من دون أن يكلف نفسه عناء الاستماع إلى أي منا، أو يحاول أن يشرح لنا ما يجري، أشار الجندي الإسرائيلي الذي يرتدي زيا حربيا مجهزا، من ضمن عشرات آخرين يقفون على حاجز حوارة، جنوب نابلس، شمال الضفة الغربية، إلى طابور طويل من السيارات، بالعودة من حيث أتت.
إشارة من الجندي، سريعة ومستفزة، ولا تخلو من تهديد، أغلقت الحاجز سيء الصيت. وبطبيعة الحال، وبنتيجة هذا التصرف المتعجرف، جرى سجن مئات من الفلسطينيين، في المدينة الجميلة الواقعة على جبلي عيبال وجرزيم، ومنعهم من العودة إلى منازلهم في رام الله، وبيت لحم، والقدس، والخليل، وحتى في القرى القريبة، في طقس طالما اختبره الفلسطينيون بين الفينة والأخرى.
ومثل آخرين، وقفنا لا ندري إلى أين نذهب. في حين كان الجندي المدجج بالسلاح، يراقب سيارات المستوطنين تعبر المكان في طريقها إلى مستوطناتهم القريبة والبعيدة.
سأل أحمد مزهر، تجمعا لشبان آخرين عادوا مثلنا، ويتطلعون إلى طريق للخلاص من الورطة، عن أي طريق التفافي، نستطيع عبوره لتجاوز الحاجز «اللعين»، ومغادرة نابلس، من دون تجاهل أن حتى مثل هذه المحاولة قد لا تنجح. قال أحدهم، وهو يشير بيده إلى البعيد: «نذهب إلى أوصرين وعقربا، ومن ثم إلى يتما (وهي قرى جنوب نابلس) ونلتف على الحاجز، ومن ثم نواصل إلى رام الله». واقترح آخرون المرور عبر قرى أخرى، ومنها الطريق إلى الطيبة، التي تقود إلى حاجز جبع القريب من رام الله. لكن أحدا من الموجودين لا يعرف الطريق بشكل جيد.
رد أنصار سعادة بكثير من القلق قائلا إن «أمامنا دهاليز كثيرة على ما أتذكر». فعلق مزهر: «يبدو أننا سنذهب إلى رأس الرجاء الصالح». وتوالى الجدل الذي لم يخل طبعا من اقتراح بإجراء اتصال مع أصدقاء أو معارف في نابلس، والعودة إليها للمبيت لديهم.
شق موكب طويل من السيارات طريقه إلى قرية «بيتا». لكن من تبرعوا بقيادة الآخرين إلى «شط النجاة»، سرعان ما اختلفوا حول أنسب مفارق الطرق الفرعية التي يمكن أن نسلكها، في حين ظهرت سيارة بولو صغيرة مسرعة، يقودها رجل خمسيني، يلوّح بيده لتجمع السيارات التائه بأن «اتبعوني».
كانت إشارته تلك كافية لأن تجعل المترددين ينطلقون خلفه لمسافة ليست قصيرة، قبل أن يبث فيهم الإحباط. توقف الرجل فجأة، وراح يخاطب الآخرين في مشهد بدا عبثيا بالفعل، معلنا أنه لم يعد متأكدا من الطريق. أثار ذلك ردود فعل متباينة، ونقاشا لم يخل من لوم وعتب، قبل أن نستعين بأبناء قرى المنطقة. وكما في الجدل الفلسطيني حول كل القضايا، لم يتفق الجميع على رأي، وتفرقوا في طرق جديدة راحوا يختبرونها للمرة الأولى. كان الهدف المباشر للجميع هو الوصول إلى الطريق الرئيسي بعد حاجز حوارة. ويعني هذا عمليا، استخدام طريق التفافي يستغرق عبوره ساعة ونصف الساعة، لتجاوز 50 مترا، فقط لأن مزاج جنود الاحتلال الإسرائيلي على حاجز حوارة لم يكن جيدا بما يكفي في تلك الليلة للسماح لأهل «المناطق»، كما يحلو للإسرائيليين إطلاقه على أبناء الضفة الغربية، بالعبور.
لقد بات إغلاق الحواجز العسكرية الإسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية سمة ثابتة ومتكررة، بعد كل عملية إطلاق نار، أو طعن، أو إلقاء حجارة، أو في حال اشتباه جنود الحاجز بأجسام أو سيارات أو أشخاص، أو تلقوا أوامر بالقيام بعمليات تفتيش دقيقة، أو بغرض التنغيص على حياة الفلسطينيين انتقاما من شيء ما.
يوجد في الضفة الغربية نحو 96 حاجزا، من بينها 57 حاجزا داخليا، أقيمت في عمق الضفة الغربية، بعيدا عن الخط الأخضر. وهذا المعطى يشمل أيضا 17 حاجزا في منطقة H2 في الخليل، التي أقيمت فيها نقاط استيطان إسرائيلية. ويعد 39 حاجزا من بين هذه الحواجز الثابتة نقاط فحص أخيرة قبل الدخول إلى إسرائيل.
