لماذا تخلت الولايات المتحدة عن الشراكة عبر المحيط الهادئ؟

كلينتون انتقدتها بعد أن وصفتها يومًا بـ«المعيار الذهبي» للاتفاقيات التجارية

ينبغي للولايات المتحدة إعادة النظر والتفكير في تبنيها للأجندة الاقتصادية العالمية الصارمة
ينبغي للولايات المتحدة إعادة النظر والتفكير في تبنيها للأجندة الاقتصادية العالمية الصارمة
TT

لماذا تخلت الولايات المتحدة عن الشراكة عبر المحيط الهادئ؟

ينبغي للولايات المتحدة إعادة النظر والتفكير في تبنيها للأجندة الاقتصادية العالمية الصارمة
ينبغي للولايات المتحدة إعادة النظر والتفكير في تبنيها للأجندة الاقتصادية العالمية الصارمة

قد يبدو غير مؤلم للغاية، في هذه المرحلة تحديدا، إسقاط الشراكة عبر المحيط الهادئ والتخلي عنها نهائيا.
فتلك الشراكة لديها عدد قليل للغاية من المؤيدين في العاصمة واشنطن، حتى هيلاري كلينتون، التي كانت تؤيدها في يوم من الأيام ووصفتها بأنها «المعيار الذهبي» للاتفاقيات التجارية، خلصت مؤخرا إلى أنها لا ترقى إلى أي شيء ذي قيمة.
وهناك تحليل صادر عن لجنة التجارة الدولية الأميركية يدفع، نوعا ما، في اتجاه تأييد الشراكة، بعد 15 عاما من الاتفاقية، كما تقدر اللجنة، سوف يكون الناتج المحلي الإجمالي أكبر بمقدار 42.7 مليار دولار، وسوف يكون هناك 128 ألف فرصة عمل بدوام كامل.
ولكن ذلك لا يكاد يصلح لخدش سطح الاقتصاد الأميركي الذي يولد بالفعل 18 تريليون دولار في العام، وسوف يولد ما لا يقل عن ضعف ذلك الرقم خلال الـ15 عاما المقبلة. وسوف تكون الأجور أعلى بنسبة تافهة تبلغ 0.19 في المائة من خلاف ذلك. وسوف تحصل العمالة غير الماهرة على نسبة 25 في المائة من الأرباح المتواضعة، كما تقول اللجنة، في مقابل 41 في المائة تذهب لصالح العمالة الماهرة، ونسبة 34 في المائة تذهب لصالح أرباب الأعمال.
إن ذلك لا يكاد يرقى إلى أي مستوى من التأييد يمكن احتماله.
في ظل حركة الناخبين البيض المتمردة من الطبقة العاملة، التي تؤيد أجندة المرشح الرئاسي دونالد ترامب للحيلولة دون المزيد من هجرة المكسيكيين، وحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وإغلاق الأبواب بإحكام في وجه المنتجات المصنوعة في الصين وفي غيرها من الدول، حتى أكثر دعاة الليبرالية تعبيرا عن أنفسهم يتعجبون ما إذا كانت حملة العولمة في واشنطن قد تجاوزت أهدافها أخيرا.
يقول إسوار براساد، أستاذ السياسات التجارية في جامعة كورنيل: «قد نضطر إلى سحب الخطاب العام المعني بفتح الحدود، وفتح الباب لتدفقات رؤوس الأموال، وفتح الباب كذلك أمام التجارة الحرة. وربما ينبغي علينا أن نأخذ استراحة ولو قليلة من كل هذه الأمور؛ بسبب أن المزيد من الدفع في اتجاه هذه الأجندة من شأنه أن ينتهي بنا في أسوأ الأماكن وليس أفضلها».
ومع ذلك، فإن احتمالات اغتيال اتفاقية التجارة والأعمال، التي من شأنها تخفيض التعريفة الجمركية في عدة دول حول حوض المحيط الهادئ، ودفعهم إلى قبول مجموعة من القواعد على الطريق، يثير تساؤلات فورية، مثل: ما الذي سوف يحدث بعد ذلك؟ وهل البديل بإلغاء الاتفاقية - وغياب الولايات المتحدة عنها يساوي عدم وجود الاتفاقية بالأساس - يعتبر أفضل الحلول المطروحة؟
على غرار إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون، وإدارة الرئيس جورج إتش دبليو بوش من قبله، فإن إدارة الرئيس أوباما الحالية غير معنية بالوصول إلى الأسواق الأجنبية وتعزيز مصالح الشركات الأميركية في الخارج.
كان من المفترض باتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية أن تعمل على تعزيز التنمية والاستقرار الاقتصادي في المكسيك. وكان السماح للصين بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية جزءا من استراتيجية لإدخال أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان إلى حلبة تجارية تعتمد على قواعد وديمقراطيات السوق.
لم تكن هناك من شائبة تشوب هذه الاستراتيجية، على أدنى تقدير. واستحداث اتفاقية «نافتا» لم يكن من شأنه الحيلولة دون انفجار أزمة اقتصادية خانقة في المكسيك خلال بضعة أشهر قليلة. كما أنه، ومن المؤكد، لم تمنع رحلات الهجرة غير المشروعة. والصين، على خلاف توقعات واشنطن الوردية، لم تحتضن الديمقراطية قط. كما أنها عثرت على سبل عدة لثني قواعد التجارة العالمية والتلاعب بالعملة المحلية.
والأكثر من ذلك، فقد نجم عن الأجندة التجارية المزيد من الأضرار الجانبية الحقيقية في الولايات المتحدة من جانب العمال أصحاب الياقات الزرقاء. وعن طريق إزالة المخاطر المتعلقة بفرض الولايات المتحدة الرسوم الجمركية المرتفعة تعسفيا على البضائع الصينية، فإن محاولة بكين الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية قد أطلق العنان لموجة من الاستثمارات في الصين لخدمة الأسواق الأميركية والعالمية، التي قضت في نهاية الأمر على كثير من فرص العمل في الصناعات التحويلية داخل الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من مزايا هذه الانتقادات، فما الذي كان سيحدث إذا ما أوقفت هذه الاتفاقيات؟ وكما يروق لعلماء الاجتماع القول، ما الأمور المخالفة للحقيقة في ذلك؟
هناك فوائد واضحة من اندماج المكسيك في سلسلة التوريد الخاصة بأميركا الشمالية؛ فلقد ساعدت في تحديث الاقتصاد المكسيكي، ووفرت فرص العمل لكثير من العمال القابعين في القطاع الزراعي المحلي غير المنتج تحت ضغوط الكثير من القوى الاقتصادية. وعند منع إبرام اتفاقية «نافتا»، فإن تدفقات الهجرة غير المشروعة سوف تكون أكبر بكثير.
وعلى نحو مشابه، فإن حجة استدعاء ما سوف يصبح حتما أكبر اقتصاد في العالم كان من قبيل الأفكار المجنونة. فلقد لاحظ كينيث ليبرثال، الخبير المخضرم في الشؤون الصينية، الذي خدم في مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس السابق كلينتون: «إذا لم تكن الصين قد انضمت لمنظمة التجارة العالمية، فإن العلاقات معها سوف تكون الآن أسوأ بكثير، وكل خلاف اقتصادي وتجاري سوف يتحول فورا إلى خلاف ثنائي سياسي، ولم تكن الصين لتفتح أبواب اقتصادها كما فعلت في الوقت الراهن».
ينبغي للولايات المتحدة إعادة النظر والتفكير في تبنيها للأجندة الاقتصادية العالمية الصارمة التي تنتهجها. وبالنسبة إلى المبتدئين، ينبغي لصناع القرار السياسي العمل على التعهد - الفارغ حتى الآن - بأن بعض المكاسب التي تعود على الفائزين سوف يتم نشرها من أجل تعويض الخاسرين إجمالا؛ مما يعني الاستثمار في التدريب، ودعم الدخل القومي، وما شابه ذلك.
ولقد حان الوقت أيضا لإعادة التفكير في بعض المبادئ الأساسية المتعلقة بالصفقات التجارية، بما في ذلك الأساليب التي تستخدم بها القواعد الدولية في تقييد واحتواء القرارات الديمقراطية داخل الدول. وبصرف النظر عن المزايا الاقتصادية الناجمة عن تسهيل وصول الشركات الأميركية إلى الأسواق العالمية، فإن الأجندة التجارية المصممة لخدمة مصالح الشركات لم يعد يمكن الدفاع عنها سياسيا.
وكما قال داني رودريك، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد: «فور قبولك للشروط السائدة في المناقشة، فإن المفاوضات التجارية تدور حول تبادل الوصول إلى الأسواق، وأن العولمة المالية هي الهدف النهائي المرغوب فيه من الجميع، ويمكن للكونغرس أن تكون له مشاركة محدودة في اتفاقيات التجارة، وخلافه، وبالضرورة قد تكون استملت الملعب بالكامل لصالح تلك المصالح الخاصة».
ولكن هل يؤسس هذا الأمر لحجة قوية لإسقاط الشراكة عبر المحيط الهادئ؟ هذه الصفقة تضاعف من بعض تلك الخطايا، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بحماية مصالح الصناعات الدوائية، كما أن الأمر يصح كذلك وفقا لمعايير الاتفاقيات التجارية الماضية، فالشراكة تكون في أفضل حالاتها عندما ترعى مصالح العمال.
يقول مايكل فرومان، كبير المفاوضين التجاريين في الولايات المتحدة: «نريد أن نتأكد أن الفوائد التجارية موزعة على نطاق واسع. ولا تفي كل الاتفاقيات التجارية الماضية باحتياجات الجماهير العريضة. وبالنسبة إلى اتفاقية (نافتا)، فإن اتفاقات العمالة والبيئة جاءت بعد روية وتفكير عميق. وهي تشكل جزءا أساسيا في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ».
في واقع الأمر، فإن نقاد الشروط التي انضمت الصين بموجبها إلى منظمة التجارة العالمية ينبغي لهم مباركة اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ؛ حيث يقول نيكولاس لاردي، الخبير في الشؤون الصينية لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: «تعتبر اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ مثل الترياق؛ فهي تقدم معايير عالية مع الكثير من الحماية للشركات الأميركية وللعمال على حد سواء».
ومن زاوية الأسباب الاستراتيجية وحدها، فإن التخلي عن هذه الاتفاقية يعد من قبيل الأفكار السيئة.
قد لا تكون الصين عضوا في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، ولكن الاتفاقية وإلى حد كبير، تتعلق بالصين تماما. فإذا كان السماح للصين بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية المقصود منه إرغامها على احترام نظام القواعد التجارية المعمول به، فإن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ تؤسس لسلسلة من القواعد حول المسألة نفسها. وهي تعتبر نوعا من أنواع الضمانات لجيران الصين القلقين حول التزام واشنطن نحو المنطقة وجهودها في وضع المعايير المتعلقة بالتكامل الاقتصادي في آسيا.
إن القضاء على تلك الاتفاقية سوف يضر كثيرا بحلفاء الولايات المتحدة في آسيا - مثل اليابان وفيتنام - وسوف يعدونه من قبيل الخيانة التجارية، ولسوف تفضل الصين ذلك أيما تفضيل.
يقول السيد بارساد، الخبير التجاري من جامعة كورنيل: «إذا كانت فكرة تخفيض النفقات (التقشف) سوف تجد لها زخما مناسبا، وكان القرار ماضيا بإلغاء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، فسوف يكون الأمر بمثابة ضربة قوية لنفوذ ومصداقية الولايات المتحدة وعلى نطاق كبير. وإذا عجزت الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها، فسوف يضر ذلك ومن دون شك بشرعيتها ومصداقيتها كدولة عظمى. ولسوف يمثل ذلك وصمة عار كبيرة للغاية».
*خدمة نيويورك تايمز



حكومة الأردن تبدأ إجراءات تقشفية

منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
TT

حكومة الأردن تبدأ إجراءات تقشفية

منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة عمان (رويترز)

أصدر رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسَّان، اليوم الاثنين، إعلاناً عاماً يقضي بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدَّوائر الرسميَّة والهيئات العامَّة، وذلك في ظل الظُّروف الرَّاهنة.

وتأثرت الأردن نتيجة حرب إيران، التي تسببت في ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية مع استمرار تعطل مضيق هرمز، وسط مخاوف من إطالة زمن الحرب.

وبموجب الإعلان، قرَّر رئيس الوزراء «منع استخدام المركبات الحكوميَّة إلا للأغراض الرَّسمية، ومنع استخدامها خارج أوقات الدوام الرَّسمي، وإلغاء جميع الموافقات والاستثناءات السابقة بهذا الخصوص».

كما تضمَّن الإعلان «إيقاف سفر الوفود واللِّجان الرَّسميَّة إلى الخارج لمدة شهرين، ابتداءً من تاريخه، إلا للضرورة القصوى، وأن يكون لأسباب مبرَّرة وبموافقة مسبقة من رئيس الوزراء. وكذلك إيقاف استضافة الوفود الرَّسميَّة والحد من نفقات المآدب الرسمية لمدة شهرين، ابتداءً من تاريخه».

وأشار الإعلان إلى منع استخدام المكيِّفات وأيَّ وسائل تدفئة أخرى في الوزارات والمؤسَّسات العامَّة والدَّوائر الحكوميَّة.

وكلَّف رئيس الوزراء، بموجب الإعلان، ديوان المحاسبة ووحدات الرَّقابة الداخليَّة بمراقبة تنفيذ هذه الإجراءات، ورفع تقارير بأيِّ تجاوزات أو مخالفات. كما أكَّد الاستمرار في الإجراءات المتعلقة بترشيد الإنفاق وضبطه، وفقاً لقرارات مجلس الوزراء السَّابقة بهذا الخصوص.


الجنيه الإسترليني يهبط لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف الحرب

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

الجنيه الإسترليني يهبط لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف الحرب

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

تراجع الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له في أكثر من ثلاثة أسابيع مقابل اليورو، ويتجه نحو تسجيل خسارة يومية خامسة على التوالي مقابل الدولار، في ظل مخاوف المستثمرين من تأثير الحرب الإيرانية على الاقتصاد البريطاني.

واقترب الدولار من أعلى مستوى له منذ عشرة أشهر يوم الاثنين، بعد أن أدت الإشارات المتضاربة من إيران والولايات المتحدة إلى تراجع التوقعات بشأن إمكانية انتهاء سريع للصراع في الشرق الأوسط، وفق «رويترز».

ورغم ذلك، لا يزال الجنيه الإسترليني العملة الأفضل أداءً مقابل الدولار منذ بداية الحرب في أوائل مارس (آذار). وخلال الفترة نفسها، انخفض اليورو بنحو 2.7 في المائة، فيما تراجع الين بنسبة 2.4 في المائة.

ويشير المحللون الاستراتيجيون إلى أن الجنيه الإسترليني معرّض لمخاطر واضحة، نظراً لاعتماد بريطانيا الكبير على الغاز الطبيعي المستورد، وارتفاع التضخم المستمر، والضغوط المالية العامة، ما دفع سنداتها الحكومية إلى تراجع حاد.

واستقرت عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات عند 4.98 في المائة بعد أن سجلت 5.118 في المائة الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2008. وطُلب من بعض صناديق التقاعد البريطانية زيادة سيولتها النقدية لمواجهة مراكز التحوّط بعد الانخفاض الحاد في أسعار السندات، رغم أن التأثير حتى الآن كان محدوداً مقارنة بالأزمة التي أدت إلى استقالة رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس.

