آلية تنسيق بين أنقرة وموسكو حول سوريا تشمل المخابرات والجيش والخارجية

مصدر مسؤول: اختلاف حول مصير الأسد وكيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي

الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
TT

آلية تنسيق بين أنقرة وموسكو حول سوريا تشمل المخابرات والجيش والخارجية

الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)
الدفاع المدني في إدلب شمال سوريا يطفئ النيران التي اندلعت في أعقاب غارة جوية من طيران النظام على شارع الجلاء المزدحم بالسكان (رويترز)

بعد ساعات من لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره التركي رجب طيب إردوغان في سان بطرسبورغ، أول من أمس، أعلن وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، أن بلاده ستبني «آلية قوية» مع روسيا لمحاولة التوصل إلى حل بشأن سوريا، وإن وفدا يضم مسؤولين من وزارة الخارجية والجيش والمخابرات سيذهب إلى روسيا لإجراء محادثات.
هذا في الوقت الذي أكد فيه المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين وجود اختلاف في الآراء بين الجانبين التركي والروسي حول مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، وفي كيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي، وإيقاف الاشتباكات، وحماية وحدة الأراضي السورية.
وقال جاويش أوغلو في تصريح لوكالة أنباء «الأناضول» التركية الرسمية: «نحن متفقون مع روسيا بشأن وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية والحل السياسي في سوريا، وسيصل مساء اليوم (أمس الأربعاء) إلى سانت بطرسبورغ رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان وممثل عن الخارجية وممثل عن الجيش التركي، وسيتم رفع مستوى التمثيل مستقبلا ليشارك فيه وزيرا خارجية البلدين».
وأعلن بوتين قال عقب لقائه مع إردوغان، أول من أمس، أن روسيا وتركيا لديهما هدف مشترك يتمثل في حل الأزمة في سوريا، وأنه من الممكن حل الخلافات بشأن كيفية التصدي لها. وأضاف أن وجهات النظر الروسية والتركية بشأن سوريا لم تكن متوافقة دائما، لكن الدولتين اتفقتا على إجراء مزيد من المحادثات والسعي إلى إيجاد حلول.
وروسيا هي الداعم الأكبر للأسد، بينما تعد تركيا الداعم الإقليمي الأكبر لفصائل المعارضة السورية. لكن جاويش أوغلو رأي أن ذلك لا يعوق التشاور بينهما بشأن الوضع في سوريا.
وتأتي هذه التطورات بعد المصالحة التركية - الروسية ولقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وفلاديمير بوتين بعد حل أزمة إسقاط تركيا الطائرة الروسية باعتذار تركي لروسيا.
وكان الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان قد عقدا لقاء منفصلاً أول من أمس الثلاثاء عقب الانتهاء من المباحثات الخاصة بالعلاقات بين البلدين، خصص لبحث تسوية الأزمة السورية، وضم كلاً من رئيس المخابرات التركية ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية.
وقال جاويش أوغلو: «سبق أن كانت لدينا آليات مشتركة مع روسيا للتعاون بشأن سوريا؛ بين العسكريين وعلى مستوى وزارتي الخارجية وهيئات الاستخبارات». وأضاف أنه من المخطط إنشاء آلية أقوى وأكثر فعالية للتعاون بشأن سوريا وإجراء اتصالات على مستوى أرفع. وأكد تطابق مواقف تركيا وروسيا بشأن التسوية السياسية في سوريا، بما في ذلك ضمان وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، ومواصلة العملية السياسية في جنيف.
