رئيس تشاد يرفع «الحرب على الإرهاب» شعارًا لولايته الخامسة

استمرار التحقيقات في قضية اختفاء جندي صوت ضد الرئيس.. والمعارضة تتهم النظام بتصفيته

الرئيس التشادي إدريس ديبي خلال حفل تنصيبه لولاية خامسة في العاصمة انجمينا يوم الاثنين الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس التشادي إدريس ديبي خلال حفل تنصيبه لولاية خامسة في العاصمة انجمينا يوم الاثنين الماضي (أ.ف.ب)
TT

رئيس تشاد يرفع «الحرب على الإرهاب» شعارًا لولايته الخامسة

الرئيس التشادي إدريس ديبي خلال حفل تنصيبه لولاية خامسة في العاصمة انجمينا يوم الاثنين الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس التشادي إدريس ديبي خلال حفل تنصيبه لولاية خامسة في العاصمة انجمينا يوم الاثنين الماضي (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس التشادي إدريس ديبي، في بداية ولايته الخامسة رئيسًا للبلاد، أنه سيخوض «حربًا لا هوادة فيها ضد الإرهاب»، لكنه يواجه في الوقت ذاته تحديات داخلية كبيرة، تتمثل في الوضع الاقتصادي الهش، وتراجع مستوى الحريات، وتزايد وتيرة احتجاج المعارضة الرافضة لنتائج الانتخابات.
كان الرئيس التشادي قد وصل إلى الحكم عام 1991، بانقلاب عسكري أطاح بسلفه حسين حبري، المنفي منذ ذلك الوقت في العاصمة السنغالية دكار، ويحاكم منذ العام الماضي بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حق معارضيه إبان حكمه في ثمانينات القرن الماضي.
وقام إدريس ديبي (64 عامًا) بتعديل الدستور عدة مرات من أجل البقاء في الحكم، ونجح في الحد من قوة الأصوات المعارضة لنظامه، وفاز في الانتخابات الأخيرة التي نظمت مطلع شهر أبريل (نيسان) الماضي بنسبة 59.9 في المائة من الأصوات، ليعلن بصفة رسمية فوزه بمأمورية رئاسية خامسة مدتها 5 سنوات.
وأعلن ديبي، خلال خطاب ألقاه في حفل تنصيب حضره 14 رئيس دولة وحكومة، الاثنين الماضي، أنه سيكون رئيسًا لجميع التشاديين، فيما جدد الثقة في الوزير الأول باهيمي باداكي، وكلفه بتشكيل حكومة جديدة، من دون أن يتعهد بإشراك المعارضة فيها، وكان ديبي قد عين باداكي وزيرًا أولاً شهر فبراير (شباط) الماضي، وهو رئيس حزب التجمع الوطني للديمقراطيين التشاديين، وسبق له أن ترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، وحل في المرتبة الثانية بعد إدريس ديبي.
وستواجه حكومة الوزير الأول تحديات كبيرة، في مقدمتها الوضع الاقتصادي والأمني الهش، ولكن الملف الأبرز هو التحقيق في اختفاء جندي يعتقد أنه صوت ضد الرئيس ديبي خلال اقتراع العاشر من أبريل الماضي، وهو الملف الذي رفعته المعارضة في وجه الرئيس ديبي، كدليل على التضييق على الحريات، وانتهاك مواثيق حقوق الإنسان، واستدعى المحققون زعيم المعارضة التشادية صالح كبزابو، يوم أمس، من أجل الاستماع له في ملف الجندي المختفي، وذلك بوصفه شاهدًا في الملف، وكان أول من ندد باختفائه.
