التوسع في رعاية الأطفال.. يسبب خسائر للعمال

لم يجذب كثيرًا من الانتباه

كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)
كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)
TT

التوسع في رعاية الأطفال.. يسبب خسائر للعمال

كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)
كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)

عملت كترميلا ساليناس بشكل مستمر لمدة 14 عامًا كمدرسة لمرحلة الطفولة المبكرة، حيث كانت تعتني بـ4 أو 5 أطفال لدى مركز التعلم العائلي غير الربحي في حي إسبانولا الفقير الذي يقع إلى الشمال من سانتا في بولاية نيومكسيكو الأميركية. وحتى مع ذلك، كانت نادرا ما تكتسب ما يكفي من المال لتغطية فواتيرها الشهرية، وتلقت أكثر من مرة خطاب إنذار بقطع الخدمات من شركات المياه أو الكهرباء أو الغاز. وقبل بضعة شهور، وصلت إلى منزلها برفقة ابنها آرون البالغ من العمر 10 سنوات لتجد الكهرباء مقطوعة عن شقتها.
وتذكرت ابنها آرون يقول لها «لكن يا أمي، ألا يعلمون أن اليوم هو عيد ميلادك؟».
في حين أن الجهود المبذولة للعثور على رعاية للأطفال بأسعار معقولة قد جذبت انتباه الكثيرين، مما دفع الرئيس باراك أوباما أن يسميها «الأولوية الاقتصادية الضرورية»، فإن كفاح العمال – وأغلبهم من النساء – لتوفير مثل تلك الرعاية لم تجذب كثيرا من الانتباه.
ومع ذلك فإن كلا المجالين مرتبط ولا يمكن فصم عراهما. تقول مارسي وايتبوك، مديرة مركز دراسات وظائف رعاية الأطفال لدى جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي «لا يمكن فصل جودة تجارب وخبرات الأطفال عن المعرفة، والمهارات، ورفاهية المعلمين في أعمار الأطفال المبكرة».
وهناك نحو مليونين من موفري رعاية الأطفال يعتنون بنحو 12 مليون طفل من مرحلة حديثي الولادة وحتى سن الخمس سنوات، وهم من بين فئات العمال الأقل أجرا في البلاد، وأحيانا يحصلون على أجور أقل من المعدل الأدنى للأجور في الدولة، كما تقول السيدة وايتبوك، والتي ألفت مقارنة ما بين الولايات الأميركية حول قوة العمل للرعاية المبكرة للأطفال والتي نشرت الأسبوع الماضي. كما يحصل موفرو الرعاية على أقل المميزات وفرص التدريب المتدنية، كما يخضعون لمجموعة متشابكة من المتطلبات واللوائح التي تتراوح بين برنامج واحد إلى ما يعقبه.
ولقد قال العلماء قبل عقود مضت إن السنوات الأولى من حياة الطفل هي السنوات الحاسمة، وجاء ذلك في تقرير الأكاديمية الوطنية للعلوم والهندسة والطب لعام 2015: «توفير الأساس الذي ينبني عليه التعلم والتقدم طيلة مراحل الحياة». ولقد انتقلت الولايات الديمقراطية والجمهورية وغرفة التجارة الأميركية إلى جانب أنصار حقوق الأطفال نحو دعم وإسناد مرحلة ما قبل الروضة على الصعيد العالمي.
ولكن على نحو ما خلص إليه الباحثون فإن «البالغين الذي يفتقرون إلى مرحلة التعلم المبكر الأساسية، أو المعرضين للتوتر والإجهاد المزمن قد يساهمون أنفسهم في تجارب المحن والإرهاق للأطفال ويؤدي لتقويض التطور والتنمية والتعلم في حياتهم». وتعلم السيدة ساليناس البالغة من العمر 43 عاما هذا النوع من الإجهاد والتوتر تمام العلم. بعد 14 عاما، بدأت تحصل على 12.89 دولارا في الساعة، ولكن سقف ساعات العمل الأسبوعية لديها لا يتجاوز 32 ساعة. وإذا ما عملت ساعات إضافية، لا بد على المركز غير الهادف للربح أن يوفر لها المزيد من المميزات، التي لا يستطيع المركز تحمل تكاليفها. وفي السنوات الماضية، تمكن عدد كاف من أولياء الأمور من سداد المصروفات الدراسية خلال فصل الصيف، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك هذه المرة. ونتيجة لذلك، ظلت من دون عمل حتى بدأ تمويل الولاية لمرحلة ما قبل الروضة في التدفق مرة أخرى في سبتمبر (أيلول) الماضي.
