84 سنة على ظهور الرواية السعودية

محور رئيس على جدول أعمال ملتقى النقد الأدبي الخامس في الرياض

أساتذة جامعيون ونقاد وكتاب في افتتاح الدورة الخامسة
أساتذة جامعيون ونقاد وكتاب في افتتاح الدورة الخامسة
TT

84 سنة على ظهور الرواية السعودية

أساتذة جامعيون ونقاد وكتاب في افتتاح الدورة الخامسة
أساتذة جامعيون ونقاد وكتاب في افتتاح الدورة الخامسة

فرضت الرواية السعودية نفسها على فعاليات ملتقى النقد الأدبي الخامس، الذي اختتم في الرياض الخميس الماضي، فكانت محوره الرئيس هذا العام الذي جاء بعنوان «الحركة النقدية السعودية حول الرواية».
فالموقع الذي تحتله الرواية السعودية، سواء في الإنتاج الإبداعي والفكري، أو من خلال ما تؤديه من وظيفة ثقافية وجمالية في المشهد الثقافي، جعلها تتصدر المشهد برمته، مهيمنة على أوراق الباحثين في الملتقى. وقد أشار وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبد العزيز خوجة، الذي افتتح الملتقى، إلى هذه الحقيقة بقوله: «إننا الآن نعيش ما أطلق عليه بعض النقاد زمن الرواية.. فالمبيعات التي تسجلها الرواية تفوق مبيعات دواوين الشعر.. وليس بغريب أن تزاحم الرواية الشعر، فالرواية ابنة المدينة وكل ما يعيش وينمو في المدينة المعولمة سيكون وقودا لحروف الرواية، يملؤها بالحروب وأشكال السلام، وبعراك المجتمعات فيما بينها، وصراع الطبقات الاجتماعية».
وأضاف: «نحن بوصفنا مهتمين بالأدب والثقافة نرى ونراقب حجم الهجرات الكبيرة والكثيرة من الريف إلى المدينة، فهل بوسعنا أن نقول إننا نراقب هجرة فنية من الشعر إلى الرواية؟ لا أظن أن بين هذين الفنين منافسة، ذلك أن الشعر تسجيل لحظة من الحياة، بينما الرواية مجموعة من المدن والمجتمعات بين دفتي كتاب».
تناول الملتقى الذي نظمه نادي الرياض الأدبي وشارك فيه عدد كبير من النقاد السعوديين ومعهم نقاد عرب يتواصلون مع حركة الرواية السعودية من خلال عملهم في الجامعات السعودية، عددا من المحاور، من بينها: منهجية الحركة النقدية السعودية حول الرواية، ودراسة تاريخ الرواية في النقد السعودي، والنقد المضاد للرواية، ومحددات المتن الروائي في الدراسات النقدية، والرواية في الدرس الجامعي، وعلاقة الإعلام بالنشاط الروائي، وكذلك نقد الرواية في الأندية الأدبية.
في ورقتها المعنونة بـ«دراسة تاريخ الرواية في النقد السعودي»، أجرت الدكتورة كوثر محمد القاضي مسحا للكتب النقدية، وبعض الرسائل الجامعية التي درست تاريخ الرواية السعودية للوصول إلى مراحل تطورها. ولاحظت كوثر القاضي أن الرواية في المملكة العربية السعودية ظهرت منذ عام 1930، وكان أول عمل برز على يد عبد القدوس الأنصاري.
وأشارت إلى أن الباحثين والنقاد أصدروا دراسات عن الروايات منذ سبعينات القرن العشرين، وأولهم الدكتور محمد عبد الرحمن الشامخ، الذي أصدر عام 1975 دراسة بعنوان «النثر الأدبي في المملكة العربية السعودية من 1900 إلى 1945»، ثم الدكتور بكري شيخ أمين في كتابه «الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية» (1972). والدكتور إبراهيم الفوزان في «الأدب الحجازي الحديث بين التجديد والتقليد» (1981)، والدكتور منصور الحازمي في «فن القصة في الأدب السعودي الحديث» (1981)، والباحث سحمي ماجد الهاجري في «القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية» (1987)، والدكتور السيد محمد ديب في «فن الرواية في المملكة العربية السعودية» (1989)، والدكتور محمد صالح الشنطي في «فن الرواية في الأدب السعودي المعاصر» (1990). ونشر الدكتور سلطان القحطاني كتابه «الرواية في المملكة العربية السعودية، نشأتها وتطورها 1930 - 1989.. دراسة تاريخية نقدية» عام 1998.
