التوسع في رعاية الأطفال.. يسبب خسائر للعمال

لم يجذب كثيرًا من الانتباه

كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)
كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)
TT

التوسع في رعاية الأطفال.. يسبب خسائر للعمال

كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)
كارميلا ساليناس وابنها هارون (نيويورك تايمز)

عملت كترميلا ساليناس بشكل مستمر لمدة 14 عامًا كمدرسة لمرحلة الطفولة المبكرة، حيث كانت تعتني بـ4 أو 5 أطفال لدى مركز التعلم العائلي غير الربحي في حي إسبانولا الفقير الذي يقع إلى الشمال من سانتا في بولاية نيومكسيكو الأميركية. وحتى مع ذلك، كانت نادرا ما تكتسب ما يكفي من المال لتغطية فواتيرها الشهرية، وتلقت أكثر من مرة خطاب إنذار بقطع الخدمات من شركات المياه أو الكهرباء أو الغاز. وقبل بضعة شهور، وصلت إلى منزلها برفقة ابنها آرون البالغ من العمر 10 سنوات لتجد الكهرباء مقطوعة عن شقتها.
وتذكرت ابنها آرون يقول لها «لكن يا أمي، ألا يعلمون أن اليوم هو عيد ميلادك؟».
في حين أن الجهود المبذولة للعثور على رعاية للأطفال بأسعار معقولة قد جذبت انتباه الكثيرين، مما دفع الرئيس باراك أوباما أن يسميها «الأولوية الاقتصادية الضرورية»، فإن كفاح العمال – وأغلبهم من النساء – لتوفير مثل تلك الرعاية لم تجذب كثيرا من الانتباه.
ومع ذلك فإن كلا المجالين مرتبط ولا يمكن فصم عراهما. تقول مارسي وايتبوك، مديرة مركز دراسات وظائف رعاية الأطفال لدى جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي «لا يمكن فصل جودة تجارب وخبرات الأطفال عن المعرفة، والمهارات، ورفاهية المعلمين في أعمار الأطفال المبكرة».
وهناك نحو مليونين من موفري رعاية الأطفال يعتنون بنحو 12 مليون طفل من مرحلة حديثي الولادة وحتى سن الخمس سنوات، وهم من بين فئات العمال الأقل أجرا في البلاد، وأحيانا يحصلون على أجور أقل من المعدل الأدنى للأجور في الدولة، كما تقول السيدة وايتبوك، والتي ألفت مقارنة ما بين الولايات الأميركية حول قوة العمل للرعاية المبكرة للأطفال والتي نشرت الأسبوع الماضي. كما يحصل موفرو الرعاية على أقل المميزات وفرص التدريب المتدنية، كما يخضعون لمجموعة متشابكة من المتطلبات واللوائح التي تتراوح بين برنامج واحد إلى ما يعقبه.
ولقد قال العلماء قبل عقود مضت إن السنوات الأولى من حياة الطفل هي السنوات الحاسمة، وجاء ذلك في تقرير الأكاديمية الوطنية للعلوم والهندسة والطب لعام 2015: «توفير الأساس الذي ينبني عليه التعلم والتقدم طيلة مراحل الحياة». ولقد انتقلت الولايات الديمقراطية والجمهورية وغرفة التجارة الأميركية إلى جانب أنصار حقوق الأطفال نحو دعم وإسناد مرحلة ما قبل الروضة على الصعيد العالمي.
ولكن على نحو ما خلص إليه الباحثون فإن «البالغين الذي يفتقرون إلى مرحلة التعلم المبكر الأساسية، أو المعرضين للتوتر والإجهاد المزمن قد يساهمون أنفسهم في تجارب المحن والإرهاق للأطفال ويؤدي لتقويض التطور والتنمية والتعلم في حياتهم». وتعلم السيدة ساليناس البالغة من العمر 43 عاما هذا النوع من الإجهاد والتوتر تمام العلم. بعد 14 عاما، بدأت تحصل على 12.89 دولارا في الساعة، ولكن سقف ساعات العمل الأسبوعية لديها لا يتجاوز 32 ساعة. وإذا ما عملت ساعات إضافية، لا بد على المركز غير الهادف للربح أن يوفر لها المزيد من المميزات، التي لا يستطيع المركز تحمل تكاليفها. وفي السنوات الماضية، تمكن عدد كاف من أولياء الأمور من سداد المصروفات الدراسية خلال فصل الصيف، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك هذه المرة. ونتيجة لذلك، ظلت من دون عمل حتى بدأ تمويل الولاية لمرحلة ما قبل الروضة في التدفق مرة أخرى في سبتمبر (أيلول) الماضي.
تمكنت السيدة ساليناس، لفترة من الوقت، من الحصول على عمل إضافي لدعم راتبها الأساسي، ولكن المزيد من المال يعني أنها أصبحت غير مؤهلة للحصول على كوبونات الغذاء والرعاية الطبية المجانية.
من دون المساعدات الحكومية، قالت: إنها لم تتمكن من تحمل تكلفة جهازين للاستنشاق – وكانت تكلفة الجهاز الواحد تبلغ 200 دولار، وكان الآخر يباع بسعر 75 دولارا – واللذين تحتاجهما لعلاج حالة الربو المزمن التي تعاني منها. وقالت السيدة ساليناس «دخلت المستشفى العام الماضي بسبب مضاعفات الربو. وكنت أقنن في تناول الدواء. من المفترض أن أتلقى 4 نفثات في اليوم، ولكنني كنت أفكر: هل يمكنني المواصلة بواحدة فقط؟».
كما أنها لا تستطيع تحمل شراء ما يكفي من البقالة. عندما كانت كوبونات الغذاء تأتيها قبل بضعة أسابيع، كانت تتمكن من ملء ثلاجة منزلها. وكان ابنها مذهولا عندما رأى كميات الزبادي، والجزر، والفراولة، واللحم، واللبن، والعصائر، حتى أنه سألها قائلا: «أمي، هل أصبحنا أغنياء الآن؟».
فأجابته قائلة: «كلا يا صغيري، بل نحن فقراء جدا جدا». وقالت السيدة ساليناس بأنها لم تكن تستطيع المواصلة إن لم تكن قد ورثت منزل والدتها قبل بضع سنوات. ولكنها لا تزال غير قادرة على تغطية فواتيرها الشهرية. عندما تعطلت سيارتها العام الماضي، استغرق الأمر منها 4 شهور كاملة حتى تتمكن من ادخار ما يكفي من المال لإصلاحها. وولاية نيومكسيكو، كغيرها من الولايات الأخرى، توفر رواتب محدودة لمساعدة المدرسين على الحصول على أوراق الاعتماد التي يحتاجون إليها. ولكن الأموال، كما تقول السيدة ساليناس، تكفي بالكاد لتغطية دورة تدريبية واحدة في كل فصل دراسي. وكانت تحضر فصولا دراسية في عطلة نهاية الأسبوع أو في المساء منذ عام 2005 للحصول على درجة البكالوريوس.
وبعد 8 سنوات من التعليم المماثل بدوام جزئي، حصلت مونا زامورا، 33 عاما الآن، على الدبلومة أثناء ما كانت تعمل في مركز لرعاية الأطفال في لاس كروسيس. وفي أحد معارض التوظيف، علمت بشأن وظيفة متاحة كمدرسة في دار لرياض الأطفال في ميسا بولاية أريزونا، حيث ستنتقل إلى هناك برفقة أطفالها. وسوف يبلغ راتبها 38 ألف دولار في العام – وهو أكثر بمقدار الثلث عما كانت تحصل عليه في نيومكسيكو – بالإضافة إلى التأمين الصحي وبرنامج المعاش.
تقول السيدة زامورا «فور تخرجي وحصولي على الدرجة الجامعية، كانت الوظيفة التي كنت أعمل فيها طيلة 8 سنوات من الدراسة لم تكن كافية لتغطية المصروفات والفواتير».
تدفع المدارس الحكومية، حتى في الولايات الأميركية الفقيرة، رواتب أفضل بوجه عام من مراكز رعاية الأطفال غير الربحية والقطاع الخاص. وفي نفس الوقت، يميل المعلمون في المدارس الابتدائية لأن يحصلوا على رواتب أكثر بمقدار الضعف مما يحصل عليه المعلمين في مراحل ما قبل الروضة، ويأتي القائمون على رعاية الأطفال والرضع في فئة أدنى على قائمة الرواتب، وفقا لتقرير فرع بيركلي.
