ماذا يحدث للعرب؟

السؤال الأهم الذي لا يشغلهم وحدهم بل العالم كله

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماذا يحدث للعرب؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

* عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ والسؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ على العرب أن يطرحوا السؤال الأول كما فعلت اليابان.
* الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات.

زعماؤهم يلاحقون في الحفر وأنابيب مياه المجاري. أطفالهم يبادون بالغازات السامة وهم نائمون. مفكروهم المستنيرون مجهولون أو ملاحقون. متعصبوهم يزدادون تعصبا ويدفعون مزيدا من المراهقين إلى الموت في كل مكان. العاطلون يغرقون على الشواطئ الأوروبية بحثا عن فرص عمل. الفوضى تعم، ومعدلات الفقر تزيد ومعدلات الأمل والسعادة تنقص. التعليم متهالك والجامعات التي اشتهرت في الماضي بروحها الخلاقة ميتة دماغيا اليوم. الفنانون يعيدون نفس الأغاني القديمة ولكن بألحان جديدة. الكل يشتكي من غياب قيم القانون والتعاون والمشاركة. عدد السكان في تزايد والشوارع مزدحمة والمدن مهترئة والمزاج السوداوي هو المسيطر.
ماذا يحدث للعرب؟! هذا هو السؤال الأهم اليوم الذي لا يشغل العرب وحدهم.
هناك بالتأكيد خلل كبير حدث أدى إلى كل هذه الانهيارات المتوالية التي لا تتوقف. الخلل يبدأ من طرح السؤال الخاطئ كما يقول المفكر الشهير برنارد لويس. عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ يقود هذا السؤال إلى إجابات ناقدة تلقي بالمسؤولية على الشعب نفسه حتى يقوم بتصحيح مساره. السؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ يقود هذا السؤال إلى سلسلة لا تنتهي من الأوهام التي تقذف الشعب في وهم المؤامرة والاضطهاد التي تلقي اللوم على الأعداء الوهميين المتربصين.
يقول مؤلف الكتاب «الحقيقة الليبرالية المركزية» لورانس هاريسون، البروفسور في جامعة تافتس الأميركية، إن اليابان طرحت على نفسها السؤال الأول وأقلعت حضاريا بعدها، وبلدان كثيرة، بينها الكثير من البلدان العربية، اختارت السؤال الثاني وما زالت تعاني من التراجع والتفكك، وتصحو كل يوم على فكرة محاربة الأعداء والغزاة المتخيلين الذين يسعون لإذلالها وتحطيم مجدها الهوائي. المؤلف هاريسون يدعو في غالبية كتبه إلى طرح السؤال الأول وإلغاء السؤال الثاني. أهمية السؤال الأول أنه يقود لنقد جذري للثقافة وتجنب بشكل كامل إلقاء اللوم على الآخرين. الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة، هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات. إنها، كما يقول توكوفيل، عادات القلب والانطباعات التي تملك الإنسان والأفكار التي تشكل عادات تفكيره. يقول الكاتب بأنه من المريح على الخبراء إلقاء اللوم على الموانع الجغرافية والسياسات السيئة والمؤسسات الضعيفة لتبرير الخلل، ولكنهم في الواقع يتحاشون التطرق للأسباب الثقافية العميقة للنجاح والفشل، للفقر والثراء، لأنها تجرح الشعور وتثير الحساسيات. هاريسون يقول إنه عرف أن الثقافة هي المشكلة الأساسية ليس فقط من خلال القراءة ولكن عن طريقة التجربة. هو نفسه عمل لسنوات في مشروع التنمية الدولية المخصص من قبل الحكومة الأميركية لتنمية عدد من بلدان أميركا الجنوبية، ولكن النجاح صعب لأن التقدم بحاجة إلى ثقافة تدعمه.
لكن ما العناصر الثقافية التي تدفع بعض الشعوب والأمم إلى الأمام أو تدفع بأخرى إلى الوراء؟ يذكر هاريسون في كتابه الكثير منها.
