أوباما اعتبر ترامب «غير مؤهل» للرئاسة وندد بالقادة الجمهوريين الداعمين له

كلينتون تحرز تقدماً على منافسها الجمهوري عقب تصريحاته المسيئة لعائلة جندي مسلم

جانب من المؤتمر الصحافي المشترك بين باراك أوباما ورئيس حكومة سنغافورة لي هسين لونغ في البيت الأبيض بواشنطن أمس (أ.ف.ب)
جانب من المؤتمر الصحافي المشترك بين باراك أوباما ورئيس حكومة سنغافورة لي هسين لونغ في البيت الأبيض بواشنطن أمس (أ.ف.ب)
TT

أوباما اعتبر ترامب «غير مؤهل» للرئاسة وندد بالقادة الجمهوريين الداعمين له

جانب من المؤتمر الصحافي المشترك بين باراك أوباما ورئيس حكومة سنغافورة لي هسين لونغ في البيت الأبيض بواشنطن أمس (أ.ف.ب)
جانب من المؤتمر الصحافي المشترك بين باراك أوباما ورئيس حكومة سنغافورة لي هسين لونغ في البيت الأبيض بواشنطن أمس (أ.ف.ب)

وجه الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس انتقادات حادة إلى المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب، ووصفه بأنه «غير مؤهل ليصبح رئيسا».
وأضاف أوباما خلال مؤتمر صحافي عقده في واشنطن، مندّدا بقادة الحزب الجمهوري الذين يواصلون دعم ترامب، أن الأخير «غير جاهز مطلقا» لكي يكون رئيسا، مضيفا: «قلت ذلك الأسبوع الماضي وهو يواصل إثبات ذلك».
وذكر أوباما بالانتقادات العنيفة التي وجهها ترامب إلى والدي ضابط أميركي مسلم قتل في العراق عام 2004 كانا شاركا في مؤتمر الحزب الديمقراطي الأسبوع الماضي، الذي اختار هيلاري كلينتون مرشحة الحزب في السباق إلى البيت الأبيض.
وأضاف أوباما خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس حكومة سنغافورة لي هسين لونغ أن مجرد قيام دونالد ترامب بانتقاد عائلة «قدمت تضحيات عظيمة إلى هذا البلد، وواقع عدم إلمامه على ما يبدو بما هو بديهي حول أمور أساسية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، يعني أنه غير جاهز مطلقا لهذا المنصب».
كما ندّد أوباما أيضا بقادة «الحزب القديم الكبير» الذين يواصلون دعم ترامب، في إشارة إلى الحزب الجمهوري، مضيفا: «نصل إلى مرحلة لا بد معها من أن نقول كفى».
وتابع أوباما: «من المهم ملاحظة الانتقادات المتكررة من قبل قادة جمهوريين، وبينهم رئيس مجلس النواب ورئيس الغالبية في مجلس الشيوخ وجمهوريين آخرين على مستوى عال مثل جون ماكين»، المرشح السابق للانتخابات الرئاسية عام 2008، وقال الرئيس الأميركي أيضا: «لا بد من أن تصل إلى نقطة تدفعك إلى القول: إنه ليس شخصا بإمكاني أن أدعمه ليصبح رئيسا للولايات المتحدة».
من جهة أخرى, حظيت المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية، هيلاري كلينتون، بدفع قوي بعد المؤتمر الوطني الذي نظمه الحزب الأسبوع الماضي لترشيحها رسميًا، فحققت تقدمًا على منافسها الجمهوري دونالد ترامب بلغ 9 نقاط، بحسب استطلاع جديد للرأي صدرت نتائجه مساء أول من أمس.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي إن إن» ومعهد «أو آر سي» للتحقيقات، أن هيلاري كلينتون تحظى بـ52 في المائة من نيات التصويت، مقابل 43 في المائة لدونالد ترامب، محقّقة تقدّمًا قدره 7 نقاط عن مستوى التأييد لها قبل المؤتمر الوطني الجمهوري. وكان الاستطلاع ذاته يشير بعد المؤتمر الوطني الجمهوري إلى تقدّم ترامب على كلينتون بنسبة 48 في المائة، مقابل 45 في المائة.
وتمكنت كلينتون التي تعتبر من المرشحين الأقل شعبية الذين عيّنهم الحزب الديمقراطي لخوض السباق إلى البيت الأبيض، من اجتذاب ناخبين خلال مؤتمر حزبها، ويبدي 36 في المائة من الناخبين المسجلين على القوائم الانتخابية رأيًا إيجابيًا حيالها، مقابل 31 في المائة سابقًا. غير أن 50 في المائة ما زالوا ينظرون إليها بسلبية.
أما دونالد ترامب، فهو أقل شعبية بقليل، إذ يبدي 31 في المائة فقط رأيًا إيجابيًا حياله، مقابل 52 في المائة من الآراء السلبية. وكان استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي بي إس نيوز» وصدرت نتائجه في وقت سابق الاثنين، أشار إلى تقدم كلينتون بهامش مريح أيضًا على ترامب، قدره 7 نقاط.