تمكنت السيدة ساليناس، لفترة من الوقت، من الحصول على عمل إضافي لدعم راتبها الأساسي، ولكن المزيد من المال يعني أنها أصبحت غير مؤهلة للحصول على كوبونات الغذاء والرعاية الطبية المجانية.
من دون المساعدات الحكومية، قالت: إنها لم تتمكن من تحمل تكلفة جهازين للاستنشاق – وكانت تكلفة الجهاز الواحد تبلغ 200 دولار، وكان الآخر يباع بسعر 75 دولارا – واللذين تحتاجهما لعلاج حالة الربو المزمن التي تعاني منها. وقالت السيدة ساليناس «دخلت المستشفى العام الماضي بسبب مضاعفات الربو. وكنت أقنن في تناول الدواء. من المفترض أن أتلقى 4 نفثات في اليوم، ولكنني كنت أفكر: هل يمكنني المواصلة بواحدة فقط؟».
كما أنها لا تستطيع تحمل شراء ما يكفي من البقالة. عندما كانت كوبونات الغذاء تأتيها قبل بضعة أسابيع، كانت تتمكن من ملء ثلاجة منزلها. وكان ابنها مذهولا عندما رأى كميات الزبادي، والجزر، والفراولة، واللحم، واللبن، والعصائر، حتى أنه سألها قائلا: «أمي، هل أصبحنا أغنياء الآن؟».
فأجابته قائلة: «كلا يا صغيري، بل نحن فقراء جدا جدا». وقالت السيدة ساليناس بأنها لم تكن تستطيع المواصلة إن لم تكن قد ورثت منزل والدتها قبل بضع سنوات. ولكنها لا تزال غير قادرة على تغطية فواتيرها الشهرية. عندما تعطلت سيارتها العام الماضي، استغرق الأمر منها 4 شهور كاملة حتى تتمكن من ادخار ما يكفي من المال لإصلاحها. وولاية نيومكسيكو، كغيرها من الولايات الأخرى، توفر رواتب محدودة لمساعدة المدرسين على الحصول على أوراق الاعتماد التي يحتاجون إليها. ولكن الأموال، كما تقول السيدة ساليناس، تكفي بالكاد لتغطية دورة تدريبية واحدة في كل فصل دراسي. وكانت تحضر فصولا دراسية في عطلة نهاية الأسبوع أو في المساء منذ عام 2005 للحصول على درجة البكالوريوس.
وبعد 8 سنوات من التعليم المماثل بدوام جزئي، حصلت مونا زامورا، 33 عاما الآن، على الدبلومة أثناء ما كانت تعمل في مركز لرعاية الأطفال في لاس كروسيس. وفي أحد معارض التوظيف، علمت بشأن وظيفة متاحة كمدرسة في دار لرياض الأطفال في ميسا بولاية أريزونا، حيث ستنتقل إلى هناك برفقة أطفالها. وسوف يبلغ راتبها 38 ألف دولار في العام – وهو أكثر بمقدار الثلث عما كانت تحصل عليه في نيومكسيكو – بالإضافة إلى التأمين الصحي وبرنامج المعاش.
تقول السيدة زامورا «فور تخرجي وحصولي على الدرجة الجامعية، كانت الوظيفة التي كنت أعمل فيها طيلة 8 سنوات من الدراسة لم تكن كافية لتغطية المصروفات والفواتير».
تدفع المدارس الحكومية، حتى في الولايات الأميركية الفقيرة، رواتب أفضل بوجه عام من مراكز رعاية الأطفال غير الربحية والقطاع الخاص. وفي نفس الوقت، يميل المعلمون في المدارس الابتدائية لأن يحصلوا على رواتب أكثر بمقدار الضعف مما يحصل عليه المعلمين في مراحل ما قبل الروضة، ويأتي القائمون على رعاية الأطفال والرضع في فئة أدنى على قائمة الرواتب، وفقا لتقرير فرع بيركلي.
اعترفت السيدة وايتبوك أنه في حين أن الكثير من الأمهات لم يحصلن على درجة البكالوريوس، فإن التعامل مع غرفة مليئة بالأطفال يتطلب نوعية مختلفة من المهارات. وأضافت تقول: «إن العمل في رعاية وتعليم الأطفال الصغار عملية معقدة وتتطلب الكثير من المعرفة والعمل مع الأطفال من سن 5 إلى 8 سنوات».
وأشادت بالولايات للتركيز على تحسين التدريب والمؤهلات، ولكنها قالت: إن الجهود المبذولة حتى الآن غير كافية. فالعاملون في مجال رعاية الأطفال يحتاجون إلى الدعم المهني داخل الفصول الدراسية، وقالت: إننا نحتاج إلى رفع سقف المزايا والرواتب حتى يتمكن الناس من تغطية تكاليف المعيشة من خلال الأجور.
ولكن استخدام المعايير للمعلمين في المدارس الحكومية كمقياس يسبب المتاعب لدى كاثرين ستيفنز، وهي باحثة في سياسة التعليم لدى معهد أميركان إنتربرايز المحافظ في واشنطن.
وتقول السيدة ستيفنز «إنه النموذج الذي أخفق كثيرا في خدمة الأطفال المحرومين وإلى حد كبير»، في إشارة إلى أن التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة يوفر فرصة قوية للغاية لمساعدة في توفير الفرص المتكافئة للأطفال الفقراء، والذين يمكن أن يتخلفوا لعام أو عامين في الوقت الذي يبدأون فيه مرحلة رياض الأطفال. وأضافت تقول: «إنها مرحلة حاسمة وإننا في حاجة لأناس من ذوي الخبرة الجيدة في ذلك. ولكن الدرجة الجامعية قد لا تكون ضرورية بالنسبة لموفري الرعاية للأطفال حديثي الولادة أو الرضع».
وتقول السيدة ستيفنز إن موفري رعاية الأطفال يستحقون رواتب أكثر من رواتبهم الفقيرة، وأضافت: «إن القفز إلى الحلول الجاهزة سوف يكون له أثر رجعي مؤلم. فإننا لا نعلم الخبرات التعليمية أو التدريبية التي تؤدي بالعاملين في مجال رعاية الأطفال أو المعلمين لأن يكونوا أكثر فعالية وكفاءة مع الأطفال الصغار».
ورفع الأجور سيؤدي لارتفاع تكاليف خدمات رعاية الأطفال كذلك – مما يجعلها بعيدا عن متناول العائلات ذات الدخل المحدود أو المتوسط، ويرهق ميزانيات الولايات المحدودة بالفعل.
ويقول الباحثون من فرع بيركلي بجامعة كاليفورنيا إن العمل لتوسيع رعاية الأطفال يأتي على حساب النساء اللاتي يحصلن على أجور زهيدة. ويقول التقرير «إن الهدف الرئيسي من خدمات الأطفال كان التخفيف من حدة الفقر بين الأطفال، ولكن الكثير من هذه الجهود تستمر في توليد المزيد من الفقر في القوة العاملة الخاصة بالتعليم في المراحل المبكرة التي تسيطر عليها النساء، والمليئة بالفروقات العرقية والجنسية».
وعلى الرغم من كل المصاعب التي ألمت بها، تقول السيدة ساليناس في إسبانولا بأنه ليست هناك وظيفة أخرى يمكن الحصول عليها: «أدركت أن هذه هي رسالتي في الحياة»، حيث اكتشفت الأمر بعدما حصلت على وظيفة بدوام جزئي في مركز للرعاية النهارية عندما كانت ابنتاها تعيشان في المنزل.
وحتى مع ذلك، فإن السيدة ساليناس وزملاءها لديهم عائلاتهم الخاصة. وفي رحلة لجمع الأموال من أجل التعليم لدى مجلس المدينة في سانتا في، تذكرت الاجتماع مع السيناتور الذي قال لها «إنك لا تحصلين على المال لأجل ما تفعلين، بل تحصلين على الحب في المقابل».
فأجابته قائلة: «أحقا؟ فهل عندما يأتي صاحب المنزل مطالبا بالإيجار، أيمكنني أن أمنحه عناقا بدلا من المال؟».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«شريان هرمز» تحت الحصار... صدمة مزدوجة في أسواق الطاقة العالمية

أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أناس يزورون جزيرة هرمز في مضيق هرمز قبالة مدينة بندر عباس الإيرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تعيش أسواق الطاقة حالة من الاستنفار القصوى في أعقاب التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط. فقد أدى اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى شل حركة الملاحة فعلياً في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يضخ أكثر من 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما أثار مخاوف من «صدمة إمدادات».

يُعدُّ مدى سرعة عودة حركة ناقلات النفط إلى وضعها الطبيعي في مضيق هرمز أمراً بالغ الأهمية لأسواق الطاقة، إذ ينقل هذا المضيق خُمس إنتاج النفط العالمي ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال. وتشير تقديرات «جي بي مورغان» إلى أن توقف حركة الناقلات لمدة 25 يوماً سيؤدي إلى امتلاء خزانات التخزين لدى الدول المنتجة، مما سيجبرها على خفض الإنتاج.

وشهد يوم الاثنين قفزات سعرية حادة في أول جلسة تداول منذ شن الهجوم يوم السبت، ارتفع سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة تصل إلى 13 في المائة ليتجاوز 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

وفي الوقت ذاته، أعلنت شركات التأمين عن إلغاء بعض وثائق التأمين لتغطية السفن في المنطقة. بينما أعلنت وكالة «إس آند بي غلوبال بلاتس»، المتخصصة في تقارير أسعار النفط، تعليق عروض الشراء والبيع لتقييمات أسعار المنتجات المكررة في الشرق الأوسط التي تعبر مضيق هرمز؛ بسبب اضطرابات الشحن الناجمة عن النزاع الأميركي الإيراني. وأضافت الوكالة، التي تُعدّ من أكبر مزوِّدي معلومات الأسعار والمعاملات في أسواق النفط والوقود، أنها تُجري مراجعةً لآلية تسعير النفط الخام بالشرق الأوسط.

وعلى صعيد التوقعات، حذَّر محللو «سيتي غروب» من استقرار الأسعار في نطاق 80-90 دولاراً، بينما رفع «مورغان ستانلي» توقعاته للربع الثاني إلى 80 دولاراً للبرميل. وفي حال استمر إغلاق المضيق، حذَّرت «وود ماكنزي» من أن الطاقة الإنتاجية الفائضة لـ«أوبك بلس» ستصبح غير متاحة، مما قد يدفع الأسعار لتجاوز 100 دولار للبرميل.

أزمة الغاز

لم تتوقف الأزمة عند النفط، بل انتقلت إلى الغاز الطبيعي، حيث سادت حالة من الذعر في الأسواق الأوروبية مع قفزة تجاوزت 30 في المائة في أسعار الغاز، عقب إعلان «قطر للطاقة» تعليق عمليات الإنتاج والتصدير. وأكَّدت وزارة الدفاع القطرية أن طائرة مسيَّرة إيرانية استهدفت منشأة معالجة الغاز البرية في مدينة «رأس لفان» الصناعية، مما أدى إلى توقف العمليات.

منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)

وتُعد هذه الضربة قوية لأوروبا التي تعتمد على قطر كبديل استراتيجي للغاز الروسي. وأشار أولي هفالباي، محلل السلع في بنك «إس إي بي»، إلى أن اضطراب تدفقات هرمز -التي تمر عبرها 20 في المائة من إمدادات الغاز المسال عالمياً - سيؤدي إلى تنافس شرس بين المشترين الآسيويين والأوروبيين على شحنات الغاز الأميركية، مما سيؤدي لارتفاع الأسعار بشكل حاد في حوض الأطلسي.

وتتوقف بوصلة الأسعار على مدى استمرار هذه الحرب. ويرى محللون أن السيناريو الأساسي يعتمد على تطورات المشهد السياسي في طهران؛ حيث يأمل المجتمع الدولي في تغيير جوهري في القيادة أو تدخل دبلوماسي أميركي لخفض التصعيد خلال أسبوع إلى أسبوعين. ومع ذلك، فإن بقاء الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة يهدد بإشعال موجة تضخمية عالمية تضع البنوك المركزية في مأزق تاريخي بين مكافحة التضخم ودعم النمو.

