الأسواق الجديدة أصبحت تفرض تصاميم طويلة ومحتشمة

الشرق يسحر الغرب بغموضه وثرائه

من عرض «دولتشي أند غابانا» لهذا الصيف - من عرض «تروساردي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «غوتشي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «دولتشي أند غابانا» في ميلانو
من عرض «دولتشي أند غابانا» لهذا الصيف - من عرض «تروساردي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «غوتشي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «دولتشي أند غابانا» في ميلانو
TT

الأسواق الجديدة أصبحت تفرض تصاميم طويلة ومحتشمة

من عرض «دولتشي أند غابانا» لهذا الصيف - من عرض «تروساردي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «غوتشي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «دولتشي أند غابانا» في ميلانو
من عرض «دولتشي أند غابانا» لهذا الصيف - من عرض «تروساردي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «غوتشي» - من عرض «فالنتينو» - من عرض «دولتشي أند غابانا» في ميلانو

هناك تصاميم نتفاجأ بها على منصات العروض لأننا لا نفهم إن كانت صادرة من تصور شخصي للأناقة، أو توددا لبيئة ستُسوق لها هذه التصاميم بعد ستة أشهر. ففستان طويل بأكمام وياقة عالية، أو تنورة «ماكسي» مع أوشحة أو قبعات وعمامات تغطي الرأس قد تكون مجرد فكرة طرأت على مخيلة المصمم وهو يتابع فيلما سينمائيا، أو يقرأ رواية رومانسية، أو يزور مكانا بعيدا، لكن قد تكون أيضًا مُحملة بمعان وإيحاءات ثقافية وإثنية تفرضها أسواق لها قوة شرائية مهمة.
وسواء كان هذا أو ذاك، فإن النتيجة تصب في صالح المستهلك عموما. والصورة التي تطغى على منصات عروض الأزياء في السنوات الأخيرة مُفعمة بالرزانة والأناقة في الوقت ذاته، مع إيحاءات شرقية تلمسها حينا في سخاء الأقمشة التي تلتف حول الجسم، وحينا في النقشات الإثنية والتطريزات الغنية، وحينا آخر في التصاميم المحتشمة الطويلة. وتفسير المصممين أن الزمن تغير، ومعه تغير مفهوم الإثارة الذي كان إلى عهد قريب يعتمد على كشف مفاتن الجسد. مفهوم بدأه الراحل جياني فرساتشي في الثمانينات، وعززه توم فورد خلال عهده في دار «غوتشي»، ولم يستطع أحد بعدهما أن يعيد له قوته. الإثارة في الوقت الحالي مختلفة من ناحية أنها تعتمد على فكر وثقافة، كما على فنية تخاطب كل العالم. صحيح أنها تعطي الانطباع بأن المصممين يغازلون الشرق، وتحديدا المرأة العربية، إلا أنهم، ولحسن حظهم، لقيت قبولا من طرف كل نساء العالم، بغض النظر عن جنسياتهن، وكأنهن كن يتقن إليها. فأينما وجهت نظرك حاليا، تجد فساتين وتنورات طويلة وقمصانا بياقات عالية وأكمام، إلى جانب قبعات وأوشحة، تعقد على شكل عمامات، من وحي الشرق.
منذ نحو عشر سنوات تقريبا، سئل المخضرم كارل لاغرفيلد، مصمم دار «شانيل»، عن تشكيلة قدمها حينذاك وغلبت عليها الرزانة، فكان رده: إن عالم الموضة لا يعيش بمعزل عن الناس ولا الأحداث التي يشهدها العالم، في إشارة إلى الأحداث التي كانت تمر بها منطقة الشرق الأوسط. ومرت السنوات، وتوالت التشكيلات من قبل مصممين آخرين التقطوا الإشارة منه، وقدموا اقتراحات يصُب معظمها في نفس الأسلوب. ولا نقصد هنا حماس الثنائي الإيطالي دومينيكو دولتشي وستيفانو غابانا لمغازلة هذه السوق أخيرا، لأنه كان حماسا تجاريا مبالغا فيه. ولأنهما قرآ الرسالة بشكل حرفي و«ربحي»، ردا عليها بمحلية وإغراق في العادي، لتكون النتيجة مجموعة من العباءات لم تقدم جديدا لامرأة متذوقة أنيقة ترغب فيما يعبر عن ثقافتها ويحترم بيئتها بأسلوب عالمي.
