كيف وصلنا إلى مرحلة العالم «منخفض النمو»؟

الأمور مترابطة.. من الدخول الضعيفة إلى صعود ترامب

النمو الضعيف يسفر عن ارتفاع الدخول ببطء شديد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين (رويترز)
النمو الضعيف يسفر عن ارتفاع الدخول ببطء شديد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين (رويترز)
TT

كيف وصلنا إلى مرحلة العالم «منخفض النمو»؟

النمو الضعيف يسفر عن ارتفاع الدخول ببطء شديد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين (رويترز)
النمو الضعيف يسفر عن ارتفاع الدخول ببطء شديد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين (رويترز)

إحدى أهم حقائق الاقتصاد العالمي تتخفى بين كلمات أحد العناوين البارزة لهذا العام، مفادها أن «النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة صار أضعف؛ لفترة أطول مما كان عليه الأمر في حياة معظم الناس على وجه الأرض».
وتضيف الولايات المتحدة المزيد من الوظائف بوتيرة صحية، كما ظهر من تقرير حديث صدر يوم الجمعة الماضي، مع معدل البطالة المنخفض بصورة نسبية. ولكن ذلك يحدث على الرغم من الاتجاه طويل الأمد للنمو المنخفض بشكل كبير، في الولايات المتحدة وفي البلدان المتقدمة الأخرى، بأكثر مما كان واضحًا بالنسبة لمعظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ويساعد هذا الاتجاه على تفسير ارتفاع الدخول ببطء شديد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيما بالنسبة لأولئك الذين ليسوا من الفئة الأعلى دخلاً. وهناك أمر يكمن خلف البنزين الرخيص الذي تغذي به سيارتك وخلف أسعار الفائدة المنخفضة للغاية التي تحصل عليها لمدخراتك، وهو من الأهمية لتفهم سبب صعود دونالد ترامب، والتصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، وارتفاع الحركات الشعبوية في مختلف أنحاء أوروبا.
وهذا النمو البطيء ليس من الظواهر الجديدة، ولكن الجديد هو الطريقة التي يتحرك بها النمو البطيء عبر الـ15 عامًا الماضية ولا يزال. في الولايات المتحدة، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمتوسط 2.2 نقطة مئوية على أساس سنوي منذ عام 1947 وحتى عام 2000 – ولكن بدءًا من عام 2001 كان المتوسط يحوم حول 0.9 نقطة مئوية فقط. وكان أداء اقتصادات أوروبا الغربية واليابان يسير بوتيرة أسوأ من ذلك.
وعلى مدى فترات طويلة، يشير هذا التحول إلى تحسن بطيء بصورة جذرية في مستويات المعيشة. وفي عام 2000، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي – والذي يقاس عموما وفق دخل المواطن الأميركي العادي – مبلغ 45 ألف دولار. ولكن إذا كان النمو في النصف الثاني من القرن العشرين على نفس مستوى الضعف، كما كان عليه الأمر منذ ذلك الحين، كان ذلك المبلغ لن يتجاوز 20 ألف دولار بأي حال.
ولجعل الأمور أسوأ مما هي عليه، يشهد عدد أقل وأقل من الناس غنائم أي نوع من النمو هنالك. ووفق تحليل حديث صادر عن معهد ماكينزي الدولي، هناك نسبة 81 في المائة من سكان الولايات المتحدة في شريحة الدخل الثابت أو المنخفض خلال العقد الماضي. وبلغت هذه النسبة 97 في المائة في إيطاليا، و70 في المائة في بريطانيا، و63 في المائة في فرنسا.
