ماذا يحدث للعرب؟

السؤال الأهم الذي لا يشغلهم وحدهم بل العالم كله

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماذا يحدث للعرب؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

* عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ والسؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ على العرب أن يطرحوا السؤال الأول كما فعلت اليابان.
* الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات.

زعماؤهم يلاحقون في الحفر وأنابيب مياه المجاري. أطفالهم يبادون بالغازات السامة وهم نائمون. مفكروهم المستنيرون مجهولون أو ملاحقون. متعصبوهم يزدادون تعصبا ويدفعون مزيدا من المراهقين إلى الموت في كل مكان. العاطلون يغرقون على الشواطئ الأوروبية بحثا عن فرص عمل. الفوضى تعم، ومعدلات الفقر تزيد ومعدلات الأمل والسعادة تنقص. التعليم متهالك والجامعات التي اشتهرت في الماضي بروحها الخلاقة ميتة دماغيا اليوم. الفنانون يعيدون نفس الأغاني القديمة ولكن بألحان جديدة. الكل يشتكي من غياب قيم القانون والتعاون والمشاركة. عدد السكان في تزايد والشوارع مزدحمة والمدن مهترئة والمزاج السوداوي هو المسيطر.
ماذا يحدث للعرب؟! هذا هو السؤال الأهم اليوم الذي لا يشغل العرب وحدهم.
هناك بالتأكيد خلل كبير حدث أدى إلى كل هذه الانهيارات المتوالية التي لا تتوقف. الخلل يبدأ من طرح السؤال الخاطئ كما يقول المفكر الشهير برنارد لويس. عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ يقود هذا السؤال إلى إجابات ناقدة تلقي بالمسؤولية على الشعب نفسه حتى يقوم بتصحيح مساره. السؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ يقود هذا السؤال إلى سلسلة لا تنتهي من الأوهام التي تقذف الشعب في وهم المؤامرة والاضطهاد التي تلقي اللوم على الأعداء الوهميين المتربصين.
يقول مؤلف الكتاب «الحقيقة الليبرالية المركزية» لورانس هاريسون، البروفسور في جامعة تافتس الأميركية، إن اليابان طرحت على نفسها السؤال الأول وأقلعت حضاريا بعدها، وبلدان كثيرة، بينها الكثير من البلدان العربية، اختارت السؤال الثاني وما زالت تعاني من التراجع والتفكك، وتصحو كل يوم على فكرة محاربة الأعداء والغزاة المتخيلين الذين يسعون لإذلالها وتحطيم مجدها الهوائي. المؤلف هاريسون يدعو في غالبية كتبه إلى طرح السؤال الأول وإلغاء السؤال الثاني. أهمية السؤال الأول أنه يقود لنقد جذري للثقافة وتجنب بشكل كامل إلقاء اللوم على الآخرين. الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة، هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات. إنها، كما يقول توكوفيل، عادات القلب والانطباعات التي تملك الإنسان والأفكار التي تشكل عادات تفكيره. يقول الكاتب بأنه من المريح على الخبراء إلقاء اللوم على الموانع الجغرافية والسياسات السيئة والمؤسسات الضعيفة لتبرير الخلل، ولكنهم في الواقع يتحاشون التطرق للأسباب الثقافية العميقة للنجاح والفشل، للفقر والثراء، لأنها تجرح الشعور وتثير الحساسيات. هاريسون يقول إنه عرف أن الثقافة هي المشكلة الأساسية ليس فقط من خلال القراءة ولكن عن طريقة التجربة. هو نفسه عمل لسنوات في مشروع التنمية الدولية المخصص من قبل الحكومة الأميركية لتنمية عدد من بلدان أميركا الجنوبية، ولكن النجاح صعب لأن التقدم بحاجة إلى ثقافة تدعمه.
