ماذا يحدث للعرب؟

السؤال الأهم الذي لا يشغلهم وحدهم بل العالم كله

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماذا يحدث للعرب؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

* عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ والسؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ على العرب أن يطرحوا السؤال الأول كما فعلت اليابان.
* الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات.

زعماؤهم يلاحقون في الحفر وأنابيب مياه المجاري. أطفالهم يبادون بالغازات السامة وهم نائمون. مفكروهم المستنيرون مجهولون أو ملاحقون. متعصبوهم يزدادون تعصبا ويدفعون مزيدا من المراهقين إلى الموت في كل مكان. العاطلون يغرقون على الشواطئ الأوروبية بحثا عن فرص عمل. الفوضى تعم، ومعدلات الفقر تزيد ومعدلات الأمل والسعادة تنقص. التعليم متهالك والجامعات التي اشتهرت في الماضي بروحها الخلاقة ميتة دماغيا اليوم. الفنانون يعيدون نفس الأغاني القديمة ولكن بألحان جديدة. الكل يشتكي من غياب قيم القانون والتعاون والمشاركة. عدد السكان في تزايد والشوارع مزدحمة والمدن مهترئة والمزاج السوداوي هو المسيطر.
ماذا يحدث للعرب؟! هذا هو السؤال الأهم اليوم الذي لا يشغل العرب وحدهم.
هناك بالتأكيد خلل كبير حدث أدى إلى كل هذه الانهيارات المتوالية التي لا تتوقف. الخلل يبدأ من طرح السؤال الخاطئ كما يقول المفكر الشهير برنارد لويس. عندما يقع شعب ما في أزمة حضارية كبيرة فإنه في العادة يسأل نفسه سؤالا واحدا من سؤالين سيحددان طريقة تفكيره بشكل حاسم. السؤال الأول هو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ يقود هذا السؤال إلى إجابات ناقدة تلقي بالمسؤولية على الشعب نفسه حتى يقوم بتصحيح مساره. السؤال الثاني هو: من فعل بنا هذا؟ يقود هذا السؤال إلى سلسلة لا تنتهي من الأوهام التي تقذف الشعب في وهم المؤامرة والاضطهاد التي تلقي اللوم على الأعداء الوهميين المتربصين.
يقول مؤلف الكتاب «الحقيقة الليبرالية المركزية» لورانس هاريسون، البروفسور في جامعة تافتس الأميركية، إن اليابان طرحت على نفسها السؤال الأول وأقلعت حضاريا بعدها، وبلدان كثيرة، بينها الكثير من البلدان العربية، اختارت السؤال الثاني وما زالت تعاني من التراجع والتفكك، وتصحو كل يوم على فكرة محاربة الأعداء والغزاة المتخيلين الذين يسعون لإذلالها وتحطيم مجدها الهوائي. المؤلف هاريسون يدعو في غالبية كتبه إلى طرح السؤال الأول وإلغاء السؤال الثاني. أهمية السؤال الأول أنه يقود لنقد جذري للثقافة وتجنب بشكل كامل إلقاء اللوم على الآخرين. الثقافة بقيمها ومبادئها العميقة هي المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة للمريض وليست المفبركة. الثقافة هي السبب الأساسي الذي يدفع بعض الشعوب للتقدم وشعوبا أخرى للتأخر والتراجع.. الثقافة، هي أم جميع الأفراد والجماعات والمؤسسات. إنها، كما يقول توكوفيل، عادات القلب والانطباعات التي تملك الإنسان والأفكار التي تشكل عادات تفكيره. يقول الكاتب بأنه من المريح على الخبراء إلقاء اللوم على الموانع الجغرافية والسياسات السيئة والمؤسسات الضعيفة لتبرير الخلل، ولكنهم في الواقع يتحاشون التطرق للأسباب الثقافية العميقة للنجاح والفشل، للفقر والثراء، لأنها تجرح الشعور وتثير الحساسيات. هاريسون يقول إنه عرف أن الثقافة هي المشكلة الأساسية ليس فقط من خلال القراءة ولكن عن طريقة التجربة. هو نفسه عمل لسنوات في مشروع التنمية الدولية المخصص من قبل الحكومة الأميركية لتنمية عدد من بلدان أميركا الجنوبية، ولكن النجاح صعب لأن التقدم بحاجة إلى ثقافة تدعمه.