ومثل معظم الأشياء الأخرى في الاقتصاد، فإن تباطؤ النمو يتجه نحو العرض والطلب؛ أي قدرة الاقتصاد العالمي على إنتاج السلع والخدمات، ورغبة المستهلكين والشركات في شرائهم. والمثير للقلق هو أن الضعف في العرض والطلب العالمي يبدو وكأنه يدفع بعضه بعضا في حلقة مفرغة.
> لماذا لا تنجح السياسات؟
يبدو الأمر وعلى نحو متزايد وكأن شيئًا ما قد كسر في مكانية النمو العالمية – وأن القائمة الاعتيادية للسياسات، مثل تخفيضات أسعار الفائدة والتحفيزات المالية المتواضعة، ليست على مستوى الواجب لإصلاح ذلك الكسر (على الرغم من أن بعض السياسات المدروسة جيدا يمكنها المساعدة في ذلك).
والحقيقة الكامنة وراء النمو المنخفض سوف تطارد كل من يفوز برئاسة الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، إلى جانب الزعماء في أوروبا واليابان. وطريقة التفكير الكاملة حول المستقبل – الذي سوف يعيش الأطفال حتمًا في بلد أكثر ثراء من الذي عاش فيه آباؤهم – باتت محل التساؤل كلما استمر هذا الوضع.
والخطوة الأولى في محاولة وقف التباطؤ هي تفهم السبب الرئيسي وراء حدوثه. والطريق الأمثل لفعل ذلك يكون بإعادة النظر في التوقعات الصادرة عن خبراء الاقتصاد الأذكياء.
في يناير (كانون الثاني) عام 2005، وكما هو الحال في كل عام، أصدر مكتب الميزانية في الكونغرس توقعاته بشأن ميزانية الولايات المتحدة والتوقعات الاقتصادية خلال العقد المقبل. وإذا ما صحت توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس آنذاك، فإن الولايات المتحدة كانت لتشهد زيادة في الناتج الاقتصادي بمقدار 3.1 تريليون دولار في عام 2015 عما كان عليه الأمر فعليًا في الواقع، أي أكثر بنسبة 17 في المائة. وحتى إن لم يحدث الانكماش الحاد في عامي 2008 - 2009، فإن العجز المتحقق لم يكن ليتجاوز مبلغ 1.7 تريليون دولار.
ومن الناحية الحسابية، هناك عنصران محتملان للتباطؤ في النمو: الناس الذين يعملون عددًا أقل من الساعات يوميًا، والقليل من الناتج الاقتصادي المتولد عن كل ساعة من ساعات العمل. ولقد ساهم كل منهما في ضعف الأداء الاقتصادي.
في عام 2000، نشر روبرت جيه. غوردن، الخبير الاقتصادي لدى جامعة نورثويسترن، ورقة بحثية بعنوان «هل يرقى الاقتصاد الحديث إلى الاختراعات العظمى من الماضي؟» ويقول فيها إن الإنترنت لن يكون له نفس التأثير التحويلي الكبير في كم الناتج الاقتصادي المحقق من ساعة العمل البشرية، مثلما أثر ابتكارات القرن العشرين على المعامل نفسها، مثل الكهرباء، والنقل الجوي، وأعمال السباكة الداخلية.
ولقد كان رأي الأقلية واضحًا للغاية في خضم قمة التفاؤل التكنولوجي. حيث قال السيد غوردن: «قال الناس إن النمو في الإنتاجية يبلغ حد الانفجار. ولكنهم على خطأ، إننا في عصر جديد تمامًا». ولكن مع تباطؤ الإنتاجية بعد عدة سنوات «بدأ الناس في تبني وجهة نظري حول الأمر على محمل الجدية».
