نجاة مفتي مصر السابق من محاولة اغتيال.. قبل أيام من ذكرى فض «رابعة»

حركة «حسم» الإخوانية تعلن مسؤوليتها.. ومسؤول حكومي يحذر من مخاطر سعي الإخوان إلى العودة للمشهد السياسي عبر «خلاياهم النائمة»

ملثمون استهدفوا مفتي مصر السابق د. علي جمعة أثناء دخوله مسجد فاضل في منطقة غرب سوميد أمس (أ.ف.ب)
ملثمون استهدفوا مفتي مصر السابق د. علي جمعة أثناء دخوله مسجد فاضل في منطقة غرب سوميد أمس (أ.ف.ب)
TT

نجاة مفتي مصر السابق من محاولة اغتيال.. قبل أيام من ذكرى فض «رابعة»

ملثمون استهدفوا مفتي مصر السابق د. علي جمعة أثناء دخوله مسجد فاضل في منطقة غرب سوميد أمس (أ.ف.ب)
ملثمون استهدفوا مفتي مصر السابق د. علي جمعة أثناء دخوله مسجد فاضل في منطقة غرب سوميد أمس (أ.ف.ب)

نجا مفتي مصر السابق، الدكتور علي جمعة، أمس، من محاولة اغتيال قام بها ملثمون استهدفوه بأسلحة آلية (غرب القاهرة) أسفرت عن إصابة حارسه الخاص وعامل بالمسجد، بحسب أحد أفراد فريق مكتبه الإعلامي، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المحاولة استهدفته أثناء دخوله مسجد فاضل في منطقة غرب سوميد في الحي المتميز بمدينة 6 أكتوبر (تشرين الأول)، من قبل 4 أشخاص، اثنين تمركزا أعلى عقار مهجور، واثنين على الأرض لتنفيذ العملية».
بينما أعلنت حركة إخوانية تدعى {حسم} مسؤوليتها عن محاولة الاغتيال.
يأتي هذا في وقت تستعد جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية لإحياء الذكرى الثالثة لفض السلطات الأمنية قبل ثلاثة أعوام اعتصامين لمؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، منتصف أغسطس (آب) عام 2013. قتل خلالهما المئات. وحذر مسؤول حكومي قبل ساعات من محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، مما أسماه «مؤامرات لـ(الإخوان) وعناصرها وخلاياها الحية والنائمة للعودة للمشهد السياسي في مصر».
وعلي جمعة، هو أحد الخصوم الشرسين للجماعة الإرهابية، وأطلقت جماعة الإخوان في مارس (آذار) عام 2014 شائعة وفاته عبر مواقعها الرسمية، كما أهدرت قيادتها خارج مصر دمه أكثر من مرة. ويقول مراقبون إن «استهداف جمعة في ذكرى فض (رابعة) لأنه في تصور الإخوان أكثر علماء الدين الذين برروا عمليات قتل السلطات المصرية عناصر الإخوان، وأكثر المشايخ الذين يهاجمون عنف الجماعة».
وعقب نحو ساعات من الحادث، ظهر جمعة في التلفزيون الرسمي للبلاد وقال إن «هناك 4 إرهابيين حاولوا اغتياله اختفوا خلف الشجر أو النخل الموجود أمام الحديقة التي توجد في محيط المسجد»، مضيفا: «وصلت إلى سلالم المسجد وجدت الطلقات واحتميت بصور المسجد حتى دخلت الجامع».
قال جمعة: «خطبت الجمعة أمس كرسالة إلى الإرهابيين، بأنني لن أتوانى عن حربهم حتى أموت، ودعوت الله في شبابي في الكعبة أن أموت شهيدا؛ ولكن ليس على يد هؤلاء». مضيفا أن «هذه المحاولات هي نهاية الجماعات الإرهابية التي تريد فسادا في الأرض، ولا تريد أن تستمع إلى النصيحة». وأشار أحد أفراد فريق مكتب جمعة الإعلامي إلى أن «عامل الجراج الخاص بالمسجد أصيب، وأن الشيخ جمعة بدت عليه علامات القوة، وحاول الخروج من المسجد ليؤكد عدم خوفه من مطلقي النيران؛ إلا أن المصلين تجمهروا أمام الأبواب ومنعوا خروجه». مضيفا أن الشيخ جمعة يسكن بجوار المسجد، وغالبا ما يؤدي صلاة الجمعة به، ومنفذو الهجوم كانوا مجموعة من الملثمين المدججين بالأسلحة، إلا أن رجال الأمن المرافقين للشيخ تمكنوا من التعامل مع الأمر، وأدخلوا الشيخ إلى ساحة المسجد، وأنقذوه من محاولة الاغتيال.
وتعد مدينة 6 أكتوبر القريبة لمحافظة الجيزة من القاهرة، وكرا للجماعات الإرهابية وعناصر جماعة الإخوان المسلمين، وشهدت كثيرا من عمليات استهداف رجال الشرطة، وتمكنت وزارة الداخلية من ضبط كثير من القيادات الإخوانية الهاربة المحكوم عليهم في قضايا «قتل وأعمال عنف وإرهاب» كانوا يختبئون فيها.
وأكد مصدر أمني بمديرية أمن الجيزة، أنه «يجري إجراء التحريات لكشف ملابسات الحادث وضبط مرتكبيه». وكشفت تقارير أمنية، أن «هناك توقعات لأجهزة الأمن بترتيب الجماعات الإرهابية والعناصر المتطرفة لكثير من الحوادث الإرهابية خلال الفترة المقبلة، تستهدف رجال الشرطة واغتيال الشخصيات العامة، كرد فعل على مقتل (أبو دعاء) أحد قادة تنظيم أنصار بيت المقدس الإرهابي أول من أمس في سيناء.
