الإرهاب يضرب فرنسا مجددًا.. واثنان من «داعش» يقتلان كاهنًا

أحد منفذي الهجوم حاول التوجه إلى سوريا وكان يخضع للرقابة بسوار إلكتروني

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته موقع كنيسة بشمال فرنسا قتل بها كاهن ذبحًا حسب مصادر أمنية في باريس أمس (رويترز) - انتشار أمني خارج كنيسة ببلدة «سان- إيتيان دي روفراي»، شمال فرنسا بعد أن تمكنت الشرطة من إنهاء عملية احتجاز رهائن أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته موقع كنيسة بشمال فرنسا قتل بها كاهن ذبحًا حسب مصادر أمنية في باريس أمس (رويترز) - انتشار أمني خارج كنيسة ببلدة «سان- إيتيان دي روفراي»، شمال فرنسا بعد أن تمكنت الشرطة من إنهاء عملية احتجاز رهائن أمس (رويترز)
TT

الإرهاب يضرب فرنسا مجددًا.. واثنان من «داعش» يقتلان كاهنًا

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته موقع كنيسة بشمال فرنسا قتل بها كاهن ذبحًا حسب مصادر أمنية في باريس أمس (رويترز) - انتشار أمني خارج كنيسة ببلدة «سان- إيتيان دي روفراي»، شمال فرنسا بعد أن تمكنت الشرطة من إنهاء عملية احتجاز رهائن أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لدى زيارته موقع كنيسة بشمال فرنسا قتل بها كاهن ذبحًا حسب مصادر أمنية في باريس أمس (رويترز) - انتشار أمني خارج كنيسة ببلدة «سان- إيتيان دي روفراي»، شمال فرنسا بعد أن تمكنت الشرطة من إنهاء عملية احتجاز رهائن أمس (رويترز)

في 19 أبريل (نيسان) من العام الماضي، أوقفت الشرطة طالبا جزائري الجنسية اسمه سيد أحمد غلام على بