المحكي). وهو لهذا السبب نافع ومؤذ في آن واحد. فهو نافع لأنه يستدعي الإضافة والتكييف، ومؤذٍ لأنه يمنع الحكاية من الحركة والتوسع والتمدد.
أما الجانب الثالث في المقاربة الجغرافية التضاريسية في العصور السالفة فيخص المدينة وما لديها من شوارع كبرى ودروب وأزقة و(زنقة)، وهي تلتف وتدور بدل الخطوط المتوازية والمستقيمة في حركة عمران المدن الحديثة. كذلك السرد: فهو يتخذ من هذه السبيل تدويرًا والتفافًا بما يجعل الحكاية مالكة لأكثر من عنصر ودافعا وفاعلا وحركة. هذا يحتم قراءة السرد لا في ضوء التطبيق الغربي التالي الذي أخذ عن ألف ليلة وليلة، ولكن في ضوء الواقع الجغرافي والحضري وكذلك التاريخي. وبمعرفته الواسعة بالعصور الوسطى وثراء اطلاعه على المرويات يتيح لنا الدكتور الموسوي أن نجري اشتغالات الذاكرة في آليات السرد.
يتفق الموسوي مع تودوروف في تطبيقات الأخير على العجائبي والغرائبي والخارق التي يستعين بها لتحليل ثلاث حكايات أو أكثر من ألف ليلة وليلة (ترجمة غالان) لكنه يرى هذه التطبيقات محدودة بالخارق الذي يشكل نسبة ضئيلة بين مجموعة الحكايات. فالمرويات المدينية واسعة وتحتم قراءة أخرى في آليات السرد وشخوص الحكي وعلاقة الفواعل بالأحداث، ولغة السرد وطبيعة العلاقة بين المحكي والمدون. وبكلمة أخرى فإن هذا الكتاب (الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة)، يفتح بابًا كبيرا للباحثين والقراء، ويضع هذا الأثر ومجتمعاته في سياق ثقافتنا العربية، واهتماماتها قديمًا وحديثًا: وهو يأتي إلى هذا الأمر بعدة واسعة من الاستراتيجيات النقدية والسردية، أغلبها حصيلة استنتاجاته وتبحره العميق في الموروث والحداثة. فلا يتعكز على اسمين أو ثلاثة من نقاد الغرب، وإنما يحاجج الجميع في ضوء المادة، ومفاهيم الذاكرة، وما تحمله هذه من استنتاج أو قياس. كتاب استثنائي بكل المقاييس.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».