وذكر محللو استراتيجيات «بنك باركليز» في مذكرة بحثية: «دفعت التطورات الجيوسياسية السياسة البريطانية إلى الخلفية، لكن من المرجح أن تكون مخاطر اتباع سياسة مالية توسعية قد ازدادت في أعقاب صدمة الطاقة ومع اقتراب الانتخابات المحلية في مايو (أيار)».

ويترقب المستثمرون الانتخابات المحلية المقررة في 7 مايو، حيث يتخلف حزب «العمال» الحاكم بقيادة كير ستارمر عن حزب «الإصلاح» الشعبوي، وحزب «الخضر» اليساري.

وأظهرت البيانات الاقتصادية الأسبوع الماضي أن النشاط التجاري البريطاني نما بأبطأ وتيرة له منذ ستة أشهر، في حين تسارعت تكاليف مدخلات التصنيع بأسرع معدل منذ عام 1992، كما انخفضت مبيعات التجزئة.

وانخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.15 في المائة ليصل إلى 1.324 دولار أميركي، بعد أن خسر 1.67 في المائة خلال مارس. في المقابل، ارتفع اليورو بنسبة 0.11 في المائة ليصل إلى 86.83 بنس، بعد أن بلغ 86.87 بنس، وهو أعلى مستوى له منذ 6 مارس. وكان قد سجل 86.12 بنس في 19 مارس، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس (آب) 2025.

ويتوقع محللو الأسواق أن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة في أقرب فرصة خلال أبريل (نيسان)، بينما من المتوقع أن يؤجل بنك إنجلترا أي خفض محتمل للفائدة.


«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
TT

«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)

بينما يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزايدة جراء اضطرابات الممرات المائية، استطاع قطاع النقل البري والسككي في السعودية إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية، متحولاً من مجرد ممر تجاري إلى «محور توزيع سيادي» قادر على إدارة الأزمات بكفاءة عالية. وكشف خبراء لوجيستيون لـ«الشرق الأوسط»، عن أن التسهيلات التنظيمية الأخيرة للهيئة العامة للنقل نجحت في ضخ سعة فورية احتوت ما بين 40 في المائة و60 في المائة من العجز في إمدادات السلع الأساسية؛ ما رسخ مكانة المملكة كصمام أمان لوجيستي للمنطقة.

وقد تجسَّدت هذه المكانة في حزمة استباقية من القرارات التنظيمية التي شملت: إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير، وتمديد العمر التشغيلي للشاحنات إلى 22 عاماً لمدة 6 أشهر، والسماح بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج، إلى جانب إطلاق مبادرة «مناطق التخزين الخليجية» في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وتوسيع تشغيل قطارات الحاويات التي تنقل أكثر من 2500 حاوية يومياً.

ويرى المختصون أن هذه التحركات لم تكن مجرد حلول مؤقتة، بل مثلت استجابة استراتيجية في ظل الضغوط الناتجة من أزمة مضيق هرمز؛ ما مكّن السعودية من إدارة الخدمات اللوجيستية في أصعب أوقات الأزمات العالمية، وتحويل موانيها ومنصاتها البرية رئةً تتنفس من خلالها الأسواق المجاورة.

سعة فورية... بشروط الكفاءة

يرى الخبير اللوجيستي حسن آل هليل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تمديد العمر التشغيلي للشاحنات يُعدّ استجابة تنظيمية مرنة لضغوط السوق؛ إذ يتيح ضخ سعة تشغيلية إضافية دون الحاجة إلى استثمارات جديدة، وقد يرفع القدرة التشغيلية للأسطول بنسبة تتراوح بين 10 و18 في المائة على المدى القصير، ويخفض تكاليف النقل بنسب تصل إلى 15 في المائة، بما يسهم في تقليص فجوة العرض والطلب ودعم استقرار الأسعار.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التوجه يفرض تحدياً يتعلق بالحفاظ على الكفاءة التشغيلية، في ظل ارتفاع استهلاك الوقود وتكاليف الصيانة للشاحنات الأقدم، إضافة إلى زيادة احتمالات الأعطال؛ وهو ما قد يرفع التكلفة الإجمالية للنقل على المدى المتوسط إذا لم يتم ضبطه، ويؤكد أن تحقيق التوازن يتطلب رقابة فنية صارمة لضمان الحفاظ على ما بين 80 و90 في المائة من كفاءة الشاحنات، إلى جانب تسريع برامج الإحلال التدريجي نحو أساطيل حديثة أكثر كفاءة وأقل انبعاثاً.

من جانبه، يصف الخبير اللوجيستي نشمي الحربي لـ«الشرق الأوسط» القرار بأنه تكتيك لإدارة الأزمات بامتياز؛ يهدف إلى ضخ سعة فورية في السوق عبر الاستفادة من أسطول ضخم قائم، مؤكداً أن التوازن لا يتحقق عبر تقييد العمر التشغيلي بحد ذاته، بل عبر ربطه بالفحص الفني الصارم، بما يضمن استمرارية التشغيل دون الإخلال بمعايير السلامة والاستدامة.

كسر احتكار السعة

وفي قرار تنظيمي جديد، أعلنت الهيئة العامة للنقل إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير للمنشآت المرخصة بشكل مؤقت حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، في خطوة تستهدف رفع كفاءة استخدام الأصول التشغيلية وتعزيز مرونة السوق.

في هذا الإطار، أشار آل هليل إلى أن القرار يعزز كفاءة استخدام الأصول داخل السوق، من خلال إدخال أساطيل الشركات الخاصة إلى منظومة النقل العام؛ ما يرفع العرض الكلي لخدمات الشحن بنسبة قد تصل إلى 25 في المائة، ويزيد من معدل استغلال الأصول التشغيلية بنحو 30 في المائة؛ وهو ما ينعكس مباشرة على خفض تكاليف النقل بنسب تتراوح بين 8 و15 في المائة.

كما يسهم هذا التحسن في تقليل تقلبات الأسعار، خاصة في القطاعات المرتبطة بالنقل مثل الغذاء والسلع الاستهلاكية، حيث يمكن أن يحدّ من التذبذب السعري بنسبة تصل إلى 12 في المائة، فضلاً عن دوره في كبح الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الشحن، وفق آل هليل.

أما الحربي، فيرى أن القرار ذهب أبعد من ذلك؛ إذ «كسر احتكار السعة» في السوق، وحوّل كل منشأة تملك أسطولاً إلى مزود محتمل لخدمات النقل؛ ما قلّل الرحلات الفارغة ورفع كفاءة التشغيل، وأسهم في امتصاص ما وصفه بـ«التضخم المستورد»، ومنع انتقال آثار أزمة «هرمز» إلى المستهلك النهائي.

إحدى عربات «سار» لنقل البضائع (واس)

النقل السككي... و«الحلقة المفقودة»

لم يقتصر التحرك على الطرق الإسفلتية، بل امتد لتعزيز الربط السككي؛ حيث أصدرت الهيئة تراخيص لشركة الخطوط الحديدية السعودية (سار) لتشغيل قطارات الحاويات في محطات إضافية. وتعمل هذه القطارات حالياً على نقل أكثر من 2500 حاوية قياسية يومياً، مع تدشين ممر لوجستي دولي يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة على الحدود الأردنية.

ولكن رغم هذا التقدم، يشير آل هليل إلى وجود ما يسميه «الحلقة المفقودة» التي تعيق مضاعفة هذه الأرقام، والمتمثلة في ضعف تكامل البنية التحتية الطرفية، ومحدودية الطاقة الاستيعابية للمحطات، إضافة إلى تحديات الجدولة بين المواني والقطارات، ونقص الأصول التشغيلية، فضلاً عن الاعتماد المستمر على الشاحنات في «الميل الأخير».