في السياق، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، قررا قيام كل طرف بإنشاء آلية ثلاثية مؤلفة من موظفين في الاستخبارات والجيش والسك الدبلوماسي من الطرفين يعملون معا من أجل تسوية الأزمة السورية، مؤكدًا أن اللقاء الأول بين الآليتين سيبدأ اليوم الخميس.
وأشار كالين في مقابلة تلفزيونية، أمس الأربعاء، إلى أن المسألة السورية كانت حاضرة في لقاء إردوغان وبوتين، وأنهما بحثا مجددًا المسألة السورية، بشكل مفصل عقب عقدهما مؤتمرًا صحافيا مشتركًا أول من أمس.
وذكر كالين أن اللقاء تركز على وقف الاشتباكات، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى حلب، وتحقيق مرحلة الانتقال السياسي، والحفاظ على وحدة التراب السوري، وأن الجانبين توافقا حول الأخذ بعين الاعتبار الموقف التركي تجاه تنظيمي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و«وحدات حماية الشعب» الكردية، اللذين تعتبرهما تركيا جناح منظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة لديها منظمة إرهابية في سوريا خلال اتخاذ هذه الخطوات.
وأكد كالين وجود اختلاف في الآراء بين الجانبين التركي والروسي حول مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، وفي كيفية تحقيق عملية الانتقال السياسي، وإيقاف الاشتباكات، وحماية وحدة الأراضي السورية، مشددا على أن وفدي البلدين سيبحثان تلك المسائل بالتفصيل.
ولفت إلى أن الرئيس التركي طرح على بوتين مسألة فتح حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، المصنف إرهابيا من جانب تركيا، مكتبًا له في موسكو، مشيرًا أن الجانب الروسي تفهم حساسية تركيا في هذا الشأن.
وأوضح أن تركيا وروسيا متفقتان على مكافحة المنظمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش» وحزب العمال الكردستاني، وأن الجانب الروسي يدرك تمامًا المساعي التركية في مكافحة الإرهاب.
وفي ما يتعلق بالرؤية الأميركية في سوريا، أفاد كالين بأن الولايات المتحدة تقصر رؤية مكافحة الإرهاب في سوريا على تنظيم «داعش» الإرهابي فقط، مضيفًا: «نظام الأسد ومستقبله، والهجمات، ومقتل المدنيين، غدت قضية ثانوية بالنسبة للولايات المتحدة». وأضاف: «عند النظر في عموم سوريا ومقارنتها مع أولوية الولايات المتحدة بمكافحة (داعش)، يمكن رؤية أن الاستراتيجية الأميركية ليست نهجًا في حل مشكلة الإرهاب».
ومضى قائلاً: «الذي يغذي (داعش) الإرهابي والمجازر في سوريا هو استمرار بقاء النظام، لذلك فإن تجاهل النظام والتركيز على (داعش) فقط استراتيجية خاطئة».
وشدد على أن تركيا تدعم مكافحة «داعش» ولن تتراجع عن ذلك، مضيفًا: «البعض (لم يسمهم) يعتقدون أن الأتراك يولون لمكافحة منظمة حزب العمال الكردستاني أهمية أكبر من مكافحة (داعش)، لكن مكافحتنا للأخير لا تعني تراجعنا عن مكافحة (العمال الكردستاني)، حيث لا يوجد فرق بين التنظيمات الإرهابية».
وسبق لتركيا أن طبقت الأسلوب نفسه ضد منظمة حزب العمال الكردستاني عن طريق آلية تعاون ثلاثي أميركية - تركية - عراقية لتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الآلية ستتضمن تبادل المعلومات الاستخباراتية حول تحركات المجموعات الإرهابية على الحدود التركية - السورية، وحصول روسيا على معلومات من تركيا عن المواقع التي يمكن للطيران السوري قصفها في إطار العمليات الجوية في سوريا والتحالف الدولي ضد تنظيم داعش الإرهابي والتنظيمات الأخرى التي تشكل خطرا على أمن تركيا، إضافة إلى تأمين ممرات لوصول المساعدات الإنسانية للسوريين في المناطق المحاصرة.
وبالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري و«وحدات حماية الشعب» الكردية وما إذا كانت الآلية الجديدة ستشملهما، قالت المصادر إن جميع الموضوعات ستطرح للبحث من خلال آلية التنسيق الجديدة.
وتعرضت مدينة كيليس التركية الحدودية مع سوريا، والتي تضم آلاف اللاجئين السوريين، منذ مطلع العام الحالي مرارا للقصف من جانب تنظيم داعش الإرهابي، ما أوقع عشرات القتلى والمصابين، وقامت تركيا في المعتاد بالرد بالقصف المدفعي على المناطق التي تأتي منها القذائف من الجانب السوري، كما تخشى تركيا استمرار تقدم الحزب الديمقراطي الكردي في شمال سوريا وعبوره إلى غرب الفرات.
من جهة أخرى، تطرق جاويش أوغلو إلى مستقبل علاقة تركيا مع روسيا، وقال إنها علاقة لا يحددها الغرب. وبشأن العلاقات بين تركيا والغرب، قال إن الدول الغربية تخاطر بعلاقاتها مع تركيا بسبب الأخطاء التي ارتكبتها تلك الدول بنفسها، وليس بسبب تطوير أنقرة علاقاتها مع روسيا والصين.
وتابع: قائلاً: «إذا فقد الغرب تركيا، فلن يكون لذلك أي صلة بعلاقتنا مع روسيا والصين والعالم الإسلامي. الغرب سيفقد تركيا بسبب أخطائه». وأضاف أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يرتكب «أخطاء كبيرة»، بما في ذلك ما يتعلق بدعم الانقلابيين في تركيا.
وأشار إلى أن اللقاءات التركية - الروسية كانت ناجحة للغاية، وأنها إيجابية وحميمية في الوقت نفسه، واصفا إياها بـ«الزيارة التاريخية»، مشيرا إلى أن المباحثات التي تم الحديث حولها في «سوتشي» بعيد الاتصال الهاتفي الذي أجراه إردوغان مع نظيره الروسي، ستدخل حيز التنفيذ وفق القرارات التي سيتم اتخاذها في الزيارة الأخيرة.
وفي مقابلة مع وكالة «الأناضول» للأنباء، قال جاويش أوغلو إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذكر أن موسكو سترفع الحظر عن المنتجات التركية، وأنه سيتم توقيع اتفاقيات إضافية إذا دعت الحاجة لضمان المضي قدما في مشروع خط أنابيب الغاز «السيل التركي».
ولفت جاويش أوغلو إلى أنه تم توقيف بعض الطيارين الأتراك الذين شاركوا في إسقاط الطائرة الروسية، وسيقوم القضاء بدراسة وتقييم المسألة بجميع أبعادها، واتهم «منظمة فتح الله غولن» بالعمل بشكل واضح، من أجل تخريب علاقات تركيا مع جميع دول العالم، وليس مع روسيا فقط.
وشدد جاويش أوغلو على ضرورة رفع نسبة التبادل التجاري بين البلدين، لا سيما بعد الانخفاض الذي وصل إلى 43 في المائة، بالإضافة إلى التراجع الاقتصادي، لافتا إلى أن هدف البلدين هو إيصال حجم التبادل الاقتصادي بين روسيا وتركيا إلى مائة مليار دولار.
وذكر أن روسيا طلبت من الحكومة التركية أخذ التدابير اللازمة لمنع الدول التي فرضت عليها الحكومة الروسية حظرا اقتصاديا، من المرور عبر تركيا، مشيرا إلى أن الحكومة الروسية ستعمل على رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على تركيا، وكذلك الإجراءات التي من شأنها أن تقيد حركة رجال الأعمال.
وفي بروكسل، أعربت المفوضية الأوروبية عن أملها في أن تساهم مباحثات القمة الروسية - التركية الأخيرة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة وتسوية الأزمة السورية سلميا. وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية مينا آندرييفا، أمس: «من ناحية الآفاق الأوروبية، أريد تأكيد أهمية كل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة وإيجاد حل سلمي للأزمة السورية».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.