بعد ساعات من لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره التركي رجب طيب إردوغان في سان بطرسبورغ، أول من أمس، أعلن وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، أن بلاده ستبني «آلية قوية» مع روسيا لمحاولة التوصل إلى حل بشأن سوريا، وإن وفدا يضم مسؤولين من وزارة الخارجية والجيش والمخابرات سيذهب إلى روسيا لإجراء محادثات.
هذا في الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين وجود اختلاف في الآراء بين الجانبين التركي والروسي حول مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، وفي كيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي، وإيقاف الاشتباكات، وحماية وحدة الأراضي السورية.
وقال جاويش أوغلو في تصريح لوكالة أنباء «الأناضول» التركية الرسمية: «نحن متفقون مع روسيا بشأن وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية والحل السياسي في سوريا، وسيصل مساء اليوم (أمس الأربعاء) إلى سانت بطرسبورغ رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان وممثل عن الخارجية وممثل عن الجيش التركي، وسيتم رفع مستوى التمثيل مستقبلا ليشارك فيه وزيرا خارجية البلدين».
وأعلن بوتين قال عقب لقائه مع إردوغان، أول من أمس، أن روسيا وتركيا لديهما هدف مشترك يتمثل في حل الأزمة في سوريا، وأنه من الممكن حل الخلافات بشأن كيفية التصدي لها. وأضاف أن وجهات النظر الروسية والتركية بشأن سوريا لم تكن متوافقة دائما، لكن الدولتين اتفقتا على إجراء مزيد من المحادثات والسعي إلى إيجاد حلول.
وروسيا هي الداعم الأكبر للأسد، بينما تعد تركيا الداعم الإقليمي الأكبر لفصائل المعارضة السورية. لكن جاويش أوغلو رأي أن ذلك لا يعوق التشاور بينهما بشأن الوضع في سوريا.
وتأتي هذه التطورات بعد المصالحة التركية - الروسية ولقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وفلاديمير بوتين بعد حل أزمة إسقاط تركيا الطائرة الروسية باعتذار تركي لروسيا.
وكان الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان قد عقدا لقاء منفصلاً أول من أمس الثلاثاء عقب الانتهاء من المباحثات الخاصة بالعلاقات بين البلدين، خصص لبحث تسوية الأزمة السورية، وضم كلاً من رئيس المخابرات التركية ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية.
وقال جاويش أوغلو: «سبق أن كانت لدينا آليات مشتركة مع روسيا للتعاون بشأن سوريا؛ بين العسكريين وعلى مستوى وزارتي الخارجية وهيئات الاستخبارات». وأضاف أنه من المخطط إنشاء آلية أقوى وأكثر فعالية للتعاون بشأن سوريا وإجراء اتصالات على مستوى أرفع. وأكد تطابق مواقف تركيا وروسيا بشأن التسوية السياسية في سوريا، بما في ذلك ضمان وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، ومواصلة العملية السياسية في جنيف.
في السياق، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، قررا قيام كل طرف بإنشاء آلية ثلاثية مؤلفة من موظفين في الاستخبارات والجيش والسك الدبلوماسي من الطرفين يعملون معا من أجل تسوية الأزمة السورية، مؤكدًا أن اللقاء الأول بين الآليتين سيبدأ اليوم الخميس.
وأشار كالين في مقابلة تلفزيونية، أمس الأربعاء، إلى أن المسألة السورية كانت حاضرة في لقاء إردوغان وبوتين، وأنهما بحثا مجددًا المسألة السورية، بشكل مفصل عقب عقدهما مؤتمرًا صحافيا مشتركًا أول من أمس.
وذكر كالين أن اللقاء تركز على وقف الاشتباكات، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى حلب، وتحقيق مرحلة الانتقال السياسي، والحفاظ على وحدة التراب السوري، وأن الجانبين توافقا حول الأخذ بعين الاعتبار الموقف التركي تجاه تنظيمي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و«وحدات حماية الشعب» الكردية، اللذين تعتبرهما تركيا جناح منظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة لديها منظمة إرهابية في سوريا خلال اتخاذ هذه الخطوات.
وأكد كالين وجود اختلاف في الآراء بين الجانبين التركي والروسي حول مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، وفي كيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي، وإيقاف الاشتباكات، وحماية وحدة الأراضي السورية، مشددا على أن وفدي البلدين سيبحثان تلك المسائل بالتفصيل.
ولفت إلى أن الرئيس التركي طرح على بوتين مسألة فتح حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، المصنف إرهابيا من جانب تركيا، مكتبًا له في موسكو، مشيرًا أن الجانب الروسي تفهم حساسية تركيا في هذا الشأن.
وأوضح أن تركيا وروسيا متفقتان على مكافحة المنظمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش» وحزب العمال الكردستاني، وأن الجانب الروسي يدرك تمامًا المساعي التركية في مكافحة الإرهاب.
وفي ما يتعلق بالرؤية الأميركية في سوريا، أفاد كالين بأن الولايات المتحدة تقصر رؤية مكافحة الإرهاب في سوريا على تنظيم «داعش» الإرهابي فقط، مضيفًا: «نظام الأسد ومستقبله، والهجمات، ومقتل المدنيين، غدت قضية ثانوية بالنسبة للولايات المتحدة». وأضاف: «عند النظر في عموم سوريا ومقارنتها مع أولوية الولايات المتحدة بمكافحة (داعش)، يمكن رؤية أن الاستراتيجية الأميركية ليست نهجًا في حل مشكلة الإرهاب».
ومضى قائلاً: «الذي يغذي (داعش) الإرهابي والمجازر في سوريا هو استمرار بقاء النظام، لذلك فإن تجاهل النظام والتركيز على (داعش) فقط استراتيجية خاطئة».