التعاليم الدينية، كما يقول المؤلف، من أقوى العناصر التي تدفع إلى التقدم إذا ما اتسمت بالعقلانية والموضوعية، ودعت إلى قيم الكد والعمل وجمع الثروة. هذا هو السبب تحديدا الذي جعل الدول البروتستانتية في أوروبا مثلا أسرع في النهوض اقتصاديا وصناعيا من الدول الكاثوليكية. الثقافة الكاثوليكية قاومت أفكار النجاح الشخصي ودعت للاهتمام أكثر بالعالم الآخر والتقليل من قيمة الحياة والمال. هناك أيضا بعض التعاليم الدينية التي تدعو صراحة للخرافة واللاعقلانية وتزرع هذه الشفرة الأخلاقية بعقول متبعيها مما يؤدي إلى إخراجهم من منطق العالم وكيفية الازدهار فيه. كلما زادت قوة الشعب أحب هذا العالم وسعى بشكل مستمر لتطوير ذاته ودفعه للأمام، وهذا على العكس من الشعوب الأخرى التي تعلن الاستقالة منه لأنها لا تجد فيه أي إحساس بالنجاح والتفوق.
النظرة للمستقبل هي من أهم العناصر الثقافية التي تؤدي أيضا إلى ثراء شعوب وفقر شعوب أخرى. الثقافات المتطورة تركز بشكل أساسي على المستقبل لأنها تسعى دائما للتغيير والتقدم وإثبات أهميتها وقيمتها. هناك فكرة محورية تشكل طريقة تفكيرها وهي: العصر الذهبي للإنسان هو في المستقبل وليس الماضي. هذا على العكس من الثقافات التي تسكنها فكرة أن الماضي أفضل من الحاضر وبالتأكيد أفضل من المستقبل الموحش. هذه الفكرة الأساسية تحركها فكرة التثبيط التي تمنع الفرد من أن يصمم بشكل لا ينكسر على خلق مستقبل باهر لنفسه، لأنه محاط بكل المحبطات الممكنة. في المجتمعات الزراعية، يقول الكاتب، بأن هناك عقلية الخير المحدود في هذا الدنيا. كل الأشياء المرغوبة مثل الثراء والصحة والحب والمكانة والقوة محدودة جدا لذا ليس هناك أي دافع قوي للحصول عليها.
عدم احترام الحقائق العلمية أيضا من الأسباب الثقافية التي تحرف مسار المجتمعات. إنه يجهض الأخذ بأسباب التقدم والمنافسة ويدخل الشعوب في سلسلة من الأوهام والخزعبلات. كما أنه يمثل العائق الكبير أمام التحديث الذي يعتمد بشكل أساسي على تقدير وتبني حقائق العلم. القيم الأخلاقية مثل الثقة والصدق والتعاون هي أيضا من هم الأسباب التي دفعت دولا مثل السويد والنرويج والدنمارك لتحتل قائمة الدول الأكثر نجاحا، على العكس من الثقافات التي تسيطر عليها أفكار انعدام الثقة والتعاون. نجاح الديمقراطية، كما يقول المؤلف، يعتمد على المنافسة العادلة واحترام القانون.
التعليم أيضا من أهم العناصر التي تشكل الثقافة وتدفع للتحديث أو العكس. الدول التي تمنح مكانة عالية لتعليم الجنسين هي الأكثر قدرة على التطور. في عام 1905، وبينما كانت نسبة الأمية عالية في عدد كبير من الدول، كان 90٪ من الصغار اليابانيين الأولاد والفتيات يذهبون إلى المدارس. السويد أول من حاربت الأمية في التاريخ، ولم يبق منها سوى 20٪ عام 1680. قيمة العمل من أجل تحقيق حياة جيدة هي أيضا من أهم العناصر الإيجابية في الثقافة. هناك أفكار عميقة في الكثير من الثقافات التي تعتبر تحقيق الحياة الجيدة لا يتحقق بالعمل ولكن من خلال القضايا الروحانية. العمل هو للطبقات السفلية في المجتمع وليس للنخبة. يقول الكاتب إن الدول الكونفوشيوسية كانت تعتبر التأمل أهم من العمل لكن هذه التعاليم تغيرت مع اليابان في القرن التاسع عشر ومع كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ. تم إعلاء قيمة العمل في الثقافة، وساهم ذلك، بين أسباب أخرى، بنجاح هذه الدول اقتصاديا.