لكن ما العناصر الثقافية التي تدفع بعض الشعوب والأمم إلى الأمام أو تدفع بأخرى إلى الوراء؟ يذكر هاريسون في كتابه الكثير منها.
التعاليم الدينية، كما يقول المؤلف، من أقوى العناصر التي تدفع إلى التقدم إذا ما اتسمت بالعقلانية والموضوعية، ودعت إلى قيم الكد والعمل وجمع الثروة. هذا هو السبب تحديدا الذي جعل الدول البروتستانتية في أوروبا مثلا أسرع في النهوض اقتصاديا وصناعيا من الدول الكاثوليكية. الثقافة الكاثوليكية قاومت أفكار النجاح الشخصي ودعت للاهتمام أكثر بالعالم الآخر والتقليل من قيمة الحياة والمال. هناك أيضا بعض التعاليم الدينية التي تدعو صراحة للخرافة واللاعقلانية وتزرع هذه الشفرة الأخلاقية بعقول متبعيها مما يؤدي إلى إخراجهم من منطق العالم وكيفية الازدهار فيه. كلما زادت قوة الشعب أحب هذا العالم وسعى بشكل مستمر لتطوير ذاته ودفعه للأمام، وهذا على العكس من الشعوب الأخرى التي تعلن الاستقالة منه لأنها لا تجد فيه أي إحساس بالنجاح والتفوق.
النظرة للمستقبل هي من أهم العناصر الثقافية التي تؤدي أيضا إلى ثراء شعوب وفقر شعوب أخرى. الثقافات المتطورة تركز بشكل أساسي على المستقبل لأنها تسعى دائما للتغيير والتقدم وإثبات أهميتها وقيمتها. هناك فكرة محورية تشكل طريقة تفكيرها وهي: العصر الذهبي للإنسان هو في المستقبل وليس الماضي. هذا على العكس من الثقافات التي تسكنها فكرة أن الماضي أفضل من الحاضر وبالتأكيد أفضل من المستقبل الموحش. هذه الفكرة الأساسية تحركها فكرة التثبيط التي تمنع الفرد من أن يصمم بشكل لا ينكسر على خلق مستقبل باهر لنفسه، لأنه محاط بكل المحبطات الممكنة. في المجتمعات الزراعية، يقول الكاتب، بأن هناك عقلية الخير المحدود في هذا الدنيا. كل الأشياء المرغوبة مثل الثراء والصحة والحب والمكانة والقوة محدودة جدا لذا ليس هناك أي دافع قوي للحصول عليها.
عدم احترام الحقائق العلمية أيضا من الأسباب الثقافية التي تحرف مسار المجتمعات. إنه يجهض الأخذ بأسباب التقدم والمنافسة ويدخل الشعوب في سلسلة من الأوهام والخزعبلات. كما أنه يمثل العائق الكبير أمام التحديث الذي يعتمد بشكل أساسي على تقدير وتبني حقائق العلم. القيم الأخلاقية مثل الثقة والصدق والتعاون هي أيضا من هم الأسباب التي دفعت دولا مثل السويد والنرويج والدنمارك لتحتل قائمة الدول الأكثر نجاحا، على العكس من الثقافات التي تسيطر عليها أفكار انعدام الثقة والتعاون. نجاح الديمقراطية، كما يقول المؤلف، يعتمد على المنافسة العادلة واحترام القانون.