وبحسب هذا الاستطلاع الأول، تحصل كلينتون على 46 في المائة من نيات الأصوات مقابل 39 في المائة لترامب. كما كشف الاستطلاع أن 60 في المائة من الناخبين يعتقدون بأن ترامب غير مهيأ لمهام الرئاسة، مقابل 60 في المائة يرون أن كلينتون مهيأة لها.
وكان المرشحان متقاربين جدًا بعد المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي سبق المؤتمر الديمقراطي بقليل، بعدما استفاد المرشح الجمهوري أيضًا من الدفع الذي تعطيه المؤتمرات بتسليطها الأضواء على المرشح، وتأمينها تغطية إعلامية واسعة.
غير أن تقدم ترامب لم يتخط نقطتين بعد مؤتمر حزبه الذي شهد فضيحة، ولو محدودة، نجمت عن خطاب زوجته الذي نسخ مقاطع من خطاب سابق ألقته السيدة الأولى ميشيل أوباما عام 2008، كما تلقّى خلاله المرشح صفعة من أحد خصومه السابقين تيد كروز، الذي رفض تأييد ترشيحه في كلمة ألقاها في المؤتمر وتابعها ملايين المشاهدين على التلفزيون.
وما لا يساهم في دعم شعبية ترامب، خوضه سجالاً جديدًا محتدمًا منذ بضعة أيام، هاجم فيه عائلة أميركية مسلمة قتل ابنها الجندي في الجيش الأميركي في ميدان المعركة في العراق عام 2004. وكان خضر خان والد الكابتن خان ألقى كلمة مؤثرة في المؤتمر الديمقراطي، انتقد فيها خطة دونالد ترامب لمنع المسلمين من الدخول إلى الأراضي الأميركية. وأثار هذا السجال حملة انتقادات واسعة ضد ترامب، بدءًا من الرئيس باراك أوباما وصولاً إلى معسكره الجمهوري، ومرورًا بجمعيات من قدامى المقاتلين.
وانضم، ظهر الاثنين، إلى الحملة المعارضة لتصريحات المرشح الجمهوري عن ضابط الجيش الأميركي المسلم من أصل باكستاني، السيناتور جون ماكين، مرشح الحزب الجمهوري السابق لرئاسة الجمهورية، ورئيس لجنة الشؤون العسكرية في مجلس الشيوخ. كما انضم جنرالات عسكريون متقاعدون، وعدد كبير من العسكريين القدامى وعائلات جنود قتلوا في حربي أفغانستان والعراق. وقال ماكين في بيان قوي وقصير: «أساء دونالد ترامب، خلال الأيام القليلة الماضية، إلى عائلة جندي ضحى بحياته في سبيل الولايات المتحدة. وقال ترامب إن أمثال هذا الجندي يجب ألا يدخلوا إلى الولايات المتحدة. ناهيك بأن يلتحقوا بالقوات المسلحة. لا أقدر على أن أصور مدى اختلافي مع ترامب في هذا الموضوع. أتمنى أن يفهم الأميركيون أن تصريحات ترامب هذه لا تمثل الحزب الجمهوري، ولا رئاسته، ولا مرشحيه (لمناصب أخرى)».
من جهته، عاد ترامب إلى الموضوع، في مهرجان جماهيري في هاريسونبيرغ (ولاية بنسلفانيا)، وانتقد مرة أخرى خضر خان، وقال: «يجب أن نركز على الإرهاب المتطرف»، كأنه يسعى إلى التقليل من هجومه على خان. وأضاف متظلمًا: «ها هو خان يهاجمني في كل تلفزيون، وفى كل صحيفة، بعد أن هاجمني من منصّة مؤتمر الحزب الديمقراطي».
في المقابل، ومع محاولات ترامب التقليل من هجومه على خان، ظهرت جماعات تؤيده تهاجم خان، ووجهت له اتهامات، منها أنه يؤيد «الإرهابيين في كشمير»، وأنه «كان متطرفًا قبل أن يهاجر مع عائلته إلى أميركا عام 1980»، وأنه «ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين».
من جانبه، انتقد الرئيس الأميركي باراك أوباما بشدة الاثنين، الذين «يتحدثون بشكل مهين» عن الجيش ولا يحترمون عائلات الجنود القتلى، في هجوم مبطن على المرشح الجمهوري لخلافته في البيت الأبيض.
وقال أوباما في مؤتمر للمحاربين القدامى ذوي الاحتياجات الخاصة في أتلانتا بولاية جورجيا: «بوصفي قائدًا للجيش، فقد سئمت من بعض الأشخاص الذين يتحدثون بشكل مهين عن الجيش الأميركي والجنود الأميركيين».
وكان ترامب قد وصف الجيش الأميركي بأنه «كارثة»، ورد بدوره قائلاً إنه تعرض «لهجوم شرس». وسارع الديمقراطيون إلى استغلال تصريحات ترامب دليلاً على أنه لا يصلح ليكون قائدًا أعلى للجيش. وقال أوباما بهذا الصدد: «لا يوجد أحد قدّم أكثر من أجل حريتنا وأمننا، مثل عائلات النجوم الذهبية»، في إشارة إلى العائلات التي فقدت أبناءها في الحرب. وأضاف: «لقد قدمت عائلات النجوم الذهبية تضحيات لا يمكننا حتى أن نتخيلها». وتابع: «يجب أن نبذل كل ما بوسعنا من أجل هذه العائلات، ومن أجل تكريمها، وأن نتواضع أمامها».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...