الشمس تغرب خلف مضخة نفط بحقول النفط الصحراوية في الصخير - البحرين (أ.ب)

آسيا الأكثر انكشافاً

وفي السياق نفسه، تجد القارة الآسيوية، التي تعد «محرك النمو العالمي»، نفسها اليوم في قلب العاصفة؛ فهي الطرف الأكثر انكشافاً على تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، نظراً لكونها المعتمد الأول والأكبر على إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. إن ما يحدث ليس مجرد اضطراب تجاري، بل هو تهديد مباشر لـ«الأمن القومي للطاقة» في عواصم القارة.

وتعتمد دول مثل اليابان، كوريا الجنوبية، والهند بشكل شبه كلي على ممرات الشحن في الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها الأساسية. ففي اليابان، يمر حوالي 70 في المائة من النفط المستورد عبر مضيق هرمز، مما يجعلها «رهينة» لأي توتر جيوسياسي في هذا الممر. أما الصين، رغم تنوع مصادرها، فإنها تظل المشتري الأكبر للنفط الإيراني والغاز المسال القطري، مما يجعل من أمن هذه التدفقات مسألة حياة أو موت لصناعاتها الكبرى.

ولهذا الغرض، تسارع الحكومات الآسيوية حالياً إلى تقييم مخزوناتها الاستراتيجية. فبينما تمتلك اليابان مخزونات تكفي لقرابة 250 يوماً، وتتمتع كوريا الجنوبية بوضع مشابه بفضل احتياطيات القطاعين العام والخاص، غير أن هذه الأرقام تخفي وراءها «قلقاً استراتيجياً». فالمخزونات ليست أداة لتعويض الإنتاج على المدى الطويل، بل هي «صمام أمان» لمواجهة صدمات قصيرة الأجل. وفي حال تحول الصراع إلى «حرب استنزاف» طويلة الأمد، ستجد هذه الدول نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما استنزاف مخزوناتها التي قد لا تعوض بالسرعة الكافية، أو الرضوخ لأسعار السوق الفورية المشتعلة.

ومع تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر، بدأت آسيا تدخل في منافسة شرسة مع أوروبا على شحنات الغاز الأميركية والأسترالية. هذا التهافت على المصادر البديلة يؤدي إلى تضييق الخناق على المعروض العالمي، وهو ما يرفع الفواتير الطاقوية للأسواق الناشئة في آسيا بشكل جنوني. وبالنسبة للهند وبعض دول جنوب شرق آسيا، يعني ارتفاع الأسعار زيادة فورية في فاتورة الاستيراد، مما يضع ضغوطاً هائلة على موازين المدفوعات ويؤدي إلى تضخم مستورد قد ينهي طموحات النمو الاقتصادي للعام الحالي.

ولا تتوقف الأزمة عند النفط الخام؛ فالمصافي الآسيوية - التي تُعد الأضخم في العالم - تعتمد في عملياتها على خامات الشرق الأوسط الثقيلة والمتوسطة. ومن شأن تعطل تدفق هذه الخامات أن يدفع المصافي الآسيوية إلى خفض معدلات التكرير، مما سيؤدي إلى نقص حاد في الوقود المكرر (الديزل، والبنزين، ووقود الطائرات) داخل القارة نفسها، وهو ما يضرب قطاع النقل والخدمات اللوجيستية.


«قطر للطاقة» توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال

منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)
منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)
TT

«قطر للطاقة» توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال

منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)
منشأة لتخزين الغاز في قطر ⁠(قطر للطاقة)

أعلنت شركة ‌«قطر ‌للطاقة»، الاثنين، ‌تعليق ⁠إنتاج ​الغاز ⁠الطبيعي ⁠المسال ‌والمنتجات ‌المرتبطة ​به؛ بسبب ‌هجمات عسكرية ‌استهدفت ‌منشآت في ⁠رأس لفان ⁠ومسيعيد.

وقالت «قطر للطاقة»، في بيان صحافي، إنه «بسبب هجوم عسكري على مرافقها التشغيلية في مدينة راس لفان الصناعية ومدينة مسيعيد الصناعية في دولة قطر، أوقفت (قطر للطاقة) إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة».

وقفزت «أسعار الغاز الأوروبي» بأكثر من 30 في المائة عقب تعليق «قطر للطاقة» إنتاج الغاز المسال.