التعليم أيضا من أهم العناصر التي تشكل الثقافة وتدفع للتحديث أو العكس. الدول التي تمنح مكانة عالية لتعليم الجنسين هي الأكثر قدرة على التطور. في عام 1905، وبينما كانت نسبة الأمية عالية في عدد كبير من الدول، كان 90٪ من الصغار اليابانيين الأولاد والفتيات يذهبون إلى المدارس. السويد أول من حاربت الأمية في التاريخ، ولم يبق منها سوى 20٪ عام 1680. قيمة العمل من أجل تحقيق حياة جيدة هي أيضا من أهم العناصر الإيجابية في الثقافة. هناك أفكار عميقة في الكثير من الثقافات التي تعتبر تحقيق الحياة الجيدة لا يتحقق بالعمل ولكن من خلال القضايا الروحانية. العمل هو للطبقات السفلية في المجتمع وليس للنخبة. يقول الكاتب إن الدول الكونفوشيوسية كانت تعتبر التأمل أهم من العمل لكن هذه التعاليم تغيرت مع اليابان في القرن التاسع عشر ومع كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ. تم إعلاء قيمة العمل في الثقافة، وساهم ذلك، بين أسباب أخرى، بنجاح هذه الدول اقتصاديا.
الابتكار والتجديد هو ماكينة التنمية والتطور. من دون عقلية الابتكار والخلق، فمن الصعب على أي شعب تحديث نفسه وتطوير أفكاره. فكرة التحديث أيضا مرتبطة بفكرة المغامرة. الأفكار المغامرة والجريئة تعني أن الشخص يستطيع أن يخلق لنفسه مصيرا جديدا معتمدا على معرفته. ولكن في الثقافات التي تعتمد على فكرة أن مصيرها معروف، فإن فكرة الخلق والابتكار تظل ضعيفة أمام قوى أكبر من الشخص نفسه. ولهذا تضعف قيمة المنافسة القوية التي تعد عاملا أساسيا للنهوض. يقول الكاتب إن المنافسة مسألة مركزية في النجاح والابتكار للسياسي والمثقف والعامل في كل مجال. في المقابل، ينتشر الحسد وتسود الدعوات الطوباوية غير الواقعية في المجتمعات الراكدة التي تحارب التنافس والتحديث. تكون الفكرة السائدة هي: الجميع يخسر! في تلك الثقافات تنتقد قيم المنافسة وتمتدح قيم التعاون. ولكن التجربة أثبتت أن قيم التعاون لا تسود فيها. بل إن المنافسة، كما يقول المؤلف «هي أحد أشكال التعاون لأن المتنافسين يستفيدون من خلال التعاون حتى يظهروا أفضل ما عندهم، كما يحدث في الرياضة مثلا».
الانفتاح عنصر أساسي في نجاح المجتمعات كما حدث في الحضارة الإسلامية التي انفتحت على ثقافات متعددة وفي عصر الميجي في اليابان عندما تم الانفتاح على الغرب في التعليم والتقنية والصناعة وعدد كبير من الحقول المختلفة. وضع الأشخاص المؤهلين في المكان الملائم هو من أبرز العوامل التي تحسن من أداء الشركات أو المؤسسات الحكومية. احترام القانون أيضا مرتبط بالقيم الأخلاقية السائدة.
يعدد المؤلف عناصر كثيرة تحدد لماذا تزدهر بعض الشعوب وتخفق أخرى. التعارض بين الفردية والجماعية، تخصيص الثقة بحدود العائلة والأصدقاء، والاشتباه بالغرباء، سيادة أفكار التسلط والهرمية والانغلاق وغياب الحرية الفكرية.
الثقافة ليست جينية بل يمكن إصلاحها وتطويرها، ولكن تجاهلها واعتبارها مسألة ثانوية أو غير مهمة، سيجعل شعوبا كثيرة ترتكب نفس الأخطاء عاما بعد عام، وقرنا بعد قرن. الاعتقاد بأن هناك أشخاصا محددين أو أعداء متربصين هم السبب في التعثر هو مجرد عذر مكرر وهروب من مواجهة مرآة الثقافة. يقول الكاتب إن التغيير لا بد أن يأتي من داخل الثقافة نفسها لأنه لا يمكن فرض شيء من خارجها. إذا لم يكن هناك استعداد ورغبة داخلية للتغيير فلن تستطيع أقوى الدول تغيير ثقافة بلد ما مهما صغر حجمه.
إذا أراد العرب أن يعرفوا ماذا حدث لهم، فعليهم أن يطرحوا السؤال الأول وينظروا فقط إلى داخل أنفسهم.