وكان قادة الإخوان وأنصارهم قد اعتصموا في ميدان رابعة العدوية (شرق القاهرة)، قبل أيام من مظاهرات دعت لها حركة «تمرد» للاحتجاج على حكم مرسي في 30 يونيو (حزيران) 2013، وظل الاعتصام قائما بعد توافق بين قوى سياسية وقادة الجيش بشأن عزل مرسي، ما دفع قادة الجماعة لتوسيع الاعتصام وإقامة آخر غرب العاصمة في ميدان «نهضة مصر»، وفي أعقاب إعلان حكومة حازم الببلاوي رئيس الوزراء حينها غلق باب مساعي التفاهم مع الجماعة، اتخذت السلطات قرار فض الاعتصامين.
حادث استهداف مفتي مصر الأسبق لم يكن الأول، فقد تحدثت وسائل إعلام محلية مصرية عن مخطط لاغتيال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في أعمال القمة العربية التي عقدت في العاصمة الموريتانية نواكشوط، يوليو (تموز) الماضي.
كما نجا وزير الداخلية المصري السابق اللواء محمد إبراهيم في سبتمبر (أيلول) عام 2013 من محاولة اغتيال فاشلة بعبوة ناسفة زرعت على جانب الطريق بالقرب من منزله بمدينة نصر (شرق القاهرة)، أسفرت عن إصابة 19 شخصا.
في حين نجحت عملية اغتيال النائب العام المصري السابق هشام بركات في يونيو العام الماضي. وقتل المستشار بركات متأثرا بجراحه جراء تفجير استهدف موكبه شرق القاهرة، وأعلنت السلطات المصرية وقتها أن خلية إخوانية حصلت على دعم وتدريب من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وهي التي نفذت الاستهداف.
وأصدر مكتب مفتي مصر السابق، بيانا، أمس، قال فيه إنه «على عادة الخوارج كلاب أهل النار وحبهم العيش في الدماء، حاول شرذمة من الفئات الضالة الاعتداء على الدكتور جمعة، عند باب المسجد وهو في طريقه لأداء صلاة الجمعة؛ ولكن عناية الله عز وجل حفظته من كل مكروه وسوء». وقال المكتب، في بيان له، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، «إننا قد تعودنا من كلاب النار مثل هذه الأحداث الصبيانية، والحمد لله أقمنا صلاة الجمعة، لأن منهجنا عمارة المسجد وعمارة الكون وليس خراب الدنيا والآخرة، وعقيدتنا التعمير لا التكفير والتدمير».
واستنكر الأزهر بشدة محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت جمعة، وهو عضو هيئة كبار العلماء بمصر، ووصفه بالإجرامي. وأدانت هيئة كبار العلماء المحاولة، مؤكدة أن هذه المحاولات البائسة لم ولن ترهب العلماء المخلصين، أو تثنيهم عن أداء رسالتهم السامية. في حين وصف الدكتور شوقي علام مفتي مصر، اغتيال مفتي مصر السابق بالعملية الإرهابية الخسيسة، مؤكدا أن عصابة التطرف والإرهاب تريد أن تخرس أصوات الحق التي تصدع وتحارب منهجهم المتطرف بالحجة والبرهان، فهم لا يعرفون لغة إلا لغة الدماء والدمار.
وكان محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، قد أكد في تصريحات قبل ذكرى «رابعة» أن خطر الإخوان ما زال قائما ويزداد. وقال الوزير المصري، في بيان له، أمس، إن الإخوان وأعوانهم يقاتلون من أجل العودة إلى المشهد السياسي عبر تقسيم الأدوار، ما بين عملاء خونة يتطاولون علنا على أوطانهم، ويشهرون بها عبر بعض الفضائيات التي تستضيفها دول راعية للإرهاب، وأخرى مستخدمة لـ«الإخوان» كشوكة في ظهر أوطانهم وسلاح لتفتيت دولهم وتمزيقها. مضيفا أن العملاء يغيرون جلودهم كالحيات ويعملون على اختراق المؤسسات والسيطرة عليها، من خلال خلاياهم النائمة، ومن يستطيعون استقطابهم من المخدوعين والمغرر بهم وأصحاب المطامع والأهواء، داعيا إلى ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر والتنبه لمؤامرات هذه الجماعة الإرهابية وعناصرها وخلاياها الحية والنائمة ومن يرعاها ومن يستخدمها، حتى لا نندم حين لا ينفع الندم.
في السياق ذاته، توالت ردود الأفعال على الحادث، واستنكرت الأحزاب والقوى السياسية الاعتداء، وقال حزب المصريين الأحرار إن تلك العمليات الإرهابية الخسيسة التي تستهدف رجال الدين المعتدلين لن تثنيهم عن أداء رسالتهم في مواجهة تلك الأفكار الظلامية. وعلق جون كاسن، السفير البريطاني بالقاهرة، عبر صفحته على «تويتر»، قائلا: «الحمد لله على سلامة دكتور جمعة صديقي.. ربنا يمنحه طول العمر ويقف معنا من أجل السلام والعدالة وفهم الآخرين وضد من ينشرون الكراهية».



العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي مواطنيه إلى استثمار ما وصفه بالتحولات الجديدة التي تشهدها البلاد، والانحياز إلى منطق الدولة وتغليب استحقاقات المستقبل، في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان حمل رسائل داخلية وخارجية بشأن مسار الصراع ومستقبل التسوية في اليمن.

وقال العليمي إن المرحلة الحالية تمثّل لحظة مفصلية بين سنوات من الصراع وبداية مسار لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء دولة «تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال المقبلة».

وجاء الخطاب في سياق تحركات سياسية واقتصادية تسعى الحكومة الجديدة من خلالها إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بالتوازي مع جهود تقودها السعودية لإعادة تنشيط المسار السياسي واحتواء الفوضى التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الجنوبية والشرقية.

العليمي كثف لقاءاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ركز العليمي في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي على توصيف المواجهة مع الجماعة الحوثية بعدّها صراعاً حول طبيعة الدولة وليس مجرد مواجهة عسكرية، قائلاً إن المعركة «ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة»، في إشارة إلى الفوضى والسلاح خارج المؤسسات الرسمية واستنزاف الموارد العامة.

استعادة صنعاء

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قوى الانقلاب الحوثية بمحاولة تحويل الدولة إلى كيان ميليشياوي واختزال الوطن في جماعة واحدة، مؤكداً أن اليمنيين واجهوا خلال السنوات الماضية مشاريع عنف سعت لفرض واقع سياسي قائم على القوة خارج القانون.

وفي رسالة موجهة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، شدد العليمي على أن الدولة «لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من هذا الوطن»، مؤكداً أن استعادة صنعاء ستظل هدفاً مركزياً للمشروع الوطني، مهما طال أمد الصراع.

كما دعا إلى تهدئة الخطاب السياسي ونبذ التحريض داخل معسكر الشرعية، ورأى أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توحيد الجبهة الداخلية والتركيز على ما وصفه بالمعركة الوطنية الكبرى لاستعادة مؤسسات الدولة.