لكن ما العناصر الثقافية التي تدفع بعض الشعوب والأمم إلى الأمام أو تدفع بأخرى إلى الوراء؟ يذكر هاريسون في كتابه الكثير منها.
التعاليم الدينية، كما يقول المؤلف، من أقوى العناصر التي تدفع إلى التقدم إذا ما اتسمت بالعقلانية والموضوعية، ودعت إلى قيم الكد والعمل وجمع الثروة. هذا هو السبب تحديدا الذي جعل الدول البروتستانتية في أوروبا مثلا أسرع في النهوض اقتصاديا وصناعيا من الدول الكاثوليكية. الثقافة الكاثوليكية قاومت أفكار النجاح الشخصي ودعت للاهتمام أكثر بالعالم الآخر والتقليل من قيمة الحياة والمال. هناك أيضا بعض التعاليم الدينية التي تدعو صراحة للخرافة واللاعقلانية وتزرع هذه الشفرة الأخلاقية بعقول متبعيها مما يؤدي إلى إخراجهم من منطق العالم وكيفية الازدهار فيه. كلما زادت قوة الشعب أحب هذا العالم وسعى بشكل مستمر لتطوير ذاته ودفعه للأمام، وهذا على العكس من الشعوب الأخرى التي تعلن الاستقالة منه لأنها لا تجد فيه أي إحساس بالنجاح والتفوق.
النظرة للمستقبل هي من أهم العناصر الثقافية التي تؤدي أيضا إلى ثراء شعوب وفقر شعوب أخرى. الثقافات المتطورة تركز بشكل أساسي على المستقبل لأنها تسعى دائما للتغيير والتقدم وإثبات أهميتها وقيمتها. هناك فكرة محورية تشكل طريقة تفكيرها وهي: العصر الذهبي للإنسان هو في المستقبل وليس الماضي. هذا على العكس من الثقافات التي تسكنها فكرة أن الماضي أفضل من الحاضر وبالتأكيد أفضل من المستقبل الموحش. هذه الفكرة الأساسية تحركها فكرة التثبيط التي تمنع الفرد من أن يصمم بشكل لا ينكسر على خلق مستقبل باهر لنفسه، لأنه محاط بكل المحبطات الممكنة. في المجتمعات الزراعية، يقول الكاتب، بأن هناك عقلية الخير المحدود في هذا الدنيا. كل الأشياء المرغوبة مثل الثراء والصحة والحب والمكانة والقوة محدودة جدا لذا ليس هناك أي دافع قوي للحصول عليها.
عدم احترام الحقائق العلمية أيضا من الأسباب الثقافية التي تحرف مسار المجتمعات. إنه يجهض الأخذ بأسباب التقدم والمنافسة ويدخل الشعوب في سلسلة من الأوهام والخزعبلات. كما أنه يمثل العائق الكبير أمام التحديث الذي يعتمد بشكل أساسي على تقدير وتبني حقائق العلم. القيم الأخلاقية مثل الثقة والصدق والتعاون هي أيضا من هم الأسباب التي دفعت دولا مثل السويد والنرويج والدنمارك لتحتل قائمة الدول الأكثر نجاحا، على العكس من الثقافات التي تسيطر عليها أفكار انعدام الثقة والتعاون. نجاح الديمقراطية، كما يقول المؤلف، يعتمد على المنافسة العادلة واحترام القانون.