وبالإضافة إلى ذلك، يقيم الجيش الإسرائيلي على امتداد شوارع الضفة الغربية المئات من الحواجز الفجائية المتنقلة (حواجز طيارة)، وصل عددها في أوقات التوتر إلى 456 حاجزا، وفقا لإحصائية مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. أما مهمة تلك الحواجز، فليست أحكام القبضة الأمنية على مدن الضفة، أو تفتيش الفلسطينيين المغادرين والعائدين، من وإلى المدن المختلفة وحسب، بل ولتأمين عبور آمن للمستوطنين الذين يحظون بشوارع خاصة أيضا، في «دولة المستوطنين»، كما يحلو للبعض أن يطلق عليها.
ويعيش في الضفة الغربية اليوم أكثر من 650 ألف مستوطن، يقيمون في 137 مستوطنة إسرائيلية، تعترف بها وزارة الداخلية الإسرائيلية أحياء رسمية، ومائة أخرى تعد بؤرا استيطانية غير معترف بها.
وتقسم هذه المستوطنات، التي تجثم على 3 في المائة من مساحة الضفة: «دولة الفلسطينيين» العتيدة إلى كانتونات. إذ يقع ما نسبته 40 في المائة، من مجمل أراضي الضفة الغربية تحت سيطرة تلك المستوطنات ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بها، من قبيل الجدار العنصري العازل، والحواجز، والقواعد العسكرية، والطرق الالتفافية الاستيطانية. وبطبيعة الحال، إذا أخطأ سائق فلسطيني ودخل إحدى هذه الطرق الخاصة بالمستوطنين فقد يكلفه ذلك حياته.
ويطلق كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، على الوضع القائم: «دولة بنظامين». ويتهم إسرائيل بمحاولة استبدال حل الدولتين إلى دولة بنظامين أسوأ من الأبارتهايد. وكان قد قال لـ«الشرق الأوسط»، في تصريح سابق، إن «لديهم (أي المستوطنين)، شوارع خاصة بهم، ممنوع علينا السير فيها. هذا أسوأ مما كان عليه الوضع في جنوب أفريقيا».
وتقول منظمة بيتسيلم، إن «هناك مكونا إضافيا في منظومة القيود، هو الشوارع التي يحظر فيها سفر الفلسطينيين. وإلى شهر مارس (آذار) 2015 خصصت إسرائيل 60.92 كيلومتر من شوارع الضفة للاستعمال الحصري، أو الحصري تقريبا للإسرائيليين، وفي مقدمة هؤلاء المستوطنون في الضفة الغربية. وبالإضافة إلى ذلك، هناك 6.72 كيلومتر من الشوارع الداخلية في وسط مدينة الخليل، يمنع الفلسطينيون من السفر عليها، وفي قسم منها يمنع سيرهم على الأقدام أيضا».
وفي زيارات عدة سابقة، لطاقم «الشرق الأوسط» إلى مدينة الخليل، أبلغنا بعدم بالتوقف بعد 20 مترا من مدخل «شارع الشهداء»، بسبب «السحنة العربية».
وقبل أيام قليلة فقط، وثق شريط فيديو، كيف صرخ جندي إسرائيلي يقف على حاجز «المافيا» المعروف، بأنوار برقان (8 سنوات)، وأخذ دراجتها وألقى بها بين شجيرات قريبة، فقط لأنها كانت تقودها في «شارع إسرائيلي» من وجهة نظره، هو في الواقع، جزء من الشارع الإبراهيمي في المدينة.
بعد ساعة ونصف من طريق طويل ومتعرج، لم يخل من مفاجآت، أجبرتنا على التوقف مرارا، وعدنا أدراجنا مرات أيضا، واستعنا بعابري الطريق الذين كان كثير منهم تائها بدوره مثلنا ويتطلع إلى مساعدة. وفي النهاية، خرجنا إلى الشارع الرئيسي نحو رام الله.
كان الجنود يواصلون منع أهل المناطق من المرور عبر حاجز حوارة، في حين كانت سيارات المستوطنين «المدللة» والمرفهة، تمر بنا قادمة من هناك، وتشق معنا الطريق الطويلة المشتركة، إلى شوارع أخرى مختصرة مفتوحة بحكم القوة لهم وممنوعة علينا.
وحين وصل المستوطنون إلى مستوطناتهم، كنا ما نزال في طريقنا إلى رام الله.
69 حاجزًا بالضفة الغربية تجعل تنقل الفلسطيني مغامرة
70 كيلومترًا من الشوارع يستخدمها شعب واحد * طرق مفتوحة للمستوطنين اليهود ومغلقة على الفلسطينيين
جنود الاحتلال عند حاجز حوارة القريب من نابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
69 حاجزًا بالضفة الغربية تجعل تنقل الفلسطيني مغامرة
جنود الاحتلال عند حاجز حوارة القريب من نابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