جانب من لقاء العليمي في ميونيخ مع وزير الخارجية الألماني (سبأ)

وأبرز خطاب العليمي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً للاستقرار، حيث عبّر عن ثقته بالحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مشيراً إلى أنها مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة وضبط الموارد العامة.

وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية تمثل مساراً إلزامياً رغم صعوبته، لأن الاستقرار المعيشي والخدمي - بما يشمل انتظام الرواتب وحماية العملة الوطنية وتحسين الخدمات - يعد جزءاً من معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تحسن نسبي في انتظام عمل المؤسسات والخدمات خلال الأسابيع الأخيرة، وقال إن هذه التطورات ما تزال في بدايتها لكنها تمثل فرصة سياسية نادرة «لا يرحم التاريخ من يفرّط بها».

القضية الجنوبية والدعم السعودي

جدد العليمي التأكيد على الاعتراف بالقضية الجنوبية بعدّها جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة، داعياً إلى حوار شامل برعاية سعودية يضم مختلف المكونات ويؤسس لشراكة سياسية «لا غالب فيها ولا مغلوب».

وتطرق خطاب العليمي إلى الدور الإقليمي، مشيداً بالدعم السعودي، واصفاً العلاقة مع الرياض بأنها شراكة استراتيجية ترتبط بالأمن والجغرافيا والمصير المشترك، وليست تحالفاً مؤقتاً.

وأشار إلى جهود الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان في دعم استقرار اليمن، مشيراً إلى أن هذا الدعم يفتح نافذة للانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة الإعمار والتنمية.

كما أعلن توجيهات بالإفراج عن السجناء الذين استوفوا الشروط القانونية — باستثناء القضايا الخطيرة — وإغلاق السجون غير الشرعية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

واختتم العليمي خطابه بالدعوة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي خلال رمضان، وحث القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة، مؤكداً أن المجتمعات التي تتماسك اجتماعياً تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.


فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
TT

فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)

حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية لتصنع واقعاً معيشياً هو الأقسى منذ سنوات، فبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتكافل الاجتماعي، بات لدى كثير من الأسر مرادفاً للقلق والخوف والمزيد من الجوع.

وتكشف مظاهر الحياة اليومية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة عن حجم التحول القاسي الذي أصاب المجتمع اليمني، إذ لم تعد الأسواق تعكس أجواء الاستعداد المعتادة للشهر الكريم، بل تبدو الحركة التجارية محدودة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشهد الأسواق مع حلول رمضان ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي وضع معظم السكان أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات الأساسية والدخل شبه المعدوم.

ويؤكد مواطنون أن استقبال الشهر الكريم لم يعد مرتبطاً بالتحضيرات والبهجة كما في السابق، بل أصبح موسماً للضغوط النفسية والقلق المستمر.

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تسكن أحد الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، إن رمضان فقد معناه بالنسبة لعائلتها، بعدما كانت المساعدات الغذائية والنقدية تساعدهم سابقاً على تجاوز الظروف الصعبة، أما اليوم، فتكتفي الأسرة بوجبات بسيطة لا تتجاوز الخبز والشاي، في محاولة للصمود أمام واقع اقتصادي قاسٍ.

ولا تختلف معاناة الموظفين الحكوميين كثيراً، إذ يؤكد عبد الله، وهو موظف في القطاع التربوي، أن انقطاع الرواتب منذ سنوات جعل آلاف العائلات عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. ويضيف أن استمرار فرض الالتزامات المالية والجبايات رغم غياب الرواتب فاقم الأعباء، محولاً رمضان من موسم للعبادة والطمأنينة إلى فترة اختبار يومي للبقاء.

هذا الواقع أدى إلى تراجع واضح في مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الولائم العائلية وتبادل الزيارات، حيث باتت الأولوية لدى الأسر تتركز على تأمين وجبة الإفطار فقط.

الجبايات والقيود

لا تقتصر الأزمة على السكان فحسب، بل تمتد إلى التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة فرض جبايات متعددة بمسميات مختلفة. ويقول أبو ياسر، وهو صاحب متجر في صنعاء، إن التجار يجدون أنفسهم مضطرين لرفع الأسعار لتغطية التكاليف الإضافية، ما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر.