ولاحظت الدكتورة القاضي أن «الرواية السعودية مرت بمراحل مختلفة في تطورها، وهي مراحل يمكن أن توفر قدرا من الفهم لطبيعة التطور الفني المنجز في كل مرحلة».
وفي تأريخه لبداية الفن الروائي السعودي، أشار الباحث محمد بن عبد الرزاق القشعمي في ورقته «الفن الروائي وبداياته في المملكة، واختلاف المؤرخين في التسميات!» إلى أن «الرواية العربية في المملكة العربية السعودية بدأت بتأليف عبد القدوس الأنصاري رواية «التوأمان» التي طبعت بدمشق عام 1349هـ/ 1930م».
ولاحظ الباحث أن السعودية كانت واسطة العقد في بدايات الأدب الروائي العربي، إذ لم يسبق المملكة أي من الدول العربية سوى مصر وفلسطين والعراق؛ فقد كانت أول رواية طبعت بالمملكة في عام 1935 وهي «الانتقام الطبعي» لمحمد نور الجوهري. وقد سبقت مصر المملكة برواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، وفلسطين بتأليف رواية «الوارث» لخليل بيرس و«الحياة بعد الموت» لإسكندر خوري عام 1920، والعراق برواية «جلال خالد» لمحمود أحمد السيد التي صدرت عام 1928. أما تونس فقد عرفت الرواية عام 1935، وسوريا عام 1937، ولبنان عام 1939، واليمن عام 1939، والجزائر عام 1947، والسودان عام 1948، والمغرب عام 1957.
أما بشأن الروايات «المؤسسة» لتلك الفترة، فيتحدث عنها الدكتور منصور الحازمي، مبينا أن فترة التأسيس محصورة في ست روايات هي: «غادة أم القرى» لأحمد رضا حوحو، و«فكرة» لأحمد السباعي، و«التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري، و«البعث» لمحمد علي مغربي، و«الزوجة والصديق» لمحمد عمر توفيق، و«الانتقام الطبعي» لمحمد نور الجوهري.
وكانت الرواية غير معروفة بهذا الاسم إلا في وقت متأخر، إذْ كانت تسمى «قصة طويلة» كما جاء في مسابقة جريدة «الأضواء» عام 1377هـ رغم أن «الانتقام الطبعي» كتب على غلافها «رواية علمية أدبية أخلاقية اجتماعية».
وتحدث القشعمي عما سماه مرحلة التجديد، التي بدأت برواية «ثمن التضحية» لحامد دمنهوري سنة 1959، والمرحلة الثالثة تبدأ عام 1980 التي يعدها حسن النعمي فترة التحولات الكبرى في مسيرة الرواية السعودية.
دراسات في تاريخ الرواية
وعن تاريخ الرواية السعودية، تحدث أيضا الباحث قليل بن محمد الثبيتي، عضو نادي الطائف الأدبي، معددا أهم الدراسات التي تناولت تاريخ الرواية، ومبينا أن دراسة الدكتور منصور الحازمي التي صدرت عام 1981 أول دراسة تعنى بالسرد السعودي، ثم كتاب «فن الرواية في المملكة العربية السعودية بين النشأة والتطور» للدكتور السيد ديب عام 1989 الذي قسم مسيرة الرواية السعودية إلى ثلاث مراحل زمنية هي: المحاولات الأولى، وإثبات الذات، والتطور والتجديد. وبعدهما، أصدر الدكتور محمد الشنطي كتابه «فن الرواية في الأدب العربي السعودي المعاصر» وهو في بابين، الأول: «هاجس التحول» والثاني: «هامش التحول».
أما دراسة الدكتور سلطان القحطاني «الرواية في المملكة العربية السعودية نشأتها وتطورها 1930 - 1989» فانفردت بدراسة الرواية السعودية منذ نشأتها حتى آخر عمل صدر في الثمانينات.
وآخر الدراسات التي تناولت تاريخ الرواية السعودية هي دراسة الدكتور حسن النعمي «مراحل تطور الرواية»، ويقسم النعمي هذه إلى: مرحلة النشأة، ومرحلة التأسيس، ومرحلة الانطلاق، ومرحلة التحولات الكبرى.



رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية
TT

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

كيفَ، في قلب مشاغله العديدة، وجدَ الوقت للجلوس إلى آلته الكاتبة أو إملاء سكرتيرة مكتبه هذه المئات من الرسائل الشخصية والمهنية؟ أو ما كانت إدارة قرص التليفون خليقة أن تغني عن هذا الجهد؟

أسئلة لا بد أن تتبادر إلى ذهن القارئ وهو يتناول هذا المجلد الضخم الصادر في 2025 عن دار «فيبر وفيبر» للنشر بلندن في 1080 صفحة. إنه الجزء العاشر من رسائل ت. س. إليوت التي تصدر تباعاً، ومن المنتظر أن تصل إلى 20 جزءاً.

The Letters of T. S. Eliot، Volume 10 (1942- 1944)

وقد أشرف على إصدار الكتاب وزوده بهوامش ضافية جون هافندن John Haffenden أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة شفيلد البريطانية، وذلك بالاشتراك مع فاليري إليوت Valerie Eliot أرملة الشاعر الراحلة وزوجته الثانية.

تغطي رسائل هذا الجزء أعوام 1942 - 1944 ويخيم عليها شبح الحرب العالمية الثانية التي مست شتى مناحي الحياة في بريطانيا. فنحن نجد هنا ذكراً لغارات الطيران الألماني على لندن وكوفنتري وغيرهما من المدن، وتوزيع الطعام بالبطاقات، وإطفاء الأنوار، وصعوبات الاتصال مع العالم الخارجي، وتعطل الأنشطة الفنية من مسارح ودور سينما ومعارض ومهرجانات. كذلك شحت كمية الورق اللازم لطباعة الكتب والمجلات والصحف. وانعكس ذلك على دار النشر التى كان إليوت أحد مديريها فاضطرت إلى الإقلال من إصداراتها وتأجيل الكثير مما سبق التعاقد عليه. ومن هنا كانت العديد من هذه الرسائل تحمل اعتذار إليوت عن قبول عشرات المخطوطات التي كانت تفد على الدار ما بين دواوين شعر وروايات ومجموعات قصصية ومسرحيات ودراسات نقدية، مما لا بد أنه سبب إحباطاً شديداً للأدباء والنقاد الذين كانوا يطمحون إلى أن ترى أعمالهم النور وأن تحظى بمباركة أشهر شاعر أنجلو-أميركى في القرن العشرين.

رسائل إليوت موجهة إلى أفراد من أسرته مثل شقيقه الأكبر هنري الذي كان باحثاً متخصصاً في دراسة آثار أشور وإيران والشرق الأدنى، وإميلي هيل محبوبة إليوت في شبابه قبل أن يهاجر من الولايات المتحدة الأميركية إلى بريطانيا، وجون هيوارد الذي شارك إليوت السكن في لندن زمناً، ومترجمي أعماله إلى لغات أجنبية، والشعراء سان جون بيرس وو. ه. أودن وستفن سبندر، والروائيين إ. م. فورستر وجورج أورويل ولورنس دريل، والكتاب المسرحيين شون أوكيزي ورونالد دنكان، والمخرج السينمائي جورج هولرنغ الذي حول مسرحية إليوت «جريمة قتل في الكاتدرائية» إلى فيلم سينمائي نال رضا إليوت، والنقاد ا. ا. رتشاردز وف. ر. ليفيس وآلن تيت وكثيرين غيرهم.