اعترفت السيدة وايتبوك أنه في حين أن الكثير من الأمهات لم يحصلن على درجة البكالوريوس، فإن التعامل مع غرفة مليئة بالأطفال يتطلب نوعية مختلفة من المهارات. وأضافت تقول: «إن العمل في رعاية وتعليم الأطفال الصغار عملية معقدة وتتطلب الكثير من المعرفة والعمل مع الأطفال من سن 5 إلى 8 سنوات».
وأشادت بالولايات للتركيز على تحسين التدريب والمؤهلات، ولكنها قالت: إن الجهود المبذولة حتى الآن غير كافية. فالعاملون في مجال رعاية الأطفال يحتاجون إلى الدعم المهني داخل الفصول الدراسية، وقالت: إننا نحتاج إلى رفع سقف المزايا والرواتب حتى يتمكن الناس من تغطية تكاليف المعيشة من خلال الأجور.
ولكن استخدام المعايير للمعلمين في المدارس الحكومية كمقياس يسبب المتاعب لدى كاثرين ستيفنز، وهي باحثة في سياسة التعليم لدى معهد أميركان إنتربرايز المحافظ في واشنطن.
وتقول السيدة ستيفنز «إنه النموذج الذي أخفق كثيرا في خدمة الأطفال المحرومين وإلى حد كبير»، في إشارة إلى أن التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة يوفر فرصة قوية للغاية لمساعدة في توفير الفرص المتكافئة للأطفال الفقراء، والذين يمكن أن يتخلفوا لعام أو عامين في الوقت الذي يبدأون فيه مرحلة رياض الأطفال. وأضافت تقول: «إنها مرحلة حاسمة وإننا في حاجة لأناس من ذوي الخبرة الجيدة في ذلك. ولكن الدرجة الجامعية قد لا تكون ضرورية بالنسبة لموفري الرعاية للأطفال حديثي الولادة أو الرضع».
وتقول السيدة ستيفنز إن موفري رعاية الأطفال يستحقون رواتب أكثر من رواتبهم الفقيرة، وأضافت: «إن القفز إلى الحلول الجاهزة سوف يكون له أثر رجعي مؤلم. فإننا لا نعلم الخبرات التعليمية أو التدريبية التي تؤدي بالعاملين في مجال رعاية الأطفال أو المعلمين لأن يكونوا أكثر فعالية وكفاءة مع الأطفال الصغار».
ورفع الأجور سيؤدي لارتفاع تكاليف خدمات رعاية الأطفال كذلك – مما يجعلها بعيدا عن متناول العائلات ذات الدخل المحدود أو المتوسط، ويرهق ميزانيات الولايات المحدودة بالفعل.
ويقول الباحثون من فرع بيركلي بجامعة كاليفورنيا إن العمل لتوسيع رعاية الأطفال يأتي على حساب النساء اللاتي يحصلن على أجور زهيدة. ويقول التقرير «إن الهدف الرئيسي من خدمات الأطفال كان التخفيف من حدة الفقر بين الأطفال، ولكن الكثير من هذه الجهود تستمر في توليد المزيد من الفقر في القوة العاملة الخاصة بالتعليم في المراحل المبكرة التي تسيطر عليها النساء، والمليئة بالفروقات العرقية والجنسية».
وعلى الرغم من كل المصاعب التي ألمت بها، تقول السيدة ساليناس في إسبانولا بأنه ليست هناك وظيفة أخرى يمكن الحصول عليها: «أدركت أن هذه هي رسالتي في الحياة»، حيث اكتشفت الأمر بعدما حصلت على وظيفة بدوام جزئي في مركز للرعاية النهارية عندما كانت ابنتاها تعيشان في المنزل.
وحتى مع ذلك، فإن السيدة ساليناس وزملاءها لديهم عائلاتهم الخاصة. وفي رحلة لجمع الأموال من أجل التعليم لدى مجلس المدينة في سانتا في، تذكرت الاجتماع مع السيناتور الذي قال لها «إنك لا تحصلين على المال لأجل ما تفعلين، بل تحصلين على الحب في المقابل».
فأجابته قائلة: «أحقا؟ فهل عندما يأتي صاحب المنزل مطالبا بالإيجار، أيمكنني أن أمنحه عناقا بدلا من المال؟».
* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.