دار «فالنتينو» كانت أفضل من جسد هذه الرغبة. فمنذ أن تسلمت ماريا غراتزيا تشيوري وبيير باولو بيكيولي مفاتيح الدار، بعد تقاعد مؤسسها فالنتينو غارافاني، ركزا على التطريز والفنية كما على التصاميم الطويلة، ونجحا في تسويقها حتى للمرأة التي كانت سابقا متشبعة بالأسلوب الجريء، وتشعر بأن الأنوثة مرادفة للإثارة.
بجمال تصاميمهما، أكدا أن الأنوثة لا تعني كشف المستور قدر ما هي غموض وفنية. وسرعان ما لمست وترا حساسا بداخل كل نساء العالم، وإن كان واضحا منذ البداية، إنها موجة تصب في صالح المرأة العربية، هذا إذا لم تكن موجهة لها أساسا بطريقة ذكية خفية، بحكم أن شركة «مايهولا» القطرية للاستثمار تملك حصة كبيرة من «فالنتينو»، وبحكم أن الغرب بات يعرف جيدا أن المرأة العربية تمتلك قدرات شرائية لا يستهان بها. كان الرهان عاليا لكنهم ربحوا، فدار «فالنتينو»، مثلا، تسجل أرباحا سنوية عالية على الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية التي أثرت على بيوت أخرى، مع أنها لم تستسهل وتقدم تصاميم مثيرة تلعب على الحواس.
وقد قامت البروفسور رينا لويس، من «لندن كوليدج» للموضة، بعدة أبحاث في هذا المجال للتعرف على من يُقبل عليها، ومن أين تستمد قوتها، وتفاجأت أن التصاميم المحتشمة أو الرزينة تنتشر بين شرائح الشابات أكثر، بغض النظر عن أصولهن ومذاهبهن الدينية والثقافية والإثنية. فصناع الموضة بالنسبة لبعضهن، لم يكونوا يخاطبوهن سابقا بهذا الشكل المباشر، الأمر الذي كان يتطلب منهن جهدا أكبر لتطويع ما هو مطروح في الأسواق، تارة باعتماد أسلوب الطبقات المتعددة، وتارة باللجوء إلى خياطات يستنسخن لهن قطعا من الموضة يُضفن إليها أكماما أو يزدن من طولها. الآن لم يعدن بحاجة إلى ذلك، فالخيارات التي يقدمها المصممون كثيرة ومتنوعة.
والنتيجة التي توصلت إليها البروفسور رينا لويس تؤكدها أيضًا المجلات البراقة التي تنشر صور جيل الشابات اللواتي فرضن أسلوبهن على السوق، مثل دوقة كايمبريدج، كايت ميدلتون، التي خاصمت منذ البداية أزياء الإغراء لصالح أزياء كلاسيكية راقية، تخفي أكثر مما تُظهر. ففستان زفافها على الأمير الإنجليزي، ويليام، كان مثالا على هذا، إلى جانب فساتين السهرة التي تعتمدها إلى الآن في المناسبات الكبيرة. ونجمات هوليوود، باستثناء المغنيات، أجمعن أيضًا على أن الغموض أجمل، وعبرن عن قناعتهن هذه بظهورهن في المهرجانات بتصاميم رزينة، لا سيما الثلاثينيات منهن. ومن جهتهم، يقول المصممون إن ما شجعهم على ركوب هذه الموجة هو المرأة التي راهنوا عليها، فهي ناجحة واثقة بنفسها لا تشعر بأنها بحاجة إلى استغلال أنوثتها للوصول إلى مبتغاها. وهكذا، بعد أن كانت نساء الجيل السابق يرتدين أزياء مغرية لإرضاء أو جذب أنظار الغير ونيل إعجابهم، تريد بنات هذا الجيل أرضاء أنفسهن بارتداء ما يروق لهن ويريحهن. والمريح هنا يعني أن ينسين ما يلبسن حتى يركزن على ما هو أهم، سواء كان القيام بأعمالهن على أحسن وجه، أو الاستمتاع بسهراتهن دون خوف من أي حرج قد ينتج عن خطأ يسببه لهن فستان قصير أو ياقة مفتوحة بشكل مبالغ فيه. وما يُحسب لهذه الشريحة أنها تنظر إلى الموضة من منظور عملي، ولا تريد التنازل عن أناقتها بقدر ما تريدها أن تخدمها.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.