ابن صانع القنابل لأسامة بن لادن: «داعش» تريدني غنيمة حرب

نجل أبو خباب {كيميائي القاعدة» : لاسم والدي تأثير كبير ومعنى عميق بين المتشددين

محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})
محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})
TT

ابن صانع القنابل لأسامة بن لادن: «داعش» تريدني غنيمة حرب

محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})
محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})

كان لا يزال مراهقا عندما تجول في أحد المباني الواقعة في مجمع التلال لترابية القريبة؛ بحثا عن الأقفاص التي توجد فيها الأرانب. وفي الداخل، عثر على مختبر مجهز، مع أنابيب الاختبار، والأقنعة الواقية، وصفوف من الجرار السوداء.
وأثناء تجوال محمد نجل أبو خباب المصري في الغرفة ذات المحتويات المبعثرة، جاء والده ودخل الغرفة وراءه.
يقول المصري «سألت والدي، ما الذي تفعله هنا؟»، متذكرا حادثة وقعت قبل عشرين عاما في شرق أفغانستان. وكانت إجابة والده غامضة؛ إذ قال: «عندما تكبر إن شاء الله سوف تعرف بنفسك».
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في عام 2001 كان والد المصري يعتبر أحد أهم الشخصيات البارزة في تنظيم القاعدة: المواطن المصري الذي يحمل درجة جامعية في الكيمياء والتي تولى مهمة الإشراف على جهود الشبكة الإرهابية لتصنيع الأسلحة التي تسبب الكثير من الإصابات بين الناس.
ثم أصبح أبو خباب المصري مطلوبا القبض عليه ووضعت الولايات المتحدة مكافأة تبلغ 5 ملايين دولار لمن يرشد عنه. وتظهر الفيديوهات المستردة من معسكر التدريب الذي أشرف عليه أن الكلاب تسقط في حالة إعياء شديدة عندما تتعرض لرذاذ من بعض المكونات الغامضة، كما أنه كان ضالعا في سلسلة من المؤامرات – بما في ذلك محاولة تنظيم القاعدة إسقاط طائرة ركاب مدنية بواسطة قنبلة مخبأة في حذاء – وذلك قبل أن تقتله الاستخبارات المركزية الأميركية في هجمة بطائرة من دون طيار.
وغادر محمد نجل أبو خباب، البالغ من العمر الآن 35 عاما، أفغانستان بعد وقت قصير من تلك الحادثة التي وقعت في منتصف التسعينات في المختبر المتواجد في مجمع معسكرات دارونتا، ولم ير والده مرة أخرى بعد ذلك. ولكن تلك السمعة السيئة قد ارتبطت بالشاب اليافع كمثل المخلفات السامة، حيث زادت من تعقيد جهوده ليضع بصمته الخاصة على صفحات التطرف، وكان آخرها في سوريا.
وساعده اسمه المعروف في بناء قاعدة من الأتباع بلغت مئات عدة من المقاتلين بعدما وصل إلى سوريا عام 2012، كما قال في واحدة من سلسلة مقابلات صحافية مع صحيفة «واشنطن بوست». ولكن منذ ذلك الحين، انشغل في صراع عنيف بين أولئك الموالين لتنظيم والده «القاعدة» وأنصار التنظيم الأكبر والأكثر وحشية والمصمم على أن يحل محل القاعدة – تنظيم داعش.
يجسد المصري حالة الصراع البارزة ما بين الأجيال ربما أكثر من أي مقاتل آخر في سوريا. بدأ تنظيم داعش ذراعا رافدة عن تنظيم القاعدة، ولكن كلا التنظيمين يدخل الآن في منافسة حادة وشرسة من أجل تحديد من منهما سيسود ويحوز العلامة التجارية الشهيرة للتطرف العالمي. على أحد المستويات، يجري القتال بينهما على الموارد والمجندين. ولكنهما لديهما أيضا الرؤية المتنافسة حيال كيفية إقامة عصر جديد من الحكم، ويحمل تنافسهم قدرا كبيرا من الجرأة الكافية لتغذية سباق التسلح الإرهابي واستهداف الغرب.
ونجل أبو خباب من بين القلائل الذين يزعمون بأنهم قضوا فترات مطولة في معسكرات «القاعدة» في أفغانستان إلى جانب العاصمة المزعومة للخلافة في الرقة بشمال سوريا، وهو الشخص الوحيد حتى الآن الذي مر بكل هذه التجارب ويمكنه الحديث عنها بالتفصيل.
ومن بعض النواحي، فإنه يمثل الحمض النووي المشترك بين هذين التنظيمين، فضلا عن الخلافات العنيفة حول التكتيكات والأهداف، التي جعلتها غير متوافقة. ويبدو مسار هذه المنافسة خلال العامين الماضيين مائلا وبقوة إلى صالح تنظيم داعش. ولكن تنظيم القاعدة، الذي نجا من الإبادة لمدة 15 عاما منذ هجمات سبتمبر، قد أظهر مرارا وتكرارا مقدرته على إعادة التجمع والتنظيم.
ولقد أعلنت جبهة النصرة، الذراع الوحيدة الموالية لـ«القاعدة» في سوريا، مؤخرا استقلالها عن التنظيم الأم، وهو القرار الذي قوبل بترحيب مشوب بالكثير من الشكوك من قبل الولايات المتحدة ومسؤولي الاستخبارات فيها.