التعليم أيضا من أهم العناصر التي تشكل الثقافة وتدفع للتحديث أو العكس. الدول التي تمنح مكانة عالية لتعليم الجنسين هي الأكثر قدرة على التطور. في عام 1905، وبينما كانت نسبة الأمية عالية في عدد كبير من الدول، كان 90٪ من الصغار اليابانيين الأولاد والفتيات يذهبون إلى المدارس. السويد أول من حاربت الأمية في التاريخ، ولم يبق منها سوى 20٪ عام 1680. قيمة العمل من أجل تحقيق حياة جيدة هي أيضا من أهم العناصر الإيجابية في الثقافة. هناك أفكار عميقة في الكثير من الثقافات التي تعتبر تحقيق الحياة الجيدة لا يتحقق بالعمل ولكن من خلال القضايا الروحانية. العمل هو للطبقات السفلية في المجتمع وليس للنخبة. يقول الكاتب إن الدول الكونفوشيوسية كانت تعتبر التأمل أهم من العمل لكن هذه التعاليم تغيرت مع اليابان في القرن التاسع عشر ومع كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ. تم إعلاء قيمة العمل في الثقافة، وساهم ذلك، بين أسباب أخرى، بنجاح هذه الدول اقتصاديا.
الابتكار والتجديد هو ماكينة التنمية والتطور. من دون عقلية الابتكار والخلق، فمن الصعب على أي شعب تحديث نفسه وتطوير أفكاره. فكرة التحديث أيضا مرتبطة بفكرة المغامرة. الأفكار المغامرة والجريئة تعني أن الشخص يستطيع أن يخلق لنفسه مصيرا جديدا معتمدا على معرفته. ولكن في الثقافات التي تعتمد على فكرة أن مصيرها معروف، فإن فكرة الخلق والابتكار تظل ضعيفة أمام قوى أكبر من الشخص نفسه. ولهذا تضعف قيمة المنافسة القوية التي تعد عاملا أساسيا للنهوض. يقول الكاتب إن المنافسة مسألة مركزية في النجاح والابتكار للسياسي والمثقف والعامل في كل مجال. في المقابل، ينتشر الحسد وتسود الدعوات الطوباوية غير الواقعية في المجتمعات الراكدة التي تحارب التنافس والتحديث. تكون الفكرة السائدة هي: الجميع يخسر! في تلك الثقافات تنتقد قيم المنافسة وتمتدح قيم التعاون. ولكن التجربة أثبتت أن قيم التعاون لا تسود فيها. بل إن المنافسة، كما يقول المؤلف «هي أحد أشكال التعاون لأن المتنافسين يستفيدون من خلال التعاون حتى يظهروا أفضل ما عندهم، كما يحدث في الرياضة مثلا».
الانفتاح عنصر أساسي في نجاح المجتمعات كما حدث في الحضارة الإسلامية التي انفتحت على ثقافات متعددة وفي عصر الميجي في اليابان عندما تم الانفتاح على الغرب في التعليم والتقنية والصناعة وعدد كبير من الحقول المختلفة. وضع الأشخاص المؤهلين في المكان الملائم هو من أبرز العوامل التي تحسن من أداء الشركات أو المؤسسات الحكومية. احترام القانون أيضا مرتبط بالقيم الأخلاقية السائدة.
يعدد المؤلف عناصر كثيرة تحدد لماذا تزدهر بعض الشعوب وتخفق أخرى. التعارض بين الفردية والجماعية، تخصيص الثقة بحدود العائلة والأصدقاء، والاشتباه بالغرباء، سيادة أفكار التسلط والهرمية والانغلاق وغياب الحرية الفكرية.
الثقافة ليست جينية بل يمكن إصلاحها وتطويرها، ولكن تجاهلها واعتبارها مسألة ثانوية أو غير مهمة، سيجعل شعوبا كثيرة ترتكب نفس الأخطاء عاما بعد عام، وقرنا بعد قرن. الاعتقاد بأن هناك أشخاصا محددين أو أعداء متربصين هم السبب في التعثر هو مجرد عذر مكرر وهروب من مواجهة مرآة الثقافة. يقول الكاتب إن التغيير لا بد أن يأتي من داخل الثقافة نفسها لأنه لا يمكن فرض شيء من خارجها. إذا لم يكن هناك استعداد ورغبة داخلية للتغيير فلن تستطيع أقوى الدول تغيير ثقافة بلد ما مهما صغر حجمه.
إذا أراد العرب أن يعرفوا ماذا حدث لهم، فعليهم أن يطرحوا السؤال الأول وينظروا فقط إلى داخل أنفسهم.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.