تحفل هذه الرسائل بتعليقات إليوت على الأعمال الأدبية المقدمة للدار وتكشف عن بصيرته النقدية النافذة وفطنته إلى مواضع القوة ونقاط الضعف في أدب عصرنا. وقبل ذلك تكشف عن التزامه الأخلاقي وضميره المهني اليقظ فهو يقرأ كل كلمة من النص المقدم إليه قبل أن يصدر عليه حكماً، ولا يعرف المجاملة وإنما يقبل ما يستحق النشر ويرفض ما لا يستحق، ويطلب من الكاتب أن يلتزم بأعلى معايير الدقة وألا يبخل بجهد في سبيل إزالة الشوائب ودعم النواحي الإيجابية في نصه.

ومن الأحداث التي تسجلها الرسائل عمل إليوت في الدفاع المدني أثناء الحرائق الناجمة عن غارات الطيران الألماني على لندن، وخمسة أسابيع قضاها في السويد، ورحلة قام بها إلى ويلز في 1944، ومشروعات رحلات (لم تتم) إلى آيسلندا وشمال أفريقيا، واعتذاره عن قبول عرض بالعمل مستشاراً للشعر في مكتبة الكونجرس بواشنطن دي سي، ومحاضرات ألقاها وندوات شارك فيها، وأحاديث إذاعية سجلها، ومسرحيات شاهدها مثل مسرحية «جوستاف» للكاتب السويدي سترندبرغ، وأوبرا «كريستان وأيزولده» لفاجنر، وأعمال المثال هنري مور، وأعمال موسيقية كان يحبها مثل رباعيات بتهوفن الوترية.

وتنتثر في تضاعيف الرسائل آراء نقدية مهمة لإليوت كقوله مردداً كلمات الشاعر الرمزي الفرنسي مالارميه: «إن الشعر يصنع من كلمات لا من أفكار»، مضيفاً: «إن القصيدة في المحل الأول شكل ونفخ للحياة في الكلمات». والشعر «يتطلب اختياراً حريصاً واستخدام حد أدنى من الاستعارات والصور ومنح كل منها الحد الأقصى من التأثير»، فـ«الإسراف في الزخرفة عدو الشكل».

ويرى أن على الشاعر أن يكتب «أقل» قدر ممكن من الشعر، فالمهم هو الكيف لا الكم. ولدى أغلب الشعراء نجد خَبثَاً (بفتح الخاء والباء) كثيراَ وعروقاً نضاراً قليلة. والنظم «يجب أن يكون على الأقل صنعة قبل أن يكون فناً». وتلقي الرسائل أضواء على ما كان إليوت يحب ويكره. فهو يفضل مثلاً الشاعر البرتغالي لويس دي كاموش (من القرن السادس عشر) على الشاعر الإنجليزي ميلتون. ويسخر إليوت من الصورة التي رسمها ميلتون للجحيم في قصيدته «الفردوس المفقود».

وفي إطار تفضيله لشعر الماضي على شعر الحاضر يقول: «أشك في أنني أجد متعة كبيرة في أي شعر معاصر ـ سواء لمعاصريي أو لمن يصغرونني سناً». بل يذهب إلى حد القول (لا يجب أن نحمله على محمل الجد بطبيعة الحال): «إني أكره الشعر» راسماً كلمة «أكره» (HATE) بحروف التاج الكبيرة إمعاناً في التوكيد!

