آلية تنسيق بين أنقرة وموسكو حول سوريا تشمل المخابرات والجيش والخارجية

مصدر مسؤول: اختلاف حول مصير الأسد وكيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي

الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
TT

آلية تنسيق بين أنقرة وموسكو حول سوريا تشمل المخابرات والجيش والخارجية

الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)

بعد ساعات من لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره التركي رجب طيب إردوغان في سان بطرسبورغ، أول من أمس، أعلن وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، أن بلاده ستبني «آلية قوية» مع روسيا لمحاولة التوصل إلى حل بشأن سوريا، وإن وفدا يضم مسؤولين من وزارة الخارجية والجيش والمخابرات سيذهب إلى روسيا لإجراء محادثات.
هذا في الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين وجود اختلاف في الآراء بين الجانبين التركي والروسي حول مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، وفي كيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي، وإيقاف الاشتباكات، وحماية وحدة الأراضي السورية.
وقال جاويش أوغلو في تصريح لوكالة أنباء «الأناضول» التركية الرسمية: «نحن متفقون مع روسيا بشأن وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية والحل السياسي في سوريا، وسيصل مساء اليوم (أمس الأربعاء) إلى سانت بطرسبورغ رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان وممثل عن الخارجية وممثل عن الجيش التركي، وسيتم رفع مستوى التمثيل مستقبلا ليشارك فيه وزيرا خارجية البلدين».
وأعلن بوتين قال عقب لقائه مع إردوغان، أول من أمس، أن روسيا وتركيا لديهما هدف مشترك يتمثل في حل الأزمة في سوريا، وأنه من الممكن حل الخلافات بشأن كيفية التصدي لها. وأضاف أن وجهات النظر الروسية والتركية بشأن سوريا لم تكن متوافقة دائما، لكن الدولتين اتفقتا على إجراء مزيد من المحادثات والسعي إلى إيجاد حلول.
وروسيا هي الداعم الأكبر للأسد، بينما تعد تركيا الداعم الإقليمي الأكبر لفصائل المعارضة السورية. لكن جاويش أوغلو رأي أن ذلك لا يعوق التشاور بينهما بشأن الوضع في سوريا.
وتأتي هذه التطورات بعد المصالحة التركية - الروسية ولقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وفلاديمير بوتين بعد حل أزمة إسقاط تركيا الطائرة الروسية باعتذار تركي لروسيا.
وكان الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان قد عقدا لقاء منفصلاً أول من أمس الثلاثاء عقب الانتهاء من المباحثات الخاصة بالعلاقات بين البلدين، خصص لبحث تسوية الأزمة السورية، وضم كلاً من رئيس المخابرات التركية ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية.
وقال جاويش أوغلو: «سبق أن كانت لدينا آليات مشتركة مع روسيا للتعاون بشأن سوريا؛ بين العسكريين وعلى مستوى وزارتي الخارجية وهيئات الاستخبارات». وأضاف أنه من المخطط إنشاء آلية أقوى وأكثر فعالية للتعاون بشأن سوريا وإجراء اتصالات على مستوى أرفع. وأكد تطابق مواقف تركيا وروسيا بشأن التسوية السياسية في سوريا، بما في ذلك ضمان وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، ومواصلة العملية السياسية في جنيف.
في السياق، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، قررا قيام كل طرف بإنشاء آلية ثلاثية مؤلفة من موظفين في الاستخبارات والجيش والسك الدبلوماسي من الطرفين يعملون معا من أجل تسوية الأزمة السورية، مؤكدًا أن اللقاء الأول بين الآليتين سيبدأ اليوم الخميس.
وأشار كالين في مقابلة تلفزيونية، أمس الأربعاء، إلى أن المسألة السورية كانت حاضرة في لقاء إردوغان وبوتين، وأنهما بحثا مجددًا المسألة السورية، بشكل مفصل عقب عقدهما مؤتمرًا صحافيا مشتركًا أول من أمس.
وذكر كالين أن اللقاء تركز على وقف الاشتباكات، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى حلب، وتحقيق مرحلة الانتقال السياسي، والحفاظ على وحدة التراب السوري، وأن الجانبين توافقا حول الأخذ بعين الاعتبار الموقف التركي تجاه تنظيمي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و«وحدات حماية الشعب» الكردية، اللذين تعتبرهما تركيا جناح منظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة لديها منظمة إرهابية في سوريا خلال اتخاذ هذه الخطوات.
وأكد كالين وجود اختلاف في الآراء بين الجانبين التركي والروسي حول مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، وفي كيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي، وإيقاف الاشتباكات، وحماية وحدة الأراضي السورية، مشددا على أن وفدي البلدين سيبحثان تلك المسائل بالتفصيل.
ولفت إلى أن الرئيس التركي طرح على بوتين مسألة فتح حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، المصنف إرهابيا من جانب تركيا، مكتبًا له في موسكو، مشيرًا أن الجانب الروسي تفهم حساسية تركيا في هذا الشأن.
وأوضح أن تركيا وروسيا متفقتان على مكافحة المنظمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش» وحزب العمال الكردستاني، وأن الجانب الروسي يدرك تمامًا المساعي التركية في مكافحة الإرهاب.
