بلجيكا: اعتقالات للاشتباه بمتورطين في التخطيط لعملية إرهابية جديدة

رفض التصريح لليمين المتشدد بإحراق علم «داعش» خوفًا من وقوع أعمال شغب

تواجد أمني في العاصمة بروكسل بعد تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
تواجد أمني في العاصمة بروكسل بعد تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
TT

بلجيكا: اعتقالات للاشتباه بمتورطين في التخطيط لعملية إرهابية جديدة

تواجد أمني في العاصمة بروكسل بعد تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
تواجد أمني في العاصمة بروكسل بعد تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)

قال مكتب التحقيقات البلجيكي في بروكسل، إن الشرطة داهمت في وقت مبكر من فجر أمس السبت، ثمانية منازل في الجزء الوالوني «الفرانكفوني»، الناطق بالفرنسية في البلاد، وألقت القبض على عشرة أشخاص، ثم عادت وأطلقت سراح ثمانية منهم، وأبقت على شقيقين يشتبه في علاقتهما بالتحضير لتنفيذ هجمات إرهابية في بلجيكا. وقالت السلطات المعنية، إن المداهمات والاعتقالات شملت بلديات زايفر، وبرغن، والقريبة من مدينة مونس وأيضًا في مدينة ليياج، في منطقة والونيا، والقريبة من الحدود مع فرنسا، ولم تعثر الشرطة على أسلحة أو متفجرات، خلال عمليات المداهمة، واصطحبت معها الشقيقين نور الدين، وحمزة لاستجوابهما، وسيحدد قاضي التحقيقات في وقت لاحق، مدى استمرار اعتقالهما من عدمه.
واختتم مكتب التحقيقات بالقول، إن المداهمات والاعتقالات، التي جرت في الساعات القليلة الماضية، ليس لها علاقة بالتحقيقات الجارية، حول ملف تفجيرات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أو تفجيرات بروكسل في 22 مارس (آذار) الماضي.
جاء ذلك بعد وقت قصير من دعوة، انطلقت من الحركة الوطنية اليمينية المتشددة في بلجيكا، تدعو المواطنين للخروج السبت (أمس) إلى أحد الميادين الكبرى بالعاصمة بروكسل، للمشاركة في حرق علم «داعش» للتعبير عن الاحتجاج على العمليات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم داعش، ولكن السلطات المعنية في العاصمة البلجيكية لم تساند هذه الدعوة، خوفًا من رد فعل مضاد وبالتالي وقوع أعمال شغب.
ووجه هيرفي فانلاتم من الحركة الوطنية اليمينية المتشددة عبر الإنترنت دعوة لمؤيدي الفكرة، إلى الخروج، السبت، إلى الميدان الملكي في بروكسل، في تحرك رمزي وجاء في دعوته: «إن حرق علم منظمة إرهابية لا يمثل تحركا استفزازيا لأنه إذا كانت الحكومة تقوم بعملها ما كنا في حاجة إلى القيام بهذا التحرك»، ولكن سلطات بلدية بروكسل أظهرت عدم الترحيب بالفكرة، وقالت إنه «لم يتقدم أحد بطلب رسمي لتنظيم مثل هذه الفعالية، وفي نفس الوقت نخشى من تظاهرة مضادة»، وقالت السلطات: «إذا لاحظنا وجود استجابة من المواطنين للدعوة وخرجوا إلى الميدان لحرق علم (داعش)، سيطلب منهم عناصر الشرطة مغادرة المكان ومن يرفض ذلك سيتعرض للاعتقال.
ويذكر أنه بعد أيام قليلة من تفجيرات بروكسل في مارس الماضي، استخدمت الشرطة البلجيكية خراطيم المياه لتفريق عدد كبير من المحتجين اليمينيين، الذين تظاهروا وسط العاصمة بروكسل. واقتحم هؤلاء المتظاهرون الميدان، الذي يجتمع فيه المتضامنون مع ضحايا هجمات بروكسل. وحاولت الشرطة فرض سيطرتها على الوضع هناك بعدما تحرشت هذه المجموعة بنساء مسلمات وقاموا بأداء التحية النازية لهن. وكانت السلطات البلجيكية ألغت مظاهرة كانت مقررة لهم تحت عنوان «مظاهرة ضد الخوف» بسبب وضع ضغوط إضافية على كاهل الشرطة التي كانت في ذلك الوقت تحقق في مجريات الهجمات التي تعرضت لها البلاد 22 مارس وأسفرت عن مقتل 32 شخصا وإصابة 300 آخرين واستهدفت مطار بروكسل ومحطة للقطارات الداخلية تقع بالقرب من مقار مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
من جانبها، أثنت الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا في بيان نُشر غداة الهجوم الذي تبناه تنظيم داعش، على شجاعة المجتمع الكاثوليكي بالمدينة الفرنسية التي شهدت حادثًا إرهابيًا استهدف إحدى الكنائس والذي رغم الرعب الذي أصابه، لا يستسلم لكراهية وعنف المعتدين عليه». وأعربت الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا عن عميق تأثرها بالأحداث التي أدمت فرنسا من جديد. وقالت الهيئة: «لم يعد للرعب أي حدود». وقال صلاح الشلاوي رئيس الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا: «بخوف بالغ، علمنا بظروف مقتل القسيس جاك هاميل كما قدم تعازيه للأسر والضحايا في هذا الهجوم الجديد الذي وقع بفرنسا. وتدعو الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا «أكثر من أي وقت مضى»، إلى الوحدة والتضامن بين كافة مكونات المجتمع «في هذه الأيام المظلمة». وقالت الهيئة إنها تتوجه بالدعاء من أجل دعم المجتمع الكاثوليكي بأكمله وفي وقت سابق أدانت الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا هجوم نيس الذي حصد أرواح 84 شخصا يوم 14 يوليو (تموز) الماضي. ودعت بالفعل إلى الوحدة والتضامن اللذين «يظلان أفضل أسلحتنا في مواجهة أولئك الذين يرغبون في خلق الفوضى».
وقال صلاح الشلاوي رئيس الهيئة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عقب تفجيرات بروكسل في مارس الماضي: «ما حدث مؤسف للغاية وفي نفس الوقت نحن نعتبر أن الجالية المسلمة ليست هي وحدها المسؤولة عن الأعمال التي تقع في أوروبا وأنتم تعلمون جيدا أن أول ضحايا الإرهاب هي الدول التي يقطنها المسلمون، ووقعت تفجيرات في المغرب وتونس ومصر والعراق وتركيا وغيرهم، وهذا يعني أن المسلمين ليس هم المسؤولون عن الإرهاب، ولكن هذا لا يعني أننا كمسلمين في أوروبا لا نتحمل أي مسؤولية عن صعود موجة التطرف، وبالتالي نقول إن الانتقادات هي مقبولة، وفي نفس الوقت غير مقبولة، مقبولة من باب أننا كمسلمين لا بد أن نتحمل مسؤولياتنا. وغير مقبولة.. في إطار ليس المسلمون وحدهم يتحملون مسؤولية ما يجري، ونحن دائما نتحمل مسؤولياتنا في هذا البلد، ونتحملها الآن بشكل أكبر لأن العمل الإجرامي وقع في بلدنا بلجيكا، وهذا يفرض علينا كمسلمين مسؤولية في هذه البلاد، وأن نتحرك لنواجه موجة التطرف، والتصدي للفكر المتشدد، والغلو في الدين. يأتي ذلك فيما وحد خمسة وزراء اتحاديون في بلجيكا، جهودهم للمعركة ضد دعاة الكراهية من خلال إنشاء قاعدة بيانات قد تساعد على مطاردة أو مضايقة مثيري الشغب. ومنذ وصول تنظيم الشريعة في بلجيكا، تعمل مختلف أجهزة الاستخبارات والشرطة بشكل نشط على محاربة دعاة الكراهية، ولكن المعلومة غالبًا ما تكون متناثرة في عدة مستويات وأمكنة، وبالتالي تمر كثير من الوجوه عبر الفجوات. ومن خلال تعميم مشترك، اختار كل من وزير الداخلية جان جامبون، ووزير العدل كوين جينس، ووزير الخارجية ديدية رايندرس، ووزير الدفاع ستيفن فاندنبوت، ووزير الدولة المكلف بشؤون اللجوء والهجرة تيو فرانكين نهجا منسقا. وقال الوزراء الخمسة: «هناك تدفق مستمر للمعلومات بشأن دعاة الكراهية بين البلديات وأجهزة الشرطة المحلية والشرطة الفيدرالية والنيابة العامة وهيئة التنسيق لتحليل التهديد وأجهزة الاستخبارات مثل جهاز أمن الدولة وجهاز الهجرة وجهاز الشؤون الخارجية وغيرها. وقال تيو فرانكين: «إن هيئة التنسيق لتحليل التهديد تنسق المعركة من خلال قاعدة بيانات مركزية لدعاة الكراهية، استنادا إلى معلومات خاصة بها ومعلومات باقي أجهزة الاستخبارات. واليوم، لا نعلم متى يقوم دعاة الكراهية بإثارة الحشود في المعارض الإسلامية ببلادنا إلا بعد حدوث الضربة. ومع وجود قاعدة بيانات، سنتمكن من التدخل بشكل وقائي ورفض منح التأشيرة». وفي نفس الإطار، أعلنت الشرطة الأوروبية (يوروبول) أنها تعقبت خلال الأشهر الستة الماضية 14 شخصًا وقبضت عليهم، بعد أن كانت أسماؤهم مدرجة على لائحتها للمطلوبين، وذلك بفضل معلومات قدمها مواطنون عبر موقعها الإلكتروني، وقالت الشرطة الأوروبية في بيان إن «المعلومات المقدمة عبر الموقع الإلكتروني أدت دورًا مباشرًا في تحديد مواقع 8 أشخاص على الأقل من بين هؤلاء الهاربين». وأطلقت منظمة الشرطة الأوروبية والاتحاد الأوروبي هذا الموقع الإلكتروني، على إثر الانتقادات التي وجهت إليهما غداة اعتداءات 13 نوفمبر؛ بسبب نقص التنسيق بينهما. ومن بين المعتقلين مؤخرا البلجيكي صلاح عبد السلام المشتبه به الرئيسي في تلك الاعتداءات التي أدت إلى مقتل 130 شخصا، وإبراهيم عبريني شقيق محمد عبريني وهو بلجيكي من أصل مغربي ضالع في اعتداءات باريس وبروكسل.
ولم يكن اعتقالهما مرتبطا بشكل مباشر بالموقع الإلكتروني الذي تم تصفحه ملايين المرات منذ إطلاقه في 29 يناير (كانون الثاني) كانون الثاني. لكن في فبراير (شباط) الماضي تم القبض في باريس على الروماني غريغوريان بيفولارو البالغ 64 عامًا، والذي كان مدربًا لليوغا ومتهما باستغلال أطفال جنسيا، بفضل معلومات تلقاها الموقع الإلكتروني للشرطة الأوروبية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...