ماذا يحدث للعرب؟

السؤال الأهم الذي لا يشغلهم وحدهم بل العالم كله

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماذا يحدث للعرب؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

* عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ والسؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ على العرب أن يطرحوا السؤال الأول كما فعلت اليابان.
* الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات.

زعماؤهم يلاحقون في الحفر وأنابيب مياه المجاري. أطفالهم يبادون بالغازات السامة وهم نائمون. مفكروهم المستنيرون مجهولون أو ملاحقون. متعصبوهم يزدادون تعصبا ويدفعون مزيدا من المراهقين إلى الموت في كل مكان. العاطلون يغرقون على الشواطئ الأوروبية بحثا عن فرص عمل. الفوضى تعم، ومعدلات الفقر تزيد ومعدلات الأمل والسعادة تنقص. التعليم متهالك والجامعات التي اشتهرت في الماضي بروحها الخلاقة ميتة دماغيا اليوم. الفنانون يعيدون نفس الأغاني القديمة ولكن بألحان جديدة. الكل يشتكي من غياب قيم القانون والتعاون والمشاركة. عدد السكان في تزايد والشوارع مزدحمة والمدن مهترئة والمزاج السوداوي هو المسيطر.
ماذا يحدث للعرب؟! هذا هو السؤال الأهم اليوم الذي لا يشغل العرب وحدهم.
هناك بالتأكيد خلل كبير حدث أدى إلى كل هذه الانهيارات المتوالية التي لا تتوقف. الخلل يبدأ من طرح السؤال الخاطئ كما يقول المفكر الشهير برنارد لويس. عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ يقود هذا السؤال إلى إجابات ناقدة تلقي بالمسؤولية على الشعب نفسه حتى يقوم بتصحيح مساره. السؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ يقود هذا السؤال إلى سلسلة لا تنتهي من الأوهام التي تقذف الشعب في وهم المؤامرة والاضطهاد التي تلقي اللوم على الأعداء الوهميين المتربصين.
يقول مؤلف الكتاب «الحقيقة الليبرالية المركزية» لورانس هاريسون، البروفسور في جامعة تافتس الأميركية، إن اليابان طرحت على نفسها السؤال الأول وأقلعت حضاريا بعدها، وبلدان كثيرة، بينها الكثير من البلدان العربية، اختارت السؤال الثاني وما زالت تعاني من التراجع والتفكك، وتصحو كل يوم على فكرة محاربة الأعداء والغزاة المتخيلين الذين يسعون لإذلالها وتحطيم مجدها الهوائي. المؤلف هاريسون يدعو في غالبية كتبه إلى طرح السؤال الأول وإلغاء السؤال الثاني. أهمية السؤال الأول أنه يقود لنقد جذري للثقافة وتجنب بشكل كامل إلقاء اللوم على الآخرين. الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة، هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات. إنها، كما يقول توكوفيل، عادات القلب والانطباعات التي تملك الإنسان والأفكار التي تشكل عادات تفكيره. يقول الكاتب بأنه من المريح على الخبراء إلقاء اللوم على الموانع الجغرافية والسياسات السيئة والمؤسسات الضعيفة لتبرير الخلل، ولكنهم في الواقع يتحاشون التطرق للأسباب الثقافية العميقة للنجاح والفشل، للفقر والثراء، لأنها تجرح الشعور وتثير الحساسيات. هاريسون يقول إنه عرف أن الثقافة هي المشكلة الأساسية ليس فقط من خلال القراءة ولكن عن طريقة التجربة. هو نفسه عمل لسنوات في مشروع التنمية الدولية المخصص من قبل الحكومة الأميركية لتنمية عدد من بلدان أميركا الجنوبية، ولكن النجاح صعب لأن التقدم بحاجة إلى ثقافة تدعمه.
لكن ما العناصر الثقافية التي تدفع بعض الشعوب والأمم إلى الأمام أو تدفع بأخرى إلى الوراء؟ يذكر هاريسون في كتابه الكثير منها.
التعاليم الدينية، كما يقول المؤلف، من أقوى العناصر التي تدفع إلى التقدم إذا ما اتسمت بالعقلانية والموضوعية، ودعت إلى قيم الكد والعمل وجمع الثروة. هذا هو السبب تحديدا الذي جعل الدول البروتستانتية في أوروبا مثلا أسرع في النهوض اقتصاديا وصناعيا من الدول الكاثوليكية. الثقافة الكاثوليكية قاومت أفكار النجاح الشخصي ودعت للاهتمام أكثر بالعالم الآخر والتقليل من قيمة الحياة والمال. هناك أيضا بعض التعاليم الدينية التي تدعو صراحة للخرافة واللاعقلانية وتزرع هذه الشفرة الأخلاقية بعقول متبعيها مما يؤدي إلى إخراجهم من منطق العالم وكيفية الازدهار فيه. كلما زادت قوة الشعب أحب هذا العالم وسعى بشكل مستمر لتطوير ذاته ودفعه للأمام، وهذا على العكس من الشعوب الأخرى التي تعلن الاستقالة منه لأنها لا تجد فيه أي إحساس بالنجاح والتفوق.
النظرة للمستقبل هي من أهم العناصر الثقافية التي تؤدي أيضا إلى ثراء شعوب وفقر شعوب أخرى. الثقافات المتطورة تركز بشكل أساسي على المستقبل لأنها تسعى دائما للتغيير والتقدم وإثبات أهميتها وقيمتها. هناك فكرة محورية تشكل طريقة تفكيرها وهي: العصر الذهبي للإنسان هو في المستقبل وليس الماضي. هذا على العكس من الثقافات التي تسكنها فكرة أن الماضي أفضل من الحاضر وبالتأكيد أفضل من المستقبل الموحش. هذه الفكرة الأساسية تحركها فكرة التثبيط التي تمنع الفرد من أن يصمم بشكل لا ينكسر على خلق مستقبل باهر لنفسه، لأنه محاط بكل المحبطات الممكنة. في المجتمعات الزراعية، يقول الكاتب، بأن هناك عقلية الخير المحدود في هذا الدنيا. كل الأشياء المرغوبة مثل الثراء والصحة والحب والمكانة والقوة محدودة جدا لذا ليس هناك أي دافع قوي للحصول عليها.
عدم احترام الحقائق العلمية أيضا من الأسباب الثقافية التي تحرف مسار المجتمعات. إنه يجهض الأخذ بأسباب التقدم والمنافسة ويدخل الشعوب في سلسلة من الأوهام والخزعبلات. كما أنه يمثل العائق الكبير أمام التحديث الذي يعتمد بشكل أساسي على تقدير وتبني حقائق العلم. القيم الأخلاقية مثل الثقة والصدق والتعاون هي أيضا من هم الأسباب التي دفعت دولا مثل السويد والنرويج والدنمارك لتحتل قائمة الدول الأكثر نجاحا، على العكس من الثقافات التي تسيطر عليها أفكار انعدام الثقة والتعاون. نجاح الديمقراطية، كما يقول المؤلف، يعتمد على المنافسة العادلة واحترام القانون.
التعليم أيضا من أهم العناصر التي تشكل الثقافة وتدفع للتحديث أو العكس. الدول التي تمنح مكانة عالية لتعليم الجنسين هي الأكثر قدرة على التطور. في عام 1905، وبينما كانت نسبة الأمية عالية في عدد كبير من الدول، كان 90٪ من الصغار اليابانيين الأولاد والفتيات يذهبون إلى المدارس. السويد أول من حاربت الأمية في التاريخ، ولم يبق منها سوى 20٪ عام 1680. قيمة العمل من أجل تحقيق حياة جيدة هي أيضا من أهم العناصر الإيجابية في الثقافة. هناك أفكار عميقة في الكثير من الثقافات التي تعتبر تحقيق الحياة الجيدة لا يتحقق بالعمل ولكن من خلال القضايا الروحانية. العمل هو للطبقات السفلية في المجتمع وليس للنخبة. يقول الكاتب إن الدول الكونفوشيوسية كانت تعتبر التأمل أهم من العمل لكن هذه التعاليم تغيرت مع اليابان في القرن التاسع عشر ومع كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ. تم إعلاء قيمة العمل في الثقافة، وساهم ذلك، بين أسباب أخرى، بنجاح هذه الدول اقتصاديا.
الابتكار والتجديد هو ماكينة التنمية والتطور. من دون عقلية الابتكار والخلق، فمن الصعب على أي شعب تحديث نفسه وتطوير أفكاره. فكرة التحديث أيضا مرتبطة بفكرة المغامرة. الأفكار المغامرة والجريئة تعني أن الشخص يستطيع أن يخلق لنفسه مصيرا جديدا معتمدا على معرفته. ولكن في الثقافات التي تعتمد على فكرة أن مصيرها معروف، فإن فكرة الخلق والابتكار تظل ضعيفة أمام قوى أكبر من الشخص نفسه. ولهذا تضعف قيمة المنافسة القوية التي تعد عاملا أساسيا للنهوض. يقول الكاتب إن المنافسة مسألة مركزية في النجاح والابتكار للسياسي والمثقف والعامل في كل مجال. في المقابل، ينتشر الحسد وتسود الدعوات الطوباوية غير الواقعية في المجتمعات الراكدة التي تحارب التنافس والتحديث. تكون الفكرة السائدة هي: الجميع يخسر! في تلك الثقافات تنتقد قيم المنافسة وتمتدح قيم التعاون. ولكن التجربة أثبتت أن قيم التعاون لا تسود فيها. بل إن المنافسة، كما يقول المؤلف «هي أحد أشكال التعاون لأن المتنافسين يستفيدون من خلال التعاون حتى يظهروا أفضل ما عندهم، كما يحدث في الرياضة مثلا».
الانفتاح عنصر أساسي في نجاح المجتمعات كما حدث في الحضارة الإسلامية التي انفتحت على ثقافات متعددة وفي عصر الميجي في اليابان عندما تم الانفتاح على الغرب في التعليم والتقنية والصناعة وعدد كبير من الحقول المختلفة. وضع الأشخاص المؤهلين في المكان الملائم هو من أبرز العوامل التي تحسن من أداء الشركات أو المؤسسات الحكومية. احترام القانون أيضا مرتبط بالقيم الأخلاقية السائدة.
يعدد المؤلف عناصر كثيرة تحدد لماذا تزدهر بعض الشعوب وتخفق أخرى. التعارض بين الفردية والجماعية، تخصيص الثقة بحدود العائلة والأصدقاء، والاشتباه بالغرباء، سيادة أفكار التسلط والهرمية والانغلاق وغياب الحرية الفكرية.
الثقافة ليست جينية بل يمكن إصلاحها وتطويرها، ولكن تجاهلها واعتبارها مسألة ثانوية أو غير مهمة، سيجعل شعوبا كثيرة ترتكب نفس الأخطاء عاما بعد عام، وقرنا بعد قرن. الاعتقاد بأن هناك أشخاصا محددين أو أعداء متربصين هم السبب في التعثر هو مجرد عذر مكرر وهروب من مواجهة مرآة الثقافة. يقول الكاتب إن التغيير لا بد أن يأتي من داخل الثقافة نفسها لأنه لا يمكن فرض شيء من خارجها. إذا لم يكن هناك استعداد ورغبة داخلية للتغيير فلن تستطيع أقوى الدول تغيير ثقافة بلد ما مهما صغر حجمه.
إذا أراد العرب أن يعرفوا ماذا حدث لهم، فعليهم أن يطرحوا السؤال الأول وينظروا فقط إلى داخل أنفسهم.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».