ويتفق الحربي مع هذا الطرح، مختصراً التحدي في عقدتين رئيسيتين، هما الربط الأخير بين محطات القطار والمستودعات والتكامل الزمني بين تفريغ السفن وتحميل القطارات، مؤكداً أن اكتمال مشروع «الجسر البري» شرق – غرب سيشكل الحل الجذري لتقليل الاعتماد على الشاحنات وتخفيف الضغط عن النقل البحري.

الأمن الغذائي أولوية

في خطوة تعكس أولوية الأمن الغذائي، سمحت الهيئة بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج لنقل السلع سريعة التلف، وهو ما يراه آل هليل إجراءً يعزز كفاءة النقل المبرد ويقلل الهدر التشغيلي، متوقعاً أن يسهم في تغطية ما بين 15 و35 في المائة من فجوة الإمدادات، مع إمكانية ارتفاع النسبة إلى 40 في المائة في الظروف الحرجة.

أسطول بري تابع لشركة «البحر الأحمر الدولية» السعودية (واس)

في المقابل، يصف الحربي القرار بأنه «شريان حياة»، متوقعاً أن يغطي ما بين 40 و60 في المائة من العجز في تدفق الأغذية والأدوية، خاصة في ظل اعتماد دول الخليج على الواردات بنسبة تتجاوز 80 في المائة، مشيراً إلى أن مواني البحر الأحمر تحولت فعلياً نقطةَ انطلاق رئيسية لتغذية الأسواق الخليجية.

موانٍ من التخزين إلى العبور

وفي ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، برزت مبادرة «مناطق التخزين الخليجية» كأحد أهم أدوات تنظيم التدفقات، من خلال تخصيص مناطق تشغيلية لكل دول مجلس التعاون، مع إعفاء من رسوم التخزين لمدة تصل إلى 60 يوماً.

ويرى آل هليل أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على إدارة تشغيلية متقدمة تشمل التخطيط المسبق، وأنظمة إدارة الساحات الذكية، وتسريع الإجراءات الجمركية، وربط الميناء بشبكات النقل، بما يضمن انسيابية الحركة ويمنع التكدس.

بينما يؤكد الحربي أن الإعفاء قد يتحول تحدياً إذا لم يُدَر بكفاءة، مشدداً على أهمية تطبيق «إدارة ساحات ديناميكية» مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب «التخليص المسبق» قبل وصول السفن، عادَّاً أن تخصيص المساحات لكل دولة يخلق ما يشبه «مواني جافة سيادية»، ويحول الميناء من نقطة تخزين إلى منصة عبور إقليمي سريعة.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (موانئ)

عائد اقتصادي يتجاوز المستهدف

اقتصادياً، لا يقتصر أثر هذه التحركات على استمرارية الإمدادات؛ إذ يؤكد آل هليل أنها تسهم في رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي، وجذب الاستثمارات، وتنشيط حركة إعادة التصدير، وخفض التكاليف التشغيلية، إلى جانب خلق فرص عمل نوعية.

بينما يرى الحربي أن العائد الأكبر يتجاوز المؤشرات المباشرة، رغم تسجيل نمو في مناولة الحاويات بنسبة 10.6 في المائة لتصل إلى 8.3 مليون حاوية في 2025، مؤكداً أن الأثر الأهم يتمثل في ترسيخ مكانة السعودية كـ«صمام أمان لوجيستي» للمنطقة؛ ما يعزز ثقة المستثمرين العالميين ويدعم مستهدفات «رؤية 2030».

وفي المحصلة، تكشف هذه التسهيلات عن أن السعودية لم تكتفِ بإدارة أزمة طارئة، بل أعادت تشكيل دورها في خريطة التجارة الإقليمية عبر منظومة نقل متكاملة قادرة على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات فرصاً، وترسيخ موقعها مركزاً لوجيستياً يربط بين القارات ويؤمّن تدفق السلع في أصعب الظروف.