ومن الطريف أن نجده يخطئ أحياناً في هجاء بعض الكلمات أو رسم أسماء الأعلام أو قواعد النحو (صوّب له المحرر جون هافندن هذه الأخطاء). ولكن من الواضح أن ذلك كان من قبيل السهو لا الجهل. فما كان لمثل إليوت، وهو إلى جانب جويس من أعظم من استخدموا اللغة الإنجليزية في عصرنا، أن يجهل الصواب. وينطبق عليه في هذا الصدد قول أبي فراس الحمداني عن نفسه:

وأغفو ولا أعطي الهوى فضل مقودي

وأهفو ولا يخفى عليّ صواب

والكتاب محلى بصور فوتوغرافية لإليوت بين سن الثالثة والخمسين والسادسة الخمسين (فترة كتابة الرسائل)، وأغلفة الطبعات الأولى من كتبه، وصور من راسلهم، وصورة له وهو يسجل حديثاً من استوديو محطة الإذاعة البريطانية في لندن مع الروائي جورج أورويل والناقد وليم إمبسون والقاص الهندي مولك راج أناند وآخرين، وصورة له في أبريل (نيسان) 1943 وهو يقرأ قسماً من قصيدة «الأرض الخراب» في حضور الملكة الأم (زوجة الملك جورج السادس ووالدة الملكة إليزابيث الثانية)، والأميرات إليزابيث (الملكة فيما بعد) وشقيقتها مرجريت، وصورة له منهمكاً فى العمل مع زملائه من مديري دار «فيبر وفيبر» للنشر قبل أن تصيب الدار قنبلة من طائرة ألمانية، وبهذا الاجتماع للكلمة والصورة تتكون لدى القارئ فكرة جلية عن حياة شاعر «الأرض الخراب» وأفكاره وعلاقاته الإنسانية في لحظة زمنية فارقة من عمره ومن تاريخ القرن العشرين.


كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي
TT

كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي

يشكّل الأدب أحد أكثر الحقول الثقافية قدرة على مساءلة الواقع وصياغة الوعي، فهو ليس فعلاً جمالياً معزولاً، بل ممارسة إنسانية ذات أثر معرفي وأخلاقي. فالكاتب، في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُختبر بقدرته على السرد فقط، بل بمدى نزاهته في تمثيل الحقيقة، ومسؤوليته في التعامل مع القيم التي يضخّها في الوعي الجمعي. ومن هنا تبرز النزاهة لا بوصفها قيمة أخلاقية خارج النص، بل بوصفها عنصراً بنيوياً في الكتابة نفسها، يربط بين صدق الرؤية، وعمق التجربة، واحترام القارئ.

الأدب، في جوهره، تعبير لغوي جمالي يعكس التجربة الإنسانية ويقدّم رؤية للعالم، لكنه في الوقت ذاته يحمل وظيفة ثقافية تتجاوز المتعة إلى بناء الوعي، وحفظ الذاكرة، ونقد الاختلالات الاجتماعية والسياسية. وحين ينجح الأدب في أداء هذه الوظائف دون تزييف أو ادعاء أو خطابية مباشرة، فإنه يسهم تلقائياً في ترسيخ ثقافة النزاهة، لأن النزاهة هنا ليست شعاراً أخلاقياً، بل ممارسة معرفية تحترم العقل والواقع والإنسان.

وتتجلى النزاهة في الكتابة والبحث من خلال جملة من القيم المتداخلة، في مقدمتها الصدق في الرؤية والتعبير، أي قدرة الكاتب على مواجهة الواقع كما هو، دون تجميل مضلل أو شيطنة مجانية. وقد جسّد تشارلز ديكنز هذا المعنى حين قدّم صورة قاسية للفقر والظلم في المجتمع الإنجليزي، كما فعل نجيب محفوظ وفواز حدّاد في فضح اختلالات السلطة والمجتمع العربي دون الوقوع في فخ الدعاية أو التبسيط الآيديولوجي. ويُضاف إلى ذلك مبدأ الشفافية، الذي يفرض على الكاتب والباحث احترام الحقيقة والمصدر، وعدم توظيف المعرفة بوصفها أداة إغواء أو تلاعب، وهو ما نجده واضحاً في أعمال كبار الروائيين، حيث تقوم الرواية على معرفة دقيقة تحترم ذكاء القارئ بدل استدراجه.