«بلاك روك للاستثمار»: التطورات بالشرق الأوسط لن تؤدي فوراً لاضطراب مستدام في الإمدادات

شعار شركة «بلاك روك» (رويترز)
شعار شركة «بلاك روك» (رويترز)
TT

«بلاك روك للاستثمار»: التطورات بالشرق الأوسط لن تؤدي فوراً لاضطراب مستدام في الإمدادات

شعار شركة «بلاك روك» (رويترز)
شعار شركة «بلاك روك» (رويترز)

قال «معهد بلاك روك للاستثمار»، الاثنين، إن التأثير النهائي للتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط على الأسواق سيعتمد بشكل رئيسي على مدة الصراع ومدى تأثر تدفقات الطاقة، مشيراً إلى أن حدوث اضطراب مستدام في الإمدادات ليس السيناريو المرجح على المدى القريب.

وأوضح في مذكرة حديثة، اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، أنه ينظر إلى الأحداث الراهنة باعتبارها «صدمة تقلبات» في الوقت الحالي، مؤكداً أنه لا يعتزم تغيير رؤيته الاستثمارية، وأنه مستعد لمواجهة أي ردود فعل مفرطة في الأسواق.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران وقيادتها، ما أدى إلى ردود انتقامية عبر إسرائيل وعدد من دول الخليج. وبحسب المذكرة، ارتفعت أسعار النفط الخام الأميركي بنحو 8 في المائة، في حين تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بنحو 1 في المائة، وانخفضت الأسهم الأوروبية بنحو 2 في المائة.

ويرى المعهد أن انتقال التأثير عالمياً، إن حدث، سيكون عبر سلاسل الإمداد، سواء من خلال تقييد نقل الطاقة عبر مضيق هرمز أو إلحاق أضرار بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة، وهو ما قد يرفع أسعار الطاقة ويزيد مخاطر الركود التضخمي.

وأشار إلى أنه لم تظهر حتى الآن خسائر مؤكدة في إمدادات الطاقة أو بنيتها التحتية، إلا أن تقارير أولية عن تردد ناقلات النفط قرب مضيق هرمز وإعادة تقييم خطط العبور التجارية تستدعي المتابعة؛ إذ إن سلوك الشركات التجارية قد يكون مؤثراً بقدر التصريحات الرسمية.

وأوضح أن مسار التطورات يتشكل وفق ثلاثة متغيرات رئيسية: مدة الأعمال العدائية، ودرجة تعطل نقل الطاقة، والنتيجة السياسية النهائية. وسيحدد تفاعل هذه العوامل ما إذا كانت الصدمة مؤقتة أم أكثر استدامة.

ورجح المعهد أن يبقى اضطراب الإمدادات المستمر احتمالاً بعيداً في الوقت الراهن، معتبراً أن القيود على القدرات العسكرية واحتمال التداعيات السياسية قد تعني أن التدخل قد يستمر أسابيع لا أكثر، رغم بقاء نطاق النتائج المحتملة واسعاً.

وأضاف أن الأسواق تركز بشدة على مخاطر التصعيد وأمن تدفقات الطاقة، خصوصاً عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من استهلاك النفط العالمي، و20 إلى 25 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي عالمياً.

وأشار إلى أن أسواق النفط تتسم بالمرونة عالمياً، في حين تبقى أسواق الغاز أكثر تجزؤاً إقليمياً، ما قد يؤدي إلى تحركات سعرية أشد في الغاز الطبيعي المسال في حال حدوث اضطرابات حادة.

وفي حال امتداد الصراع لفترة طويلة، توقع المعهد ارتفاعاً مستمراً في علاوة المخاطر الإقليمية، مع تزايد التباين بين الرابحين والخاسرين عبر منتجي الطاقة والمستوردين، والأسهم الدفاعية والدورية، وكذلك بين الاقتصادات المرنة في سياساتها وتلك الأكثر عرضة للمخاطر الخارجية.

وخلص المعهد إلى أنه لا يغير رؤيته الاستثمارية، مؤكداً استعداده لمواجهة أي مبالغة في ردود فعل الأسواق، ومشيراً إلى أن التطورات الحالية تعزز رؤيته بأن العالم بات يتشكل أكثر بعوامل العرض، مع بقاء الذكاء الاصطناعي الموضوع العالمي الرئيسي، فضلاً عن تراجع موثوقية السندات الحكومية طويلة الأجل كأداة موازنة للمحافظ في ظل مخاطر الركود التضخمي المحتملة.