متى ينتهي زمن الوصاية على الفنان العربي؟

من أعمال الفنان ثائر هلال
من أعمال الفنان ثائر هلال
TT

متى ينتهي زمن الوصاية على الفنان العربي؟

من أعمال الفنان ثائر هلال
من أعمال الفنان ثائر هلال

كان للسوري خالد سماوي مشروع رؤيوي مهم عبر، من خلال قاعته «أيام»، عن سعته في احتواء التجارب الفنية العربية، السورية منها بشكل خاص. ولقد سعدت حين رأيت ذات مرة معرضاً للفنان ثائر هلال في قاعة «أيام بلندن». ما فعله سماوي كان ريادياً من جهة أنه كان جديداً من نوعه. فلأول مرة هناك قاعة عربية تعرض لفنانين عرب وسط لندن. وفي دبي كانت له قاعة أيضاً. ولكن سماوي كان قبل ذلك قد فشل في فرض فكرته عن الاحتكار الفني المعمول به عالمياً يوم أصدر فنانون سوريون بياناً يتخلون من خلاله عن العلاقة بقاعته.

أتذكر منهم عيد الله مراد ويوسف عبد لكي وفادي يازجي وياسر صافي. السوريون يعرفون بضاعتهم أكثر منا. من جهتي كنت أتمنى أن ينجح خالد سماوي في مشروعه. فهو رجل طموح، ما كان لشغفه بالفن أن ينطفئ لولا جرثومة الوصاية التي تصيب أصحاب القاعات الفنية الناجحين في العالم العربي. في العالم هناك وصاية يمارسها صاحب قاعة على عدد من الرسامين الذين يتعامل معهم وهو ما يُسمى الاحتكار المحدود، غير أن ما يحدث في العالم العربي أن تلك الوصاية تتحول إلى وصاية وطنية شاملة. كأن يمارس شخص بعينه وصاية على الفن التشكيلي في العراق ويمارس آخر وصاية على الفن في لبنان وهكذا.

الخوف على المال

حين بدأ اهتمام المزادات العالمية بعد أن أقامت فروعاً لها في دبي بالنتاج الفني العربي، حرصت على أن تقدم ذلك النتاج بوصفه جزءاً من بضاعتها القادمة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وليس من العالم العربي. ومن الطبيعي أن يكون لتلك المزادات خبراؤها الذين حتى وإن لم تكن لهم دراية فنية أو معرفة تاريخية بتحولات الحداثة الفنية في العالم العربي فإنهم كانوا على استعداد لصناعة تاريخ مجاور من أجل الترويج للبضاعة المعروضة. وبذلك صنعت المزادات إحداثيات زائفة، ذهب ضحيتها الكثير من رجال الأعمال العرب الذين لم يسمعوا بشيء اسمه النقد الفني، وهم لذلك لم يعدّوا ما يقوله نقاد الفن العرب مرجعاً يُعتد به. كانت كتيبات ومنشورات المزادات هي مرجعهم الوحيد الموثوق به. وإذا ما قلنا لهم اليوم «لا تصدقوا ما يقوله خبراء المزادات» فسيسخر الكثير من مقتني الأعمال الفنية منا، لا لشيء إلا لأن ذلك يؤثر على القيمة المادية للأعمال الفنية التي اقتنوها.

الأسوأ من ذلك أن الكثير من أصحاب القاعات الفنية في مختلف أنحاء العالم العربي صاروا يتحينون الفرص من أجل أن يتم عرض ما تكدس لديهم من أعمال فنية في تلك المزادات بسبب معرفتهم بحقيقة أن خبراءها لا خبرة لهم بالفن في العالم العربي وأن وصايتهم عليه مستلهمة من قوة المال لا من قوة الثقافة.