من جهة أخرى، تحدت المعارضة الإجراءات الأمنية المشددة، لتتظاهر رفضًا لنتيجة الانتخابات التي قالت إنها كانت «معروفة سلفًا»، واتهمت ديبي وأنصاره بأنهم نظموا عملية «سرقة لنتيجة الانتخابات»، وقال زعيم المعارضة في تشاد صالح كبزابو، الذي حل ثانيا في الانتخابات بحصوله على نسبة 12.77 في المائة من الأصوات، إنه يرفض نتيجة الانتخابات، وعبر عن «دهشته وخيبته» لقرار فرنسا إرسال ممثل رفيع المستوى إلى حفل التنصيب، في إشارة إلى وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان. ودعت المعارضة التشادية، وفي مقدمتها كبزابو، المجموعة الدولية إلى عدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات، ورفض «هيمنة الديكتاتور ديبي» على مقاليد الحكم في تشاد.
وكانت العاصمة التشادية نجامينا قد شهدت إجراءات أمنية مشددة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي التي سبقت حفل التنصيب، ولكن المعارضة قررت الاستمرار في التظاهر من أجل رفض نتيجة الانتخابات، ووقع عدد من الجرحى خلال صدامات بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب.
وعشية حفل التنصيب، قتل شاب بالرصاص في نجامينا، فيما كان يشارك في مظاهرة دعت إليها المعارضة، وحظرتها السلطات لأسباب أمنية، كما أصيب 4 أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة.
وفي غضون ذلك، أعلن 29 حزبًا سياسيًا معارضًا تشكيل «جبهة المعارضة الجديدة للتناوب والتغيير»، وذلك من أجل مواجهة القبضة الحديدية التي يحكم بها إدريس ديبي تشاد منذ أكثر من ربع قرن، كما أعلنت هذه الأحزاب أنها قدمت شكوى بتهمة «الخيانة العظمى» ضد ديبي بسبع تهم، منها «استيلائه على السلطة عن طريق العنف» و«انتهاك خطير لحقوق الإنسان» و«اختلاس أموال عامة وفساد»، وما زال اعتقال واختفاء معارضين شائعا في هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 12 مليون نسمة، كما حدث في فبراير 2008، عندما اختفى زعيم المعارضة ابن عمر محمد صالح الذي يعتقد أنه قتل، ولكن لم يعثر على جثته حتى اليوم.
وعلى الرغم من القبضة الأمنية القوية التي لا تتيح هامشا كبيرًا للاحتجاج، شهدت البلاد منذ بداية العام الحالي (2016) توترا اجتماعيا غير مسبوق. كما أنه خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، نظم المجتمع المدني عددا من المسيرات السلمية التي منعت في كل مرة. ومما يزيد من ضعف النظام الوضع الاقتصادي الصعب المرتبط بانخفاض أسعار النفط، وقد ضاعف الموظفون الذين يتلقون رواتبهم بتأخير كبير منذ أشهر الإضرابات التي تشل الإدارة.
وتبقى تشاد، التي أصبحت عام 2003 من الدول المنتجة للنفط، بين أفقر 5 دول في العالم، بحسب الأمم المتحدة، وتصل نسبة الأمية فيها إلى 70 في المائة من السكان.
ورغم هشاشة الوضع الداخلي في تشاد، نجح ديبي في أن يكون أحد الرؤساء الأفارقة الأكثر حضورًا في القارة، إذ يتولى منذ يناير (كانون الثاني) الماضي الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي، وأصبح خلال السنوات الأخيرة حليفًا مهما بالنسبة لفرنسا والولايات المتحدة الأميركية في إطار محاربة الإرهاب في أفريقيا عمومًا، ومنطقة الساحل الأفريقي على وجه الخصوص، حيث تخوض القوات التشادية معارك عنيفة ضد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بشمال مالي، كما تشن حربًا ضروسًا على جماعة «بوكو حرام» في شمال نيجيريا، وتتدخل في الوقت ذاته من أجل إعادة الأمن إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، ولكن الأهم هو أن فرنسا اختارت تشاد لتكون مركزًا لإدارة «بركان»، العملية العسكرية الفرنسية ضد الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».