وشدد على أن تركيا تدعم مكافحة «داعش» ولن تتراجع عن ذلك، مضيفًا: «البعض (لم يسمهم) يعتقدون أن الأتراك يولون لمكافحة منظمة حزب العمال الكردستاني أهمية أكبر من مكافحة (داعش)، لكن مكافحتنا للأخير لا تعني تراجعنا عن مكافحة (العمال الكردستاني)، حيث لا يوجد فرق بين التنظيمات الإرهابية».
وسبق لتركيا أن طبقت الأسلوب نفسه ضد منظمة حزب العمال الكردستاني عن طريق آلية تعاون ثلاثي أميركية - تركية - عراقية لتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الآلية ستتضمن تبادل المعلومات الاستخباراتية حول تحركات المجموعات الإرهابية على الحدود التركية - السورية، وحصول روسيا على معلومات من تركيا عن المواقع التي يمكن للطيران السوري قصفها في إطار العمليات الجوية في سوريا والتحالف الدولي ضد تنظيم داعش الإرهابي والتنظيمات الأخرى التي تشكل خطرا على أمن تركيا، إضافة إلى تأمين ممرات لوصول المساعدات الإنسانية للسوريين في المناطق المحاصرة.
وبالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري و«وحدات حماية الشعب» الكردية وما إذا كانت الآلية الجديدة ستشملهما، قالت المصادر إن جميع الموضوعات ستطرح للبحث من خلال آلية التنسيق الجديدة.
وتعرضت مدينة كيليس التركية الحدودية مع سوريا، والتي تضم آلاف اللاجئين السوريين، منذ مطلع العام الحالي مرارا للقصف من جانب تنظيم داعش الإرهابي، ما أوقع عشرات القتلى والمصابين، وقامت تركيا في المعتاد بالرد بالقصف المدفعي على المناطق التي تأتي منها القذائف من الجانب السوري، كما تخشى تركيا استمرار تقدم الحزب الديمقراطي الكردي في شمال سوريا وعبوره إلى غرب الفرات.
من جهة أخرى، تطرق جاويش أوغلو إلى مستقبل علاقة تركيا مع روسيا، وقال إنها علاقة لا يحددها الغرب. وبشأن العلاقات بين تركيا والغرب، قال إن الدول الغربية تخاطر بعلاقاتها مع تركيا بسبب الأخطاء التي ارتكبتها تلك الدول بنفسها، وليس بسبب تطوير أنقرة علاقاتها مع روسيا والصين.
وتابع: قائلاً: «إذا فقد الغرب تركيا، فلن يكون لذلك أي صلة بعلاقتنا مع روسيا والصين والعالم الإسلامي. الغرب سيفقد تركيا بسبب أخطائه». وأضاف أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يرتكب «أخطاء كبيرة»، بما في ذلك ما يتعلق بدعم الانقلابيين في تركيا.
وأشار إلى أن اللقاءات التركية - الروسية كانت ناجحة للغاية، وأنها إيجابية وحميمية في الوقت نفسه، واصفا إياها بـ«الزيارة التاريخية»، مشيرا إلى أن المباحثات التي تم الحديث حولها في «سوتشي» بعيد الاتصال الهاتفي الذي أجراه إردوغان مع نظيره الروسي، ستدخل حيز التنفيذ وفق القرارات التي سيتم اتخاذها في الزيارة الأخيرة.
وفي مقابلة مع وكالة «الأناضول» للأنباء، قال جاويش أوغلو إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذكر أن موسكو سترفع الحظر عن المنتجات التركية، وأنه سيتم توقيع اتفاقيات إضافية إذا دعت الحاجة لضمان المضي قدما في مشروع خط أنابيب الغاز «السيل التركي».
ولفت جاويش أوغلو إلى أنه تم توقيف بعض الطيارين الأتراك الذين شاركوا في إسقاط الطائرة الروسية، وسيقوم القضاء بدراسة وتقييم المسألة بجميع أبعادها، واتهم «منظمة فتح الله غولن» بالعمل بشكل واضح، من أجل تخريب علاقات تركيا مع جميع دول العالم، وليس مع روسيا فقط.
وشدد جاويش أوغلو على ضرورة رفع نسبة التبادل التجاري بين البلدين، لا سيما بعد الانخفاض الذي وصل إلى 43 في المائة، بالإضافة إلى التراجع الاقتصادي، لافتا إلى أن هدف البلدين هو إيصال حجم التبادل الاقتصادي بين روسيا وتركيا إلى مائة مليار دولار.
وذكر أن روسيا طلبت من الحكومة التركية أخذ التدابير اللازمة لمنع الدول التي فرضت عليها الحكومة الروسية حظرا اقتصاديا، من المرور عبر تركيا، مشيرا إلى أن الحكومة الروسية ستعمل على رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على تركيا، وكذلك الإجراءات التي من شأنها أن تقيد حركة رجال الأعمال.
وفي بروكسل، أعربت المفوضية الأوروبية عن أملها في أن تساهم مباحثات القمة الروسية - التركية الأخيرة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة وتسوية الأزمة السورية سلميا. وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية مينا آندرييفا، أمس: «من ناحية الآفاق الأوروبية، أريد تأكيد أهمية كل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة وإيجاد حل سلمي للأزمة السورية».
آلية تنسيق بين أنقرة وموسكو حول سوريا تشمل المخابرات والجيش والخارجية
مصدر مسؤول: اختلاف حول مصير الأسد وكيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي
الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
آلية تنسيق بين أنقرة وموسكو حول سوريا تشمل المخابرات والجيش والخارجية
الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