الابتكار والتجديد هو ماكينة التنمية والتطور. من دون عقلية الابتكار والخلق، فمن الصعب على أي شعب تحديث نفسه وتطوير أفكاره. فكرة التحديث أيضا مرتبطة بفكرة المغامرة. الأفكار المغامرة والجريئة تعني أن الشخص يستطيع أن يخلق لنفسه مصيرا جديدا معتمدا على معرفته. ولكن في الثقافات التي تعتمد على فكرة أن مصيرها معروف، فإن فكرة الخلق والابتكار تظل ضعيفة أمام قوى أكبر من الشخص نفسه. ولهذا تضعف قيمة المنافسة القوية التي تعد عاملا أساسيا للنهوض. يقول الكاتب إن المنافسة مسألة مركزية في النجاح والابتكار للسياسي والمثقف والعامل في كل مجال. في المقابل، ينتشر الحسد وتسود الدعوات الطوباوية غير الواقعية في المجتمعات الراكدة التي تحارب التنافس والتحديث. تكون الفكرة السائدة هي: الجميع يخسر! في تلك الثقافات تنتقد قيم المنافسة وتمتدح قيم التعاون. ولكن التجربة أثبتت أن قيم التعاون لا تسود فيها. بل إن المنافسة، كما يقول المؤلف «هي أحد أشكال التعاون لأن المتنافسين يستفيدون من خلال التعاون حتى يظهروا أفضل ما عندهم، كما يحدث في الرياضة مثلا».
الانفتاح عنصر أساسي في نجاح المجتمعات كما حدث في الحضارة الإسلامية التي انفتحت على ثقافات متعددة وفي عصر الميجي في اليابان عندما تم الانفتاح على الغرب في التعليم والتقنية والصناعة وعدد كبير من الحقول المختلفة. وضع الأشخاص المؤهلين في المكان الملائم هو من أبرز العوامل التي تحسن من أداء الشركات أو المؤسسات الحكومية. احترام القانون أيضا مرتبط بالقيم الأخلاقية السائدة.
يعدد المؤلف عناصر كثيرة تحدد لماذا تزدهر بعض الشعوب وتخفق أخرى. التعارض بين الفردية والجماعية، تخصيص الثقة بحدود العائلة والأصدقاء، والاشتباه بالغرباء، سيادة أفكار التسلط والهرمية والانغلاق وغياب الحرية الفكرية.
الثقافة ليست جينية بل يمكن إصلاحها وتطويرها، ولكن تجاهلها واعتبارها مسألة ثانوية أو غير مهمة، سيجعل شعوبا كثيرة ترتكب نفس الأخطاء عاما بعد عام، وقرنا بعد قرن. الاعتقاد بأن هناك أشخاصا محددين أو أعداء متربصين هم السبب في التعثر هو مجرد عذر مكرر وهروب من مواجهة مرآة الثقافة. يقول الكاتب إن التغيير لا بد أن يأتي من داخل الثقافة نفسها لأنه لا يمكن فرض شيء من خارجها. إذا لم يكن هناك استعداد ورغبة داخلية للتغيير فلن تستطيع أقوى الدول تغيير ثقافة بلد ما مهما صغر حجمه.
إذا أراد العرب أن يعرفوا ماذا حدث لهم، فعليهم أن يطرحوا السؤال الأول وينظروا فقط إلى داخل أنفسهم.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».