الجبن زينة الموائد.. وفرنسا تنتج نوعًا مختلفًا يوميًا

القريش والحلوم الأشهر عربيًا

الجبن زينة الموائد.. وفرنسا تنتج نوعًا مختلفًا يوميًا
TT

الجبن زينة الموائد.. وفرنسا تنتج نوعًا مختلفًا يوميًا

الجبن زينة الموائد.. وفرنسا تنتج نوعًا مختلفًا يوميًا

من الأقوال الفرنسية المشهورة المنسوبة لتشارل ديغول قوله مازحا كيف له أن يحكم بلدا بها 370 نوعا من الجبن، ومثلها من الأذواق والآراء. ولا يقتصر تنوع الجبن على فرنسا وحدها، بل إن زيارة واحدة لسوبر ماركت إسباني أو سويسري يكشف عشرات الأنواع، ما بين جبن صلب وطري وقديم وحديث، وهي جميعا متعددة النكهات والألوان والمذاقات. ويقال إن في فرنسا نوعا مختلفا من الجبن لكل يوم من أيام العام.
وتعد أوروبا من أكبر مصدري الجبن في العالم، وتدخل السعودية في قائمة أكبر عشر دول مصدرة للجبن (في المركز الثامن) بحجم تصدير يبلغ 237.2 ألف طن متري سنويا، وهي الدولة العربية الوحيدة التي تدخل ضمن أكبر عشرة مصدرين للجبن.
ويشير مجلس الجبن البريطاني إلى وجود 700 نوع محلي منها في بريطانيا، بينما يوجد نحو 400 نوع في فرنسا وإيطاليا لكل منهما. وتتميز كل منطقة بأنواع الجبن ومذاقاته التي تنتج محليا. وعندما اشتهرت بعض الأنواع، بدأ التفكير في تسجيلها حتى تتم المحافظة على نوعيتها وحقوق منتجيها. وبدأ هذا النشاط في عام 1500 ميلادية، وهو العام الذي تم تسجيل الجبن الشيدر فيه. وبعد ذلك، بنحو قرن من الزمان، تم تسجيل نوع البارميزان الإيطالي الذي يشبه الجبن الرومي المصرية.
وفي عام 1697، تم تسجيل الجبن الهولندي «غودا»، ثم جبن كاميمبير الفرنسي في عام 1791. وبالطبع، لا توجد وسائل متاحة لمقارنة نوعية الجبن الذي كان ينتج حينذاك والجبن المنتج حديثا.
واكتشف الإنسان الجبن من قبل التاريخ المسجل، وكان الاكتشاف بالصدفة، بسبب نقل الألبان في أكياس مصنوعة من مثانة ومعدة الحيوانات، مما أدى إلى تخمر اللبن، وتحوله إلى جبن صلب، بالإضافة إلى سائل شبه شفاف. وعرف الإنسان أن إضافة إنزيمات المنفحة تحول اللبن الحليب إلى جبن يمكن تخزينه واستهلاكه كغذاء لفترة أطول من الحليب.
وهذه الاكتشافات كانت في شمال أفريقيا، قبل ستة آلاف عام، حينما كانت الصحراء الكبرى مليئة بالمراعي والمزارع والغابات المدارية. وكان الجبن هو الأسلوب الوحيد في هذه المنطقة الحارة لحفظ الألبان. وهناك أسطورة عربية بأن تاجرا عربيا اكتشف صناعة الجبن بالصدفة كوسيلة لتخزين الألبان، ولكن الشواهد التاريخية تؤكد أن الجبن كان معروفا للسومريين والمصريين القدماء. وهناك دلائل مصورة على جدران المقابر المصرية القديمة يعود تاريخها إلى ألفي عام قبل الميلاد لجبن يشبه إلى حد كبير الجبن القريش (فيتا) الذي ما زال ينتج في القرى المصرية إلى اليوم.
وانتشرت صناعة الجبن المنزلية في أوروبا من قبل الحضارة الإغريقية، وكانت سائدة ومتنوعة في العصر الروماني. ونظرا لبرودة الطقس نسبيا، لم يكن الجبن الأوروبي يحتاج إلى كثير من الملح لحفظه. وقد كان الجبن طعاما يوميا في العصر الروماني، كما تعددت أنواعه.
ولم يكن الجبن معروفا في الأميركيتين قبل كولومبوس، ولم ينتشر عن حدود أوروبا ومنطقة البحر المتوسط إلا مع توسع النشاط الاستعماري الأوروبي حول العالم. وحتى بدايات القرن التاسع عشر، كان الجبن ينتج من الأرياف، ومن مزارع صغيرة نسبيا في صناعات عائلية.
وفي عام 1815، افتتح أول مصنع للإنتاج الصناعي للجبن في سويسرا، ثم كان التوسع الأكبر في منتصف القرن التاسع عشر في أميركا، حين افتتح جيسي ويليامز مؤسسة ألبان واسعة النطاق في نيويورك، كانت تجمع الألبان على نطاق واسع، وتقوم بتصنيع الجبن بطاقة إنتاج هائلة. وشهدت مصانع ويليامز تصنيع المنفحات النقية التي أمكن بها إنتاج جبن أكثر التزاما بمعايير ثابتة.
ومنذ الحرب العالمية الثانية، سيطرت الأجبان المنتجة من المصانع، من حيث كم الإنتاج، على الإنتاج المنزلي، وأصبحت المصدر الرئيسي للجبن المستهلك منزليا في أميركا وأوروبا.