غير أن النزاهة لا تكتمل دون شعور عميق بالمسؤولية، فالكلمة ليست بريئة من آثارها، والكاتب مسؤول عن الأثر الاجتماعي والمعرفي لنصّه. ولعل تجربة غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) تمثل مثالاً واضحاً لتحوّل الكتابة إلى ممارسة أخلاقية تسائل البيروقراطية، وتدعو إلى تحديث القيم المهنية بلغة أدبية قريبة من القارئ. كما أن النزاهة تفترض أمانة معرفية ترفض الانتحال والتلفيق، وتقوم على نقد الذات قبل نقد الآخر، وهو ما ميّز مشاريع فكرية كبرى عند طه حسين ومحمد عابد الجابري، حيث تحوّل النقد إلى فعل تحرير للثقافة لا إلى محاكمة لها.

ولا يمكن الحديث عن نزاهة الكاتب بمعزل عن نزاهة الثقافة نفسها، إذ إن الثقافة ليست مجرد إنتاج نصوص، بل منظومة مؤسسية وقيمية تحدد ما يُكتب، وكيف يُستقبل، وما يُكافأ أو يُقصى. فنزاهة الثقافة تقاس بمدى استقلال مؤسساتها، وشفافية أنشطتها، وعدالة مسابقاتها، ووضوح معايير التحكيم فيها. وعندما تتحول الجوائز والفعاليات الثقافية إلى دوائر مغلقة أو أدوات مجاملة أو نفوذ، فإنها تُفرغ الإبداع من معناه، وتدفع الكاتب والباحث إلى التكيّف بدل الابتكار، وإلى التماهي بدل النقد.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل ثقافة النزاهة داخل المؤسسات الثقافية، لا عبر الشعارات، بل من خلال ممارسات واضحة تحترم الجهد البحثي والإبداعي، وتضمن تكافؤ الفرص، وتمنع تضارب المصالح، وتفصل بين الإدارة والتحكيم. فالثقافة النزيهة هي التي تسمح بالاختلاف، وتحمي حق السؤال، وتدرك أن النقد ليس تهديداً بل ضرورة حيوية لتجددها.

ويظل التحدي الأكبر أمام الكاتب والباحث هو تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية، فالإبداع لا ينمو في بيئة فوضوية، لكنه أيضاً لا يبرر التحريض أو الكراهية أو التسطيح. وقد نجح الأدب في تحقيق هذا التوازن عبر الانحياز إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا، كما فعل غازي القصيبي بالفكاهة والرمز، وفواز حدّاد عبر السرد الكاشف، وأورويل وهوغو وآتوود عبر مقاومة الهيمنة دون الوقوع في خطاب مباشر أو تبسيطي، في زمن تتزايد فيه ضغوط السوق، وإغراء الشهرة، وتسييس الجوائز وتحوّلها من وسيلة تشجيع إلى تنفيع، ولعل أبسط علامات النزاهة في الجوائز التزامها بالمعايير المعلنة والمواعيد المحددة لكونها عقداً أخلاقياً بين المؤسسة والمبدعين، لتصبح النزاهة فعل مقاومة ثقافية بامتياز. فالكاتب النزيه هو من يحافظ على صوته الخاص، ويرفض أن يتحول إلى مروّج، أو أن يختزل الأدب في سلعة أو موقف عابر. ومن هنا فإن تعزيز النزاهة ليس مسؤولية فردية فحسب، بل مشروع ثقافي متكامل يبدأ من الكاتب والباحث، ويمتد إلى المؤسسة، ويكتمل في وعي المجتمع.

إن الأدب، حين يُكتب بنزاهة ويُحتضن في بيئة ثقافية شفافة، يتحول من فعل جمالي إلى قوة أخلاقية ناعمة، قادرة على بناء وعي نقدي، وترسيخ قيم العدالة، وصيانة كرامة الإنسان، وذلك هو الدور الأعمق الذي كُتب للأدب أن يؤديه عبر التاريخ.