ويتهم عاملون في المجال الإنساني الجماعة الحوثية بالمساهمة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر فرض رسوم غير قانونية على الأنشطة التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الأسعار وتقليص حركة السوق.

باعة ومارة في إحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

كما يشيرون إلى أن القيود المفروضة على المبادرات الخيرية والتطوعية في رمضان حدّت من قدرة المجتمع على تعويض جزء من النقص الغذائي عبر التكافل الاجتماعي.

وترافق هذه الضغوط الاقتصادية إجراءات أمنية مشددة، حيث تتزايد الرقابة على الأنشطة المجتمعية والخيرية، ما خلق بيئة من الخوف والحذر لدى السكان والمتطوعين، وأضعف شبكات الدعم التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً خلال شهر رمضان.

اليمن ضمن بؤر الجوع

تتزامن هذه الظروف القاسية في مناطق سيطرة الحوثيين مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني، إذ كشف تقرير عالمي حديث أن اليمن بات ضمن 10 دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وبحسب تقرير «منظمة العمل ضد الجوع» حول بؤر الجوع لعام 2026، يتركز اثنان من كل ثلاثة أشخاص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالمياً في 10 دول فقط، من بينها اليمن الذي يحتل المرتبة السادسة، حيث يعاني نحو 16.7 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء.

يمنيات يتجمعن لطلب المساعدة من أحد المتاجر في صنعاء (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي المستمر.

كما تشير تقارير إغاثية إلى تزايد مظاهر الفقر في الشوارع، مع ارتفاع أعداد المتسولين وانتشار الباعة المتجولين من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ومع غياب حلول سياسية واقتصادية قريبة، يخشى اليمنيون أن يتحول رمضان هذا العام إلى محطة جديدة من المعاناة الممتدة، حيث تتراكم الأزمات دون بوادر انفراج حقيقية، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك المجتمع وأفقده كثيراً من مقومات الحياة الكريمة.


استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي.

وتقول مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.

وحسب إفادات السكان، فإن الأزمة المعيشية بلغت مستويات حرجة نتيجة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ أصبح المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات، سواء في الأسواق أو وسائل النقل أو التجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً خلال السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.

الحوثيون قطعوا رواتب عشرات الآلاف من الموظفين منذ تسعة أعوام (إعلام محلي)

وزادت حالة الاحتقان عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن «من يخلق المعدوم هو الله».

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدّها ناشطون دليلاً على عجز السلطات عن معالجة الأزمة الاقتصادية.

ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب، بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية، خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

نظام رواتب غير متكافئ

وفق مصادر وظيفية وحقوقية، قامت سلطات الحوثيين بإعادة تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات. وتشمل الفئة الأولى القيادات الحوثية والعاملين ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة، حيث يحصلون على رواتب كاملة ومزايا شهرية. أما الفئة الثانية فتتقاضى نصف راتب، بينما تحصل الفئة الثالثة على ربع راتب فقط، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.

في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس. فالكهرباء، على سبيل المثال، تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة أو عبر شبكات تجارية، بينما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر.

رقعة الجوع تسيطر على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تضم معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً. ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين تحصيل الإيرادات وغياب الخدمات أسهم في تعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وزيادة السخط الشعبي.

استنفار أمني

بالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية بارزة، بعد نشر عناصر أمنية في محيط منزل الشيخ حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد، إضافة إلى حوادث احتكاك مع شخصيات اجتماعية، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

جبايات الحوثيين أنهكت حتى الباعة المتجولين (إعلام محلي)

ويقول محمد، وهو طبيب في صنعاء، إن الإيرادات تُجبى من قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والجمارك والضرائب والزكاة والخدمات الصحية وحتى تحويلات المنظمات الإنسانية، بمليارات الريالات سنوياً، بينما يواجه المواطن الذي انقطع راتبه سلسلة طويلة من الرسوم المفروضة. ويضيف: «النتيجة أن الناس تكافح يومياً من أجل تأمين لقمة العيش، فيما تتسع طوابير المحتاجين في الشوارع».

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول اقتصادية حقيقية قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع حلول شهر رمضان الذي ترتفع فيه النفقات المعيشية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً.