منهجية الحرس الثوري الإيراني تفخخ المسارات السياسية في اليمن

محاولة التسلل عبر الحدود السعودية تتزامن مع استهداف المزارات الدينية

المزار الذي دمره الحوثيون وقوات صالح في محافظة تعز (رويترز)
المزار الذي دمره الحوثيون وقوات صالح في محافظة تعز (رويترز)
TT

منهجية الحرس الثوري الإيراني تفخخ المسارات السياسية في اليمن

المزار الذي دمره الحوثيون وقوات صالح في محافظة تعز (رويترز)
المزار الذي دمره الحوثيون وقوات صالح في محافظة تعز (رويترز)

مع كل جولة مفاوضات سياسية بين وفدي الشرعية اليمنية والانقلابيين، تزداد خروقات الأخير بالسير عكس الرغبة الشعبية اليمنية الداعمة للقرارات الدولية في تخليص الدولة اليمنية من حالة الفتور في المسار السلمي، بخروقات واعتداءات على الجغرافيا الداخلية والخارجية.
وتزداد تلك الاتجاهات الاستفزازية على الحدود السعودية، التي تتصدى قواتها لتلك المحاولات، وسقط في مواجهات أول من أمس 7 ضحايا في قطاع منطقة نجران، وما قبلها بإطلاق صواريخ باليستية تصدت لها الدفاعات الجوية الملكية السعودية، في محاولة حوثية معتادة على جر الخلافات لتنعكس على واقع المفاوضات السياسية الجارية في الكويت، وأن التصعيد الحدودي مع السعودية هو جزء من خطة المتمردين لجرّ التحالف العربي والقوات الحكومية إلى التصعيد العسكري لوضع بيان عنوانه «فشل الكويت».
وقال بيان قوات التحالف العربي، أول من أمس، إن طائرات التحالف أغارت على تجمعات للحوثيين قرب الشريط الحدودي، وخلفت العمليات القتالية التي شهدها الشريط الحدودي السعودي عشرات من القتلى من المعتدين وتدمير المركبات العسكرية التابعة لهم، فيما تواصل القوات الجوية السعودية وطيران القوات البرية مطاردة فلول المتسللين وتطهير المنطقة الحدودية من أي أثر.
وفي الداخل اليمني، وخلال أيام ممتدة، يمارس الانقلابيون انتهاكات للمعالم والمزارات الدينية العتيقة في تعز والحديدة والمكلا، باستهدافها وهدمها وتفجيرها، في تطور جديد يمارسه الحوثي وصالح، يجعلهما في قفص الاتهام وتنفيذ أوامر من خارج اليمن، لإطالة أمد الأزمة اليمنية، عبر اختلاق فتنة طائفية بين السنة والشيعة من جانب والسنة على طرف واحد.
ويعمل الحوثيون في اليمن وفق أجندة موضوعة بدقة لا يمكن لجماعة فوضوية مثلهم أن تتمكن من صياغتها إلا بمساعدة قوة إقليمية لها مطامع على المدى البعيد وتريد التموقع في قلب العالم العربي، وكلما فشلت مبادرة إقليمية متعلقة بالأزمة اليمنية إلا وينعكس ذلك ميدانيا بالعودة إلى الاشتباكات المسلحة التي مصدرها الحوثي وصالح.

قفص الاتهام
إرهاصات الأحداث وتواليها، يعيدان الذاكرة إلى قبل عشرة أعوام في سامراء العراقية، التي شهدت أحداثا دموية على خلفية تفجير ضريحي الإمامين: علي الهادي والحسن العسكري، حاملة تلك الحادثة في 2006 ضروبا شتى من الصراعات السياسية والطائفية والتصدعات الاجتماعية التي مزقت جسد العراق وانعكست سلبا على مستوى الاستقرار المحلي ووحدة النسيج العام، وكان من تأثيرها إحراق أكثر من مائتي مسجد للسنة وارتدادات أخرى على الشيعة، مما طرح التساؤلات حول المستفيد والمنفذ.
بعد سبعة أعوام من تلك الحادثة، وتحديدا في عام 2013. في مؤتمر المقاومة الإيرانية في باريس، فجّر الجنرال الأميركي، جون كيسي (تولى مهمة قيادة القوات الأميركية في العراق 2004 - 2007) اعترافا حول المتهم بذلك الاعتداء الذي شكّل شرارة في النسيج العراقي لا يزال حتى اليوم، حيث اتهم كيسي، إيران والحرس الثوري الإيراني في تفجير ضريحي العسكريين في 2006. بعلم ومعرفة مسبقتين من حكومة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، مما عزا بمحللين إلى أن ذلك هو تغذية للصراع السني الشيعي، ومد يد طهران أكثر في العمل السياسي والعسكري في العراق.

في اتجاه واحد
استراتيجية إيران التي تنفذها في اليمن أيادي الحوثيين؛ سعت منذ أكثر من عام على وضع يدها على مفاصل القوة في الداخل اليمني، لكنها خسرت مع أذرع التنفيذ الخاصة بها في اليمن، مما أفقدها عناصر القوة لديها، وجعلها على خريطة الخسائر الملحوظة. تأثيرات «عاصفة الحزم»، التي هبّت لكسر شوكة الحوثي وصالح، وما حققته من انتصارات سياسية وأمنية للإقليم، كان لها ارتدادات على طهران التي كانت تسعى إلى وضع يد لها في اليمن، وتطويق السعودية ودول الخليج، بأذرعها المسلحة.
وقال المحلل السياسي، عبد الرحمن الطريري، إن الهدف الأسمى لإيران في اليمن أن يبقى الحوثيون حزبا مسلحا على شاكلة «حزب الله»، معتبرا أن الخسارة الحقيقية لإيران أن يخسر الحوثيون حظوة السلاح، كون إيران تدرك أن ما يسمى «حزب الله» أخذ حجما سياسيا أكبر من حجم تمثيله بسبب حظوة السلاح، وهو ما يمثله الحوثيون من أقلية لن تكون المتحكم باليمن دون السلاح.
وقال الطريري في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن تفجير قبة الشيخ عبد الهادي السودي في مدينة تعز القديمة بعد نبش قبره، والذي يعقب تفجير مسجد الصراري بأيام، يؤكد أن إيران قررت الذهاب إلى تعزيز الطائفية في اليمن، كأحد عناصر خطة إدارة المعركة مستقبلا في اليمن، وهو نهج اتبعته إيران عبر تفجير مراقد الإمامين العسكريين في سامراء، ثم عادت لتفجر السيدة زينب في سوريا لتحفز الشيعة للقتال في سوريا تحت شعار «حماية المقدسات».
بدوره رأى الكاتب اليمني الدكتور عبد الرزاق الشوكاني، أن القرار ليس بيد الحوثي في مفاوضات الكويت، ولا بيد قياداته، مؤكدا أن الحوثي أرسل ممثليه بحدود أدنى من التفاهمات، لتقليل خسائره ومحاولة الدخول إلى مكاسب سياسية لتعويض خسائره على الأرض التي قوضها التحالف العربي بقيادة السعودية.
مضيفا الشوكاني، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أن التأثير الإيراني واضح في تصريحات الناطق باسم الحوثيين الذي كان يمتدح السعودية منذ أسابيع، وهو الآن يهاجمها وهو ما يعتبره حدا لإحراز أي تقدم سلمي في المفاوضات، مشيرا إلى أن السياسة الإيرانية واضحة في ممارسات الوفد السياسي في الكويت، وكذلك الجناح العسكري بمحاولة تشكيل جبهة مضطربة اجتماعيا وطائفيا في اليمن.

شهية القتل لا السلام
التحالف العربي بقيادة السعودية أفقد الحوثي شوكته العسكرية ودمر كثيرا مما كانوا يعدون العدة له، ومواجهة المشروع الفارسي الحالم بتطويق المنطقة، فيما يبقي التحالف على يد ممدودة لتحقيق السلام وتطبيق القرارات الدولية، لكن إطالة أمد الحرب باختراقات حدودية تراه الأوساط الرسمية أنه محاولة تحقيق مكاسب استراتيجية للحليفين الحوثي وصالح، مع كل جولة دبلوماسية تقودها الأمم المتحدة لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي.
فيما لا يزال التصعيد الحوثي، مؤشرا على تنفيذ أجندات دموية لم يعد يحتملها الوضع الإنساني في اليمن، وهو ما يجعل الباب مسدودا في التوجه نحو معالجات سياسية في ظل تطورات بعد «الإعلان السياسي» والاتفاق بين الحوثي وصالح، علاوة على تواتر أنباء خلافات داخلية في الحركة الانقلابية الحوثية.
واعتبر الدكتور الشوكاني أن إيران توعز لحليفها الحوثي، بوضع العراقيل نحو أي تقدم في الجانب السياسي، على سيناريو يرى أن المغامرات العسكرية التي ينتهجها الحوثي ستعمل على وضع يفضي إلى دفع التحالف العربي والسعودية باتجاه الضغط على الحكومة اليمنية للتوقيع على اتفاق سياسي مستمد من الرؤية الحوثية، مشيرا إلى أن الحوثي لم يعد بيده أي محاولة للمغامرة في المجالات السياسية أو العسكرية، مستشهدا بمحاولات الانقلابيين وعلي عبد الله صالح، وضع دول تحظى بالقبول لدى عدد من دول التحالف في موقف المفاوض الموثوق بغية وضع حد لخسائرهم، وإعادة ترتيب صفوفهم ورفع الأوراق الأخرى التي يخبئونها.
هذا الأمر يتفق فيه المحلل السياسي عبد الرحمن الطريري، أن الانقلابيين ينهجون شراء الوقت، ولا يعبأون بالجانب الإنساني، معتبرين أن الضحايا جزء من ثمن الانتصار، معتبرا بأن المشاورات الكويتية «نحرت قبل أن تموت بزمن، منذ أن رفضت ميليشيات الحوثي وصالح الانصياع لقرار مجلس الأمن 2216، وكانت تسعى من خلال المفاوضات لتقديم الحل السياسي على الحل الأمني».
محملا إيران المسؤولية الكبرى، إذ أنها تقسم المعركة باعتبار أن سوريا أرض استنزاف لتركيا المنشغلة بالانقلاب الفاشل، واليمن أرض استنزاف للسعودية؛ لذا تعتقد أن شراء الوقت من مباحثات لأخرى، هو فرصة لاستنزاف التحالف والسعودية تحديدا، مما قد يحسن شروط المفاوض الحوثي وصالح، عبر الهدف الرئيسي وهو تجاوز بند تسليم السلاح الذي ينص عليه القرار الأممي.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».