وفي تسجيل صوتي نشر في مايو (أيار) الماضي، حث أيمن الظواهري زعيم «القاعدة» تنظيم جبهة النصرة في سوريا على إقامة محيطها الإقليمي الخاص بها لكي تتمكن من المنافسة مع تنظيم داعش، وهي الخطوة التي طالما قاومها تنظيم القاعدة من قبل. كما دعا الظواهري أيضا إلى «الوحدة الجديدة» بين مختلف الفصائل المعارضة، التي تقاتل جميعها تنظيم داعش والحكومة السورية على حد سواء، حيث وصفها بأنها مسألة «حياة أو موت».
ويحل محمد المصري، الذي تعرف إلى الظواهري في أفغانستان، محل القلب من الجمهور المقصود بخطاب زعيم القاعدة الأخير.
بعد فشله في تفادي ظهور تنظيم داعش، انحاز محمد نجل أبو خباب المصري إلى التنظيم الذي يحمل الفكر المتطرف العنيف في عام 2013، حيث جاء بالكثير من الأتباع وقبل الكثير من الامتيازات الممنوحة من قبل الخلافة المزعومة، بما في ذلك شقة سكنية في مدينة الرقة، ورواتب شهرية منتظمة، وزوجة جديدة.
غير أن التنظيم أصبح مدركا على نحو تدريجي بحدود الولاء الظاهر من جانب محمد المصري، كما قال بنفسه. بما في ذلك رفضه المشاركة في الهجمات التي يشنها «داعش» على ذراع القاعدة في سوريا، ورفضه أيضا الظهور في الفيديوهات الدعائية التي تشهّر بالتنظيم الذي كان والده عضوا فيه. وفي منتصف عام 2014 اتهم المصري بالخيانة، وتم نقله خارج مساكن الرقة في نسخة تنظيم داعش من الإقامة الجبرية.
كان ولاء المصري السبب الرئيسي في فترات السجن الطويلة خلال حياته، بما في ذلك ثماني سنوات من الاعتقال في مصر. ولكن كان هناك شخص موال لوالد محمد المصري، وهو تاجر من الرقة، ذلك الذي يعمل ضد «داعش» في الخفاء، هو الذي ساعد على ترتيب هرب المصري من قبضة «داعش».
يقول محمد المصري عن ذلك «كان لاسم والدي تأثير كبير ومعنى عميق بين المتشددين»، مشيرا إلى الآلاف من المقاتلين الذين هاجروا إلى أفغانستان في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وأضاف المصري يقول: «إن تنظيم داعش يحاول نزع العباءة من على أكتاف (القاعدة) ويريد أن يستخدموني غنيمة حرب».
تحدث المصري بشرط عدم الكشف عن موقعه أو انتماءاته الحالية، كما أنه رفض التصوير تماما، بسبب قوله: إنه يخشى استهدافه من قبل تنظيم داعش، كما أنها مخاطرة تعرضه للاعتقال من قبل مختلف الأجهزة الأمنية في المنطقة.
أكد الزملاء السابقون لوالده ولأسامة بن لادن على هوية المصري، وأنه استخرج جواز سفره باسم عائلته. وفي المقابلة الصحافية، «كان يرتدي قميصا منقوشا وقبعة سوداء».
وافق المصري على الحديث إلى صحيفة «واشنطن بوست»، كما قال، في جزء منه للتعبير عن رفضه الحكم الاستبدادي الذي يمارسه تنظيم داعش على السكان في العراق وسوريا، على الرغم من أنه أحجم عن إدانة وحشية التنظيم ضد الغرب.
وقال عن ذلك خلال المقابلة «ليس الأمر أنهم قطعوا رأس أحد الأشخاص ممن ارتكبوا إحدى الجرائم، لم تكن تلك هي قضيتي معهم، بل كانت في أسلوبهم للحكم».
وألقى المصري باللوم على سياسات الولايات المتحدة وحملاتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وأنها السبب وراء اندفاع الآلاف من المسلمين وراء دعاية «داعش». وأضاف يقول: «بالقدر الذي احتقر به (داعش) للطريقة التي يعاملون بها الناس، فإن أحد الأسباب الرئيسية في قوة هذا التنظيم هو الغرب نفسه».
إنها صدى إحدى المظالم الرئيسية التي أطلقها تنظيم القاعدة من قبل، وهو التنظيم الإرهابي الذي كان أعضاؤه المؤسسون في وقت من الأوقات بمثابة الأسرة الكبيرة بالنسبة إلى محمد المصري.
انتقل المصري بصحبة عائلته إلى باكستان وهو في سن التاسعة، على الرغم من مولده في الأردن، حيث قضى والده – واسمه الحقيقي مدحت مرسي السيد عمر – أغلب وقته عبر الحدود في أفغانستان بين كوكبة من معسكرات التدريب بالقرب من سد دارونتا على مسافة 70 ميلا إلى الشرق من كابل وبالقرب من جلال أباد.
وافتتح الوالد مطعما في بيشاور لكي يبقي أسرته منشغلة، وهي المدينة الباكستانية التي كانت بمثابة نقطة انطلاق للآلاف من الرجال المسلمين الذين يصلون من الشرق الأوسط لقتال القوات السوفياتية في أفغانستان.
عمل المصري برفقة والدته وأخواته الخمس في المطعم، والذي كان يحمل اسم مقهى «الإخوة». وكان رواد المطعم عبارة عن كبار رجال تنظيم القاعدة، كما يقول المصري، ومن بينهم أيمن الظواهري، الزعيم الثاني لفترة طويلة في التنظيم، الذي تولى زعامة التنظيم الإرهابي إثر مقتل أسامة بن لادن في عام 2011.
* خدمة: «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.