غياب سلطة النقد

لقد انتهى النقد الفني في العالم حين انتصر عليه المال. عبر أكثر من عشر سنوات لم تُعقد ندوات نقدية عن الفن في العالم العربي إلا بطريقة فقيرة بعيداً عن المراكز الحيوية التي كانت سوق الفن تحقق فيها نجاحاتها وأرباحها. لم يكن ذلك إلا انتصاراً لإرادة الخبراء الأجانب الذين نجحوا في العمل بعيداً عما يسببه نقاد الفن من صداع وإزعاج. في ذلك الفراغ تم تمرير الكثير من الأعمال المزورة كما تم إسباغ أهمية فنية على فنانين لا قيمة تاريخية أو فنية لأعمالهم.

قبل سنوات اتصلت بي سيدة نمساوية وطلبت اللقاء بي في أحد مقاهي لندن. حين التقيتها عرفت أنها اشترت مجموعة من الأعمال الورقية بنصف مليون درهم إماراتي رغبة منها في الاستثمار. حين رأيت تلك الأعمال اتضح لي أن تلك المرأة كانت ضحية لعملية استغفال، وأنها لن تتمكن من إعادة بيع ورقياتها لأنها لا قيمة لها. فجعت المرأة برأيي وكان واضحاً عليها أنها لم تصدقني. ذلك ما يفعله كل مقتني الأعمال الفنية العرب فهم لا يرغبون في أن يصدقوا أنهم كانوا ضحايا عمليات احتيال متقنة. في ظل غياب سلطة النقد الفني واختفاء النقاد أو اكتفاء بعضهم بالمتابعات الصحافية بعد أن أجبرتهم لقمة العيش على التحول إلى صحافيين، تستمر المزادات في تكريس سلطتها معتمدة على أموال المقتنين العرب.

محاولة لكسر الوصاية الأجنبية

وإذا ما تركنا المزادات وما يجري في كواليسها جانباً واتجهنا إلى أسواق الفن التي صارت تُقام سنوياً في مدن بعينها، فسنكتشف أن تلك الأسواق تُدار من قبل خبيرات أوروبيات. أصحاب القاعات الفنية العربية الذين شاركوا في العرض في تلك الأسواق يعرفون حقائق أكثر من الحقائق التي نعرفها ولكنهم لا يصرحون بها خشية على مصالحهم. ذلك لأن هناك شبكة من المنتفعين من تلك الأسواق في إمكانها أن تضر بهم أو هو ما يتوهمونه. ليس لأن المال جبان كما يُقال، بل لأن الإرادة ضعيفة. قيام سوق فنية عربية للفن هو الحل. ولكن ذلك الحل لن يكون ممكناً إلا بتضافر جهود أصحاب القاعات الفنية في العالم العربي. حقيقة أنا معجب بتجربة التعاون الحيوي والخلاق والنزيه بين غاليري مصر في القاهرة وغاليري إرم في الرياض. وفق معلوماتي، هذه هي المرة التي يتم فيها اختراق الحدود العربية بنتاج فني عربي. أجمل ما في الموضوع أن ذلك لا يتم من خلال فرض وصاية لا على الفن ولا على الفنانين. ليست الفكرة مدهشة فحسب، بل مفردات تنفيذها أيضاً. ذلك لأنها لا تقوم على تبادل ثقافي بين بلدين عربيين بقدر ما هي مساحة لعرض أعمال فنانين عرب بغض النظر عن هوياتهم الوطنية. ذلك التعاون مهم، كما أنه لا ينهي الوصاية الأجنبية على الفن في العالم العربي فحسب، بل أيضاً لأنه يمهد لولادة سوق نزيهة ومنصفة للفن.

حين حُول الفنانون إلى أجراء

في ظل غياب الملتقيات الفنية العربية نشط البعض في إقامة لقاءات فنية، غالباً ما تكون الجهات الراعية لها لا علاقة لها بالثقافة. فهي إما فنادق تسعى إلى الاستفادة من أوقات الكساد السياحي أو مصارف تقتطع الأموال التي تنفقها على النشاط الفني من الضرائب التي تدفعها. وهكذا ولدت ظاهرة اصطلح على تسميتها «السمبوزيوم». ذلك تعبير إغريقي يعني مأدبة الشرب من أجل المتعة مصحوباً بالموسيقى والرقص أو الحفلات أو المحادثة. ومن تجربتي الشخصية - وقد حضرت عدداً من تلك اللقاءات - فإن الأمر لا يخرج عن ذلك التوصيف إلا في منطقة واحدة، وهي أن القائمين على الـ«سمبوزيوم» كانوا يمارسون على الفنانين وصاية تجعلهم أشبه بالأجراء. لقد رأيت الرسامين والنحاتين يذهبون في ساعة محددة إلى العمل الذي لا ينتهون منه إلا في ساعة محددة. كان حدثاً فجائعياً أن يُطلب من الرسام أن يرسم ومن النحات أن ينحت.

كنت أشعر باليأس كلما رأيت تلك المشاهد. من الإنصاف القول هنا إن هناك مَن رفض أن ينضم إلى تلك الظاهرة حفظاً لكرامته. لذلك صار القيمون على تلك اللقاءات يتداولون فيما بينهم قوائم الفنانين الصالحين للوصاية. يشهد العالم لقاءات فنية شبيهة كل يوم. غير أنها لقاءات حرة فيها الكثير من البذخ، لا يشعر الفنان فيها بأن كرامته قد خُدشت وأنه صار أجيراً.


الإسباني لبينيتو بيريز غالدوس... البيروقراطي في متاهته

غالدوس
غالدوس
TT

الإسباني لبينيتو بيريز غالدوس... البيروقراطي في متاهته

غالدوس
غالدوس

رواية «مياو» لبينيتو بيريز غالدوس، التي صدرت في منتصف مسيرته المهنية، بترجمة مارغريت جول كوستا من الإسبانية، 302 صفحة، تصوّر معاناة موظف حكومي بيروقراطي مُسرّح من عمله.

كنت تعرّفتُ على روايات القرن التاسع عشر عندما كنتُ في الحادية عشرة من عمري، وأعيش مع عائلتي في مدريد. لكن القرن التاسع عشر الذي تعرّفتُ عليه لم يكن إسبانياً. وإذا كانت المكتبة الصغيرة للمدرسة البريطانية التي التحقتُ بها قد تضمّنت أعمالاً مترجمة لبينيتو بيريز غالدوس، فأنا لا أتذكرها، مع أن مدريد هي المدينة التي تدور فيها معظم رواياته. بدلاً من ذلك، كان هناك رفّ من روايات ديكنز، قرأتها بنهمٍ، وإن كان عشوائياً، ناسية حبكاتها وأنا أقرأها. كان غالدوس، الذي يصغر ديكنز بثلاثين عاماً قارئاً نهماً لأعمال الروائي الإنجليزي في شبابه، ويمكن ملاحظة تأثير ديكنز في شخصياته المتنوعة، وأنماطه المرسومة بشكل واسع، ومشاهده لقذارة المدن. ويشترك الكاتبان أيضاً في حماسة الإصلاح، مع أن شخصيات ديكنز في إنجلترا تُكافح التصنيع السريع، بينما في إسبانيا تُواجه شخصيات غالدوس عجز الحكومة وقوى رجعية راسخة.

غالدوس غير معروف في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، وإن لم يكن ذلك بسبب قلة جهد المترجمين والناشرين.

عندما شرعت في كتابة هذه المراجعة، تخيلت أن عدداً قليلاً فقط من كتبه قد تُرجم، ولكن في الواقع، ظهرت نحو ثلاثين رواية باللغة الإنجليزية على مدار المائة وخمسين عاماً الماضية، نُشر العديد منها أكثر من مرة. هذه الروايات لم يبقَ منها إلا القليل، ومن المرجح أن يكون القراء المعاصرون الذين سبق لهم الاطلاع على أعمال جالدوس قد قرأوا إحدى الروايتين: «فورتوناتا وجاسينتا» (1887) أو «تريستانا» (1892)، اللتين تجذبان قراء مختلفين. «فورتوناتا وجاسينتا» رواية واقعية طموحة تُصعّد من حدة الأحداث، وتُعتبر عموماً أعظم رواية إسبانية في القرن التاسع عشر. وهي تروي قصة امرأتين على علاقة برجل واحد (غير جدير بالثقة)، بالإضافة إلى قصة مدينة مدريد، من مركزها النابض بالحياة إلى ضواحيها المتوسعة. أما «تريستانا»؛ فهي رواية أقصر وأكثر غرابة، وتدور حول فتاة يتيمة في التاسعة عشرة من عمرها يتبناها صديق لوالدها ويستغلها ببراعة. وكان لويس بونويل قد حوَّلها إلى فيلم سينمائي، وأصبحت من كلاسيكيات السينما. (قام بونويل أيضاً بتكييف روايتي غالدوس «نازارين» و«هالما»، والأخيرة بعنوان «فيريديانا»).

لم تُترجم روايتا «فورتوناتا» و«جاسينتا» إلى الإنجليزية حتى عام 1973، أي بعد نحو قرن من نشرها الأصلي. ربما يُعزى ذلك جزئياً إلى حجمها الضخم، لكن هذا التأخير يُشير إلى تدني مكانة إسبانيا في أدب القرن التاسع عشر - ففي نهاية المطاف، يُعتبر طول رواية مثل: «الحرب والسلام» أو «البؤساء» وسام فخر.

وقد يُشار أيضاً إلى ميل القراء المترجمين إلى توقع أن تُناسب الأدبيات الوطنية نمطاً مُعيناً - رومانسياً وتقليدياً في حالة إسبانيا القرن التاسع عشر. عند الأجيال السابقة، كانت رواية «دونيا بيرفكتا» أشهر رواية غالدوس بالإنجليزية، وهي عمل مبكر عن أم ريفية مُسيطرة تُحبط زواج ابنتها من ابن عمها الحضري. لغتها وحبكتها ميلودرامية، وأجواء قريتها أبسط من مدريد فورتوناتا وجاسينتا متعددة الطبقات. لكن موضوعها الأساسي - إسبانيا الحديثة الليبرالية في حرب مع قوى التقاليد المفسدة - حاضر في جميع أعماله الروائية.

تحت تأثير الكوميديا الإنسانية لبلزاك، شرع غالدوس في سبعينات القرن التاسع عشر في أولى روايتين ضخمتين، إحداهما تاريخية والأخرى اجتماعية. وفي هذه الأيام، تحول الاهتمام في إسبانيا إلى روايته التاريخية: «الحلقات الوطنية»، وهي غير متوفرة في الغالب باللغة الإنجليزية. كان هذا مشروعاً ضخماً: ست وأربعون رواية، نُشرت في خمس سلاسل على مدار مسيرته المهنية، تناول فيها تاريخ الصراع المستمر بين الملكيين الإسبان والليبراليين خلال القرن التاسع عشر.

* خدمة «نيويورك تايمز»


قصيدة الحداثة في مقاربات نقدية جديدة

قصيدة الحداثة في مقاربات نقدية جديدة
TT

قصيدة الحداثة في مقاربات نقدية جديدة

قصيدة الحداثة في مقاربات نقدية جديدة

أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاب «سيمياء الخطاب الشعري... مقاربات نقدية في الشعرية المعاصرة» للناقد والأكاديمي المصري الدكتورأحمد الصغير، أستاذ الأدب العربي.

يقدم الكتاب عبر (428) صفحة من القطع المتوسط، رؤى تأويلية لعوالم قصيدة النثر، من خلال رصد الملامح الجمالية والمعرفية في قصيدة الحداثة، ويعتمد على مقاربة سيميائية تأويلية من خلال إجراءات السيمياء والتأويل عند روبرت شولز، وبيرس، وجريماس، وسعيد بنكراد، وكمال أبو ديب، وعز الدين إسماعيل، وصلاح فضل، وجابر عصفور، ومصطفى ناصف... وغيرهم.

يتكون الكتاب من مقدمة وتمهيد وتسع عشرة قراءة نقدية، منها: بنية الخطاب الدرامي في الشعرية العربية المعاصرة، بناء الرمز في قصيدة محمد سليمان، بلاغة المفارقة في توقيعات عز الدين المناصرة، تعدد الأصوات في ديوان «هكذا تكلم الكركدن» لرفعت سلام، «قراءة في الشعر الإماراتي، عين سارحة وعين مندهشة» للشاعر أسامة الدناصوري، «في المخاطرة جزء من النجاة»... قراءة في ديواني «حديقة الحيوانات ومعجزة التنفس» للشاعر حلمي سالم، قراءة في ديوان «الأيام حين تعبر خائفة» للشاعر محمود خير الله، قراءة في ديوان «الرصيف الذي يحاذي البحر» للشاعر سمير درويش، قراءة في ديوان «أركض طاوياً العالم تحت إبطي» للشاعر محمد القليني، أسفار أحمد الجعفري «قليل من النور، كي أحب البنات»، شعرية الأحلام المجهضة «لعبة الضوء وانكسار المرايا» للنوبي الجنابي، قراءة في «مساكين يعملون في البحر» للشاعر عبد الرحمن مقلد، وشكول تراثية في قصيدة علي منصور، وصوت الإسكندرية الصاخب في شعر جمال القصاص، وشعرية الحزن في ديوان «نتخلص مما نحب» للشاعر عماد غزالي، وشعرية المعنى في ديوان «في سمك خوصة» للشاعر محمد التوني، وشعرية المجاز عند أسامة الحداد.

يقول الصغير في المقدمة: تأتي أهمية هذا الكتاب من خلال الوقوف على طرح مقاربات نقدية استبصارية، معتمدة على المقاربات التطبيقية للقصيدة العربية المعاصرة تحديداً، وذلك للكشف عن بنية الخطاب الشعري في الشعرية العربية المعاصرة، مرتكزاً على منهجية معرفية محددة؛ للدخول في عوالم القصيدة المعاصرة، مستفيدة من مقاربات السيميائية والتأويلية بشكل أساس؛ لأن القصيدة العربية، في وقتنا الراهن، ليست بحاجة إلى شروح تقليدية، لأنها صارت قصيدة كونية، ثرية في المبنى والمعنى، تحتاج لأدوات نقدية متجددة، تسهم في عملية تفكيكها وتأويلاتها اللانهائية، كما يطرح البحث أدوات الخطاب الشعري التي اتكأ عليها الشعراء المعاصرون، ومن هذه الأدوات «الرمز الشعري، المفارقة بأنواعها، والدرامية، الذاتية، والسينمائية، السردية، وغيرها من الأدوات الفنية الأخرى».

يذكر أن أحمد الصغير، يعمل أستاذاً للأدب والنقد الحديث بكلية الآداب، جامعة الوادي الجديد. ومن مؤلفاته «بناء قصيدة الإبيجراما في الشعر العربي الحديث»، و«النص والقناع»، و«القصيدة السردية في شعر العامية المصرية»، و«القصيدة الدرامية في شعر عبدالرحمن الأبنودي»، و«تقنيات الشعرية في أحلام نجيب محفوظ». و«آليات الخطاب الشعري قراءة في شعر السبعينيات»، و«التجريب في أدب طه حسين».