ويتكون الجبن بفعل إنزيم المنفحة الذي يستخرج من معدة العجول الرضيعة، وهي تحتوي على إنزيم الرنين الذي يعمل على تخثير الحليب. ومن كل مائة كيلوغرام من الحليب، يتم تصنيع 16 كيلوغراما من الجبن. وتختلف المناطق في طريقة صنع الجبن، وكميات الملح المضافة، كما تتميز بعض الأنواع بإضافة أعشاب لها، أو كميات من الثوم والتوابل.
ومن الأنواع العربية المشهورة من الجبن كل من القريش، وهي جبن أبيض خالي من الدسم معروفة في مصر وبلاد الشام. وهناك أيضًا جبن المجدول، في سوريا، ويصنع من الحليب الطازج، وجبن الحلوم الذي تشتهر به قبرص وبلاد الشام. ومن مصر، يشتهر أيضًا الجبن الدمياطي، وهو شديد الملوحة، وينتج من مدينة دمياط.
وفي أوروبا، يشتهر نوع الجبن الشيدر، ويصنع من حليب البقر، وهو ينتشر في بريطانيا وأستراليا وكندا وأميركا، والبارميزان الجافة، وتشتهر به إيطاليا، ونوع ركفور، المعروف بالبكتريا الخضراء داخله. وتنتج إيطاليا أيضًا أنواع الجبن الأبيض المستخدم في البيتزا، ويسمى موتزريلا، وتشتهر هولندا بأنواع غودا وماسدام، ومن فرنسا تأتي جبن كاميمبير وبري، وهي من الأنواع الطرية.
وبغض النظر عن الأنواع المختلفة، يعد الجبن مصدرا ذو قيمة غذائية عالية للبروتينات والدهون والأملاح والكالسيوم والفوسفور والحديد. ويعادل تناول 30 غراما من الجبن الشيدر تناول ما مقداره 200 ميليغرام من الحليب للحصول على القدر نفسه من البروتين والكالسيوم.
ولأن بعض الجبن عالٍ في نسبة الدهون به، ينصح الأفراد الذين يعانون من ارتفاع نسبة الكولسترول عندهم بتناول الأنواع الخالية من الدسم.
وفي كل الأحوال، لا ينصح الأطباء الأشخاص العاديين بتناول كميات من الجبن تزيد عن 57 غراما أسبوعيا من أنواع الجبن كاملة الدسم، وذلك لتأثير هذه الدهون سلبيا على الشرايين والأوعية الدموية. ومع ذلك، لم يتم إثبات الكميات المثالية من الجبن التي يتعين استهلاكها، حيث أن الفرنسيين أعلى استهلاكا لها من غيرهم، ولكنهم لا يعانون من زيادة ملحوظة في أمراض القلب.
وفيما تنتج الولايات المتحدة في الوقت الحاضر أكبر كمية من الجبن في العالم، وقدرها 4.2 مليون طن متري، فإن فرنسا هي أكبر مصدر في العالم للجبن بقيمة 2.6 مليار دولار. أما أكثر الدول استهلاكا للجبن، فهي اليونان بنسبة 27.3 كيلوغرام للفرد الواحد. وتظهر مصر في قائمة أكبر الدول المنتجة للجبن في العالم (في المركز الثامن بعد البرازيل) بإنتاج يبلغ 462 ألف طن متري سنويا، ولكن معظم هذا الإنتاج يستهلك محليا، حيث لا تظهر مصر بين أكبر الدول المصدرة للجبن.
وتختلف أنواع الجبن في طول فترة إعدادها، حيث تتطلب بعض الأنواع عدة أيام، بينما تستغرق أنواع أخرى عدة سنوات، تتحول خلالها دهون الألبان إلى أحماض أمينية تميز كل نوع من الجبن بنكهته الخاصة.
وفي بعض أنواع الجبن، يتم إدخال أنواع معينة من البكتريا إلى الجبن، لتساهم في عملية إنضاجه، وتشمل هذه الأنواع «بري» و«كاميمبير» و«روكفور» و«ستيلتون» و«ليمبرغر».
وتعترف هيئة الألبان الدولية بنحو 500 نوع من الجبن. ولكن بعض المراجع المتخصصة في الجبن تشير إلى وجود أكثر من ألف نوع من الجبن المنتج في أنحاء العالم. وتنقسم الأنواع وفق البلد المنتج، ونوع الألبان، وأسلوب التصنيع، وكمية الدهون. ولكن ليست هناك وسيلة واحدة معتمدة عالميا لتصنيف الجبن.
ويعتمد التصنيف بوجه عام على نسبة الرطوبة في الجبن، التي تنقسم بها الجبن إلى صلبة وطرية. وعلى هذا الأساس، يمكن تقسيم الجبن إلى أربعة أنواع، هي الطرية وشبه الطرية وشبه الصلبة والصلبة. ولكن بعض الأنواع تختلف في نسبة الرطوبة، وفقا لطريقة التصنيع، وطول فترة التخزين.
وبغض النظر عن نوع الجبن، بين الطراوة والصلابة، فهو يتحول إلى السيولة مع الحرارة، حيث تذوب الدهون فوق درجة 55 مئوية. وفي بعض الأنواع الصلبة، مثل بارميسان، يبدأ الذوبان عند 82 درجة مئوية. ويدخل الجبن في كثير من الوجبات التي تعد البيتزا والباستا أشهرها. كما يؤكل الجبن وحده مع الخبز، أو يخلط بمواد غذائية أخرى، مثل الطماطم أو الطحينة.
ولكن الإسراف في تناول الجبن له أيضًا مخاطره الصحية، وأهمها أمراض القلب، بسبب الدهون المشبعة في بعض الأنواع، خصوصا نوع الشيدر البريطاني.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».