وفي ما يتعلق بالرؤية الأميركية في سوريا، أفاد كالين بأن الولايات المتحدة تقصر رؤية مكافحة الإرهاب في سوريا على تنظيم «داعش» الإرهابي فقط، مضيفًا: «نظام الأسد ومستقبله، والهجمات، ومقتل المدنيين، غدت قضية ثانوية بالنسبة للولايات المتحدة». وأضاف: «عند النظر في عموم سوريا ومقارنتها مع أولوية الولايات المتحدة بمكافحة (داعش)، يمكن رؤية أن الاستراتيجية الأميركية ليست نهجًا في حل مشكلة الإرهاب».
ومضى قائلاً: «الذي يغذي (داعش) الإرهابي والمجازر في سوريا هو استمرار بقاء النظام، لذلك فإن تجاهل النظام والتركيز على (داعش) فقط استراتيجية خاطئة».
وشدد على أن تركيا تدعم مكافحة «داعش» ولن تتراجع عن ذلك، مضيفًا: «البعض (لم يسمهم) يعتقدون أن الأتراك يولون لمكافحة منظمة حزب العمال الكردستاني أهمية أكبر من مكافحة (داعش)، لكن مكافحتنا للأخير لا تعني تراجعنا عن مكافحة (العمال الكردستاني)، حيث لا يوجد فرق بين التنظيمات الإرهابية».
وسبق لتركيا أن طبقت الأسلوب نفسه ضد منظمة حزب العمال الكردستاني عن طريق آلية تعاون ثلاثي أميركية - تركية - عراقية لتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الآلية ستتضمن تبادل المعلومات الاستخباراتية حول تحركات المجموعات الإرهابية على الحدود التركية - السورية، وحصول روسيا على معلومات من تركيا عن المواقع التي يمكن للطيران السوري قصفها في إطار العمليات الجوية في سوريا والتحالف الدولي ضد تنظيم داعش الإرهابي والتنظيمات الأخرى التي تشكل خطرا على أمن تركيا، إضافة إلى تأمين ممرات لوصول المساعدات الإنسانية للسوريين في المناطق المحاصرة.
وبالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري و«وحدات حماية الشعب» الكردية وما إذا كانت الآلية الجديدة ستشملهما، قالت المصادر إن جميع الموضوعات ستطرح للبحث من خلال آلية التنسيق الجديدة.
وتعرضت مدينة كيليس التركية الحدودية مع سوريا، والتي تضم آلاف اللاجئين السوريين، منذ مطلع العام الحالي مرارا للقصف من جانب تنظيم داعش الإرهابي، ما أوقع عشرات القتلى والمصابين، وقامت تركيا في المعتاد بالرد بالقصف المدفعي على المناطق التي تأتي منها القذائف من الجانب السوري، كما تخشى تركيا استمرار تقدم الحزب الديمقراطي الكردي في شمال سوريا وعبوره إلى غرب الفرات.
من جهة أخرى، تطرق جاويش أوغلو إلى مستقبل علاقة تركيا مع روسيا، وقال إنها علاقة لا يحددها الغرب. وبشأن العلاقات بين تركيا والغرب، قال إن الدول الغربية تخاطر بعلاقاتها مع تركيا بسبب الأخطاء التي ارتكبتها تلك الدول بنفسها، وليس بسبب تطوير أنقرة علاقاتها مع روسيا والصين.
وتابع: قائلاً: «إذا فقد الغرب تركيا، فلن يكون لذلك أي صلة بعلاقتنا مع روسيا والصين والعالم الإسلامي. الغرب سيفقد تركيا بسبب أخطائه». وأضاف أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يرتكب «أخطاء كبيرة»، بما في ذلك ما يتعلق بدعم الانقلابيين في تركيا.
وأشار إلى أن اللقاءات التركية - الروسية كانت ناجحة للغاية، وأنها إيجابية وحميمية في الوقت نفسه، واصفا إياها بـ«الزيارة التاريخية»، مشيرا إلى أن المباحثات التي تم الحديث حولها في «سوتشي» بعيد الاتصال الهاتفي الذي أجراه إردوغان مع نظيره الروسي، ستدخل حيز التنفيذ وفق القرارات التي سيتم اتخاذها في الزيارة الأخيرة.
وفي مقابلة مع وكالة «الأناضول» للأنباء، قال جاويش أوغلو إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذكر أن موسكو سترفع الحظر عن المنتجات التركية، وأنه سيتم توقيع اتفاقيات إضافية إذا دعت الحاجة لضمان المضي قدما في مشروع خط أنابيب الغاز «السيل التركي».
ولفت جاويش أوغلو إلى أنه تم توقيف بعض الطيارين الأتراك الذين شاركوا في إسقاط الطائرة الروسية، وسيقوم القضاء بدراسة وتقييم المسألة بجميع أبعادها، واتهم «منظمة فتح الله غولن» بالعمل بشكل واضح، من أجل تخريب علاقات تركيا مع جميع دول العالم، وليس مع روسيا فقط.
وشدد جاويش أوغلو على ضرورة رفع نسبة التبادل التجاري بين البلدين، لا سيما بعد الانخفاض الذي وصل إلى 43 في المائة، بالإضافة إلى التراجع الاقتصادي، لافتا إلى أن هدف البلدين هو إيصال حجم التبادل الاقتصادي بين روسيا وتركيا إلى مائة مليار دولار.
وذكر أن روسيا طلبت من الحكومة التركية أخذ التدابير اللازمة لمنع الدول التي فرضت عليها الحكومة الروسية حظرا اقتصاديا، من المرور عبر تركيا، مشيرا إلى أن الحكومة الروسية ستعمل على رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على تركيا، وكذلك الإجراءات التي من شأنها أن تقيد حركة رجال الأعمال.
وفي بروكسل، أعربت المفوضية الأوروبية عن أملها في أن تساهم مباحثات القمة الروسية - التركية الأخيرة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة وتسوية الأزمة السورية سلميا. وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية مينا آندرييفا، أمس: «من ناحية الآفاق الأوروبية، أريد تأكيد أهمية كل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة وإيجاد حل سلمي للأزمة السورية».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.