*إعلامي وناقد كويتي


تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية
TT

تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية

عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة صدرت أخيراً رواية «سر الهوى» للروائي المصري صبحي موسى. تدور الرواية حول سيرة رجل عجوز مسن يدعى الشهايبي، لا أحد يعرف الزمن الذي ولد فيه، ويكاد يكون متأبياً على الموت، فكلما تعرض لحادث أيقن الناس أنه لن ينجو منه وسيموت فيه، لكنه يفاجئهم بنهوضه، وكأنه استمد روحاً جديدة من أرواحه العديدة.

تنطلق الرواية من إحدى المرات التي يواجه فيها الشهايبي الموت، واعتقاد الجميع أنه مات، لكنه سرعان ما استفاق، كي يحكي لهم عن الأهوال التي عاشها طيلة الليل، بينما هم نائمون في أحضان زوجاتهم.

تعتمد الرواية على تقنية تفتيت الزمن وتشظيه، بين الماضي الذي يرويه الشهايبي بصيغ عديدة ومتباينة، والحاضر الذي يرويه ابنه عمر، الذي يعمل صحافياً في المدينة، ويعود إلى القرية بمجرد معرفته بمرض أبيه، ليتم نسج أحداث الرواية وصراعات الشهايبي مع أبنائه، الراغبين في الحجر عليه وتوزيع تركته عليهم. وبينما هو يفكر في طريقة لحرمانهم من أملاكه، فإنهم يفكرون في طريقة للخلاص منه، ويستقرون على تزويجه من سيدة صغيرة السن، تزوجت ثلاث مرات من قبل، ومات أزواجها الثلاثة بعد أشهر من زواجها بهم، فيفكرون في تزويجه منها للخلاص منه، لكن ابنه عمر يكتشف تلك الحيلة، ويستدعي الزوجة المنتظرة زبيدة كي تذيب الجليد الذي تراكم على قلبه وأعضائه، لكن الأب ينهض فجأة من موته، ويختفي من غرفته، بينما يبحث أبناؤه عنه في كل مكان فلا يجدوه.

وبرغم أن الشهايبي عرف عدداً كبيراً من النساء، فإنه رفض أن يتزوج بأي منهن طيلة حياة زوجته فاطمة، بعد أن قطع لها على نفسه عهداً بألا يتزوج عليها، حين طالبه والده بأن يبني لها بيتاً واسعاً قبل أن يتزوج بها، لكن فاطمة قررت أن تذهب مع الشهايبي إلى غرفته على أرض طرح النهر، في ذلك الخلاء الواسع المظلم الذي أطلق عليه الناس اسم «المجهول» لكثرة ما يجتاحه من كائنات غريبة، بدءاً من اللصوص وقطاع طرق أو الجن والعفاريت.

كان من بين النساء اللائي عرفهن الشهايبي «نجمة» الجميلة التي كانت تعاني من صداع نصفي لا يهدأ إلا بممارسة الحب العنيف، و«الكاوية» التي عالجت ابنه حمدان باستخدام كي رأسه بالمسامير الحمراء، و«المليحة» صاحبة البيت الذي تتردد عليه نجمة، و«زبيدة» التي طلبت من الشهايبي أن يتزوجها بعد وفاة زوجها، لكنه رفض، مصراً على أن يفي بوعده لفاطمة وألا يتزوج عليها.

بموت فاطمة حاول أن يفي بوعده لزبيدة، فطلب من بناته أن يذهبن لخطبتها له، لكنهن أبلغن أبناءه الذكور، واتفقوا جميعاً على منعه من الزواج، بل تهديد زبيدة في بيتها بالموت حال قبولها بالزواج من أبيهم. فقرر الشهايبي أن يتحدى أبناءه ويتزوجها، لكنها رفضت قائلة إنها لا تريد أن تخسر معاش زوجها.