وقال إنه يضرب مثالاً بالحجز الذاتي في تكنولوجيا الحواسيب الذي تستخدمه شركات الطيران. فعندما طرح ذلك النظام للعمل للمرة الأولى في عام 2000، كان يعني في الحقيقة زيادة الإنتاجية: حيث كانت الحاجة إلى عدد قليل من الموظفين لخدمة كل مسافر. ولكن المكاسب تعثرت مرة تلو المرة بدلاً من الاستمرار في اتجاه واحد.
> هل أضرت التكنولوجيا بالاقتصاد؟
قال دوغلاس هولتز إيكين، مدير مكتب الميزانية في الكونغرس حال صدور توقعات عام 2005 والرئيس الحالي لمنتدى العمل الأميركي، إن التكنولوجيا «بدت أقل إثارة للاهتمام وأكثر قابلية للمقارنة مع أشكال أخرى من الاستثمارات مما كان عليه الأمر».
واعتقد خبراء الاقتصاد أن متوسط الناتج لمدة ساعة من العمل سوف يرتفع بنسبة 29 في المائة بين عامي 2005 و2014. بدلاً من ذلك لم تتجاوز نسبته 15 في المائة فقط.
ولكن الأمر لا يتعلق بأن كل ساعة من العمل تعود بإنتاجية أقل من المتوقع. فهناك عدد أقل من الناس يعملون عدد ساعات أقل مما كان يبدو مرجحا منذ وقت ليس ببعيد.
وكان معدل البطالة أقل في الواقع عن توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس قبل عقد من الزمن، حيث وجد أن المعدل مستقر عند مستوى 5.2 في المائة، وكان يبلغ 4.9 في المائة في يوليو (تموز). ولكن معدل البطالة يتعلق فقط بأولئك الذين يسعون للبحث عن وظيفة. هناك عدد أقل من خمسة ملايين أميركي في القوى العاملة – لا يعملون ولا يبحثون عن عمل – في عام 2015 بأكثر من المتوقع.
وقدر تحليل صادر عن مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض العام الماضي أن نحو نصف الانخفاض المسجل في مشاركة القوى العاملة منذ عام 2009 كان راجعا إلى شيخوخة السكان (وهو الأمر الذي كان مسجلاً في التوقعات الاقتصادية)، ونحو 14 في المائة من الدورة الاقتصادية. ونحو ثلث الانخفاض كان لأسباب «متبقية» وغامضة: الشباب المغادرين لقوة العمل، ربما بسبب قلة الفرص المتاحة، أو لأن الأجور المحتملة التي يمكن أن يحصلوا عليها غير كافية.
ويعتبر ضعف الإنتاجية وقلة عدد العمال من الضربات الموجعة لجانب العرض من الاقتصاد. ولكن هناك أدلة أن نقص الطلب هو جزء رئيسي وكبير من المشكلة أيضا.
> المحرك والاقتصاد:
لننظر إلى الاقتصاد وكأنه سيارة، إذا أردت زيادة السرعة إلى ما هو أكثر من قدرات السيارة، لن تتحرك السيارة بسرعة أكبر، ولكن المحرك سوف يزداد سخونة. وعلى نحو مماثل، إذا كان الخروج الطوعي من القوة العاملة والمكاسب الأقل من التوقعات بالنسبة للتطورات التكنولوجية هي كل ما يدور حوله الأمر بشأن بطء النمو، فلا بد من توافر الأدلة على سخونة المحرك الاقتصادي، والذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.
وليس هذا ما يحدث.. بدلاً من ذلك، تواصل البنوك المركزية العالمية الضغط على بدائل الوقود الاقتصادي، ولا يسبب ذلك أي ارتفاع في درجات الحرارة الاقتصادية على الإطلاق.
ويحمل التمييز أهمية خاصة إذا كان هناك أي أمل في حل مشكلة النمو البطيء. وإذا كانت المشكلة هي النقص في الطلب، فإن بعضًا من التحفيزات من شأنها المساعدة في ذلك. إن الأمر برمته يوجد على جانب العرض، وبالتالي فإن التحفيز الحكومي لن يساهم بالكثير، وينبغي أن يركز صانعو السياسات على محاولة زيادة ابتكار الشركات وإقناع الناس بالعودة مرة أخرى إلى قوة العمل.
> ولكن ماذا لو كان الأمر على حد سواء؟
لاحظ لاري سامرز، الخبير الاقتصادي من جامعة هارفارد والمسؤول الأول الأسبق في إدارة الرئيس كلينتون وأوباما، النمو في حالة التباطؤ والتضخم غير المرئي بعد الأزمة المالية لعام 2008، على الرغم من التحفيزات المالية الاستثنائية من جانب البنوك المركزية. وحتى قبل الأزمة العالمية، كان النمو الاقتصادي فاترا بعض الشيء على الرغم من فقاعة الإسكان، والإنفاق العسكري، وانخفاض أسعار الفائدة.
في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013، جمع هذه الملاحظات في خطاب لقي الكثير من المناقشة أمام مؤتمر صندوق النقد الدولي، حيث قال إن الاقتصاد العالمي كان، ربما فقط، قد استقر في حالة من «الركود العلماني» تلك التي تتميز بعدم كفاية الطلب، وأدت إلى بطء في النمو، وانخفاض في معدلات التضخم، وهبوط أسعار الفائدة.
وفي حين أن النظرية تحمل كل الأوصاف عدا الاستقرار، إلا أن القضية المطروحة كانت أقوى خلال السنوات الثلاث الماضية.
> معتقدات استثمارية:
ولكن قد لا يكون الأمر بسيطًا على غرار العرض مقابل الطلب فحسب. ربما أن الناس خرجوا من قوة العمل بسبب ضمور أصاب مهاراتهم وعلاقاتهم. وربما كان السبب في انخفاض الإنتاجية راجع في جزء منه إلى الشركات التي لا تقوم باستثمار رؤوس الأموال، بسبب أنها لا تعتقد بوجود طلب كافٍ على منتجاتها.
وصف السيد سامرز، خلال المقابلة الشخصية، الأمر بأنه انتكاس لقانون «ساي»، وفكرة أن العرض يخلق الطلب المكافئ له: وأنه في كل قطاعات الاقتصاد، يقوم الناس بالعمل من أجل توفير السلع والخدمات التي تؤدي إلى حصولهم على الدخل الذي يشترون به تلك السلع والخدمات.
في هذه الحالة، بدلاً من ذلك، وكما طرح الأمر من قبل في كثير من الأحيان: «نقص الطلب يخلق نقص العرض». والحل المقترح لديه يكمن في أن توسع الحكومة وبشكل كبير من الاستثمار في البنية التحتية، والتي قد توفر هزة قوية لارتفاع الطلب، والتي يمكنها بدورها الانعكاس على العرض – مساعدة العمال الذين يعملون في تشييد الطرق والجسور على العودة مرة أخرى إلى القوة العاملة، على سبيل المثال. وكما يحدث، فإن زيادة الإنفاق على مشروعات البنية التحتية هو من بين السياسات الاقتصادية القليلة التي يدعو إليها كل من هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.
التاريخ الاقتصادي مليء بالكثير من النوبات غير المتوقعة وغير المنتظرة. عندما انتخب بيل كلينتون للرئاسة في عام 1992، كان الإنترنت، السمة المميزة لفترته الرئاسية، نادرا ما تذكر، وكانت اليابان تبدو كدولة ناشئة باعتبارها المنافس الاقتصادي البارز للولايات المتحدة.
بعبارة أخرى، هناك الكثير مما لا نعرفه حول مستقبل الاقتصاد. ولكن ما نعرفه هو أنه إذا لم يتغير شيء من الاتجاه الحالي، فإن القرن الحادي والعشرين سوف يكون شديد القتامة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



قلق في مصر من تحرك مفاجئ للدولار

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
TT

قلق في مصر من تحرك مفاجئ للدولار

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)

بعد أشهر من الخفوت، عاد الدولار ليصبح حديث المصريين وخبراء الاقتصاد الذين يتتبعون صعوده الأخير بعد أن تخطى حاجز 48 جنيهاً لأول مرة منذ 5 أشهر، وهو ما أثار قلق البعض جراء التحركات الأخيرة التي بدت مفاجئة، في ظل ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية، والارتفاع القياسي في تحويلات المصريين من الخارج.

وسجل الدولار لدى البنوك المصرية، الأربعاء، ارتفاعاً ملحوظاً بنحو 23 قرشاً، ما أرجعه خبراء اقتصاديون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى خروج بعض استثمارات «أذون الخزانة المحلية» بالبورصة، بسبب خفض الفائدة، ومخاوف من زيادة التوترات الجيوسياسية مع احتمالات نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع الطلب على العملة الصعبة.

وارتفع الجنيه أمام الدولار بنحو 6.2 في المائة خلال عام 2025، وفقاً لبيانات «البنك المركزي»، وهو ما جعل حسن أحمد (موظف في الخمسينات من عمره) ينتظر أن ينعكس ذلك على أسعار السلع، وبخاصة التي يتم استيرادها من الخارج، غير أنه مع التراجع الأخير للجنيه تبددت آماله، ويخشى أن يكون أمام قفزات جديدة في الأسعار مع ضعف الرقابة على الأسواق.

ويشير حسن، الذي يسكن في حي إمبابة الشعبي بمحافظة الجيزة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه مع دخول شهر رمضان شهدت الأسعار ارتفاعاً في وقت كان الجنيه مستقراً أمام الدولار، مضيفاً: «الآن أتوقع ارتفاعات أخرى يمكن أن تجد صدى مع عيد الفطر»، لكنه في الوقت ذاته يثق في قدرة الحكومة على الحفاظ على معدلات مستقرة للجنيه دون أن يتعرض لتراجعات عنيفة.

وارتفع احتياطي النقد الأجنبي في مصر إلى 52.594 مليار دولار بنهاية شهر يناير (كانون الثاني) الماضي من 51.452 مليار دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وفقاً لبيانات «البنك المركزي» المصري.

وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 تدفقات قياسية تعد الأعلى تاريخياً على الإطلاق، حيث ارتفعت بمعدل 40.5 في المائة لتصل إلى نحو 41.5 مليار دولار (مقابل نحو 29.6 مليار دولار خلال العام السابق 2024).

لكن هذه المؤشرات الإيجابية كانت دافعاً نحو تساؤل البعض على مواقع التواصل الاجتماعي عن «أسباب تراجع الجنيه في ظل ارتفاعات تحويلات المغتربين القياسية»، فيما طالب آخرون الحكومة «بإدارة متوازنة ومرنة للسياسات النقدية، ووضع قواعد تضمن استقرار الأسعار، والسيطرة على التضخم، ولا تتأثر كثيراً بتغير سعر الصرف».

وسجلت مبيعات من عرب وأجانب جزءاً من استثماراتهم في أذون الخزانة المحلية (الأموال الساخنة) بنحو 1.2 مليار دولار بالسوق الثانوية منذ بداية الأسبوع الحالي، بحسب بيانات البورصة المصرية، ما تسبب في زيادة الضغط على العملة المصرية.

مخاوف في مصر من تراجع الجنيه مجدداً أمام الدولار (الشرق الأوسط)

ويرى الخبير الاقتصادي تامر النحاس أن الحكومة أمام أول اختبار حقيقي في أعقاب قرار «البنك المركزي» خفض أسعار الفائدة، وهو ما تسبب في أن يفقد الجنيه 100 قرش من قيمته في غضون أسبوع واحد، وبعد أن تمت عملية سحب بعض «الأموال الساخنة»، تعرض الجنيه لمزيد من التراجع، مشيراً إلى أن الانخفاض الحالي يرجع أيضاً إلى أن بعض الشركات «تقوم بترحيل أرباحها السنوية إلى خارج مصر، وهو ما تسبب في ضغط إضافي على العملة الصعبة».

وفي مطلع الشهر الجاري خفض «البنك المركزي» أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، خلال أول اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، وذلك للمرة السادسة خلال آخر 10 أشهر.

وأوضح النحاس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة في مواجهة أول طلب متزايد على الدولار منذ عدة أشهر، وأن تراجع الجنيه ليس إيجابياً، لأنه يبرهن على أن أخطاء الاعتماد على «الأموال الساخنة» و«ودائع الدول الخليجية في البنوك» ما زالت سائدة لتقويم الجنيه، ما يخلق حالة من القلق الممزوجة بمخاوف من اندلاع حرب وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.

ولا يعتقد الخبير الاقتصادي أن الجنيه يواجه أزمة يمكن أن تتسبب في موجه تضخمية الآن، لكنه يتوقع حدوث ذلك في حال نشوب حرب أميركية - إيرانية، قائلاً: «المخاوف تبقى من هروب جماعي (للأموال الساخنة)، أو في حال حدث تقييد لتحويلات المصريين من الخارج، أو تأثر السياحة وقناة السويس سلباً، جرّاء اندلاع حرب جديدة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران».

ومع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022، شهدت السوق المصرية، موجة خروج رؤوس الأموال الأجنبية بقيمة 20 مليار دولار من السوق، حسبما أعلنت وزارة المالية في ذلك الوقت.

وتعتمد الحكومة المصرية بشكل كبير على «الأموال الساخنة»، حيث وصل رصيد استثمارات الأجانب بأدوات الدين 40 مليار دولار نهاية العام الماضي، وفق تأكيد نشرة «إنتربرايز» المحلية 13 يناير الماضي.

لكن في المقابل، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الجنيه تعرض لـ«تراجع طفيف» لن يؤثر على إجمالي أدائه أمام العملات الأجنبية، لتبقى المرحلة الحالية بمثابة تصحيح للأوضاع، وليس تراجعاً مستمراً بعد أن حافظ على أداء إيجابي مقابل العملات الأجنبية خلال العام الماضي، ومنذ تحرير سعر الصرف في عام 2024.

وتترقب مصر موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على التقرير الذي أعده خبراء البعثة عن المراجعتين الخامسة، والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، ما يوفر لمصر تسلم نحو 2.4 مليار دولار قيمة الشريحتين.

ويرى الشافعي أن صرف الشريحتين «سيكون دافعاً نحو حفاظ الجنيه على تماسكه في مقابل الدولار، ودلالة على أن الحكومة المصرية نفذت العديد من الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما يساعد على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية».


ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأكثر من التوقعات وانخفاض البنزين

صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأكثر من التوقعات وانخفاض البنزين

صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام ونواتج التقطير في الولايات المتحدة، بينما انخفضت مخزونات البنزين خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة في تقريرها الذي يحظى بمتابعة واسعة من السوق، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 16 مليون برميل لتصل إلى 435.8 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 20 فبراير (شباط)، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، بارتفاع قدره 1.5 مليون برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز التوزيع في كوشينغ، أوكلاهوما، ارتفعت بمقدار 881 ألف برميل.

وانخفضت عمليات تكرير النفط الخام في المصافي بمقدار 416 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بمقدار 2.4 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 88.6 في المائة.

وأعلنت الإدارة، انخفاض مخزونات البنزين في الولايات المتحدة بمقدار مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 254.8 مليون برميل، مقارنة بالتوقعات بانخفاض قدره 560 ألف برميل.

وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة، ارتفاع مخزونات نواتج التقطير (المشتقات النفطية)، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 252 ألف برميل خلال الأسبوع الماضي، لتصل إلى 120.4 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة، أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع الأسبوع الماضي بمقدار 412 ألف برميل يومياً، ليصل إلى 2.35 مليون برميل يومياً.


صندوق النقد الدولي: سنواصل دعم السلطات السورية في جهودها لإعادة تأهيل الاقتصاد

بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)
بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: سنواصل دعم السلطات السورية في جهودها لإعادة تأهيل الاقتصاد

بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)
بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)

أعلن صندوق النقد الدولي التزامه بمواصلة دعم السلطات السورية في جهودها الرامية لإعادة تأهيل الاقتصاد الوطني وتحسين أداء المؤسسات الاقتصادية الرئيسية، مؤكداً أن الاقتصاد السوري بدأ يدخل مرحلة التعافي المتسارع.

وجاء ذلك في ختام زيارة بعثة الصندوق إلى دمشق بقيادة رون فان رودن في الفترة من 15 إلى 19 فبراير (شباط) 2026، حيث كشف البيان عن تحولات هيكلية إيجابية شملت تحقيق فائض مالي، وانخفاضاً حاداً في معدلات التضخم، مدعوماً برفع العقوبات الدولية وعودة اندماج سوريا في المنظومة الاقتصادية العالمية.

وفي تفاصيل الأداء المالي الذي رصده الصندوق، أشاد الخبراء بالسياسة المالية الحذرة التي اتبعتها وزارة المالية، حيث كشفت البيانات الأولية عن نجاح الحكومة المركزية في إنهاء موازنة عام 2025 بـ«فائض طفيف»، وهو منجز يعكس الانضباط الصارم في احتواء الإنفاق ضمن الموارد المتاحة.

الرئيس السوري أحمد الشرع مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا في واشنطن نوفمبر الماضي (إكس)

والأهم من ذلك، أشار البيان إلى توقف الوزارة التام عن اللجوء إلى «التمويل النقدي» عبر البنك المركزي، ما أوقف استنزاف الكتلة النقدية وأسس لمرحلة جديدة من الاستقلال المالي؛ وهو ما مهّد الطريق لإعداد موازنة طموح لعام 2026 تهدف إلى زيادة الإنفاق بشكل كبير على الرعاية الصحية، والتعليم، وتحسين الأجور، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، مع وضع ضمانات وقائية لحماية الفئات الأكثر هشاشة وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي.

وعلى صعيد السياسة النقدية، سجل الصندوق نجاحاً استثنائياً للمصرف المركزي السوري في الحفاظ على موقف نقدي متشدد رغم التحديات، ما أسفر عن تباطؤ مذهل في معدلات التضخم التي هبطت إلى «خانة العشرات المزدوجة المنخفضة» بنهاية عام 2025، بالتوازي مع تسجيل الليرة السورية ارتفاعاً ملحوظاً في قيمتها مقارنة بمستويات عام 2024. وأكد الصندوق في هذا السياق أن دعمه سيتركز في المرحلة المقبلة على تمكين البنك المركزي وضمان استقلاليته، وتطوير إطار حديث للسياسة النقدية، بالإضافة إلى إجراء تقييم شامل للصحة المالية للبنوك وإعادة هيكلة النظام المصرفي لضمان استعادة ثقة الجمهور وتفعيل دوره في التمويل والتجارة الدولية.

وفي إطار التزام الصندوق بدعم المؤسسات، تم الاتفاق على برنامج تعاون فني مكثف يدعم «خطة التحول الاستراتيجي لوزارة المالية 2026–2030» واستراتيجية المصرف المركزي، ليشمل تطوير إدارة الدين العام، وتحديث التشريعات المالية، وتحسين جودة الإحصاءات الوطنية وفق المعايير الدولية. وأوضحت البعثة أن هذا الدعم التقني يهدف بالدرجة الأولى إلى تمهيد الطريق لاستئناف «مشاورات المادة الرابعة»، وهو ما يضع سوريا مجدداً على خريطة التقييم الدوري والاعتراف المالي الدولي الكامل.

واختتم الصندوق بيانه بالتأكيد على أن استدامة هذا التعافي تتطلب دعماً دولياً مستمراً لتخفيف وطأة الفقر، مشيراً إلى أن قدرة سوريا على حشد التمويل الخارجي المستدام ستظل مرتبطة بالتقدم المحرز في معالجة ملف «الديون الموروثة».

وقد أعربت البعثة عن تقديرها العالي للشفافية والحوار البنّاء الذي ساد الاجتماعات مع وزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، ما يعزز الثقة الدولية في قدرة السلطات السورية على قيادة مرحلة تاريخية من إعادة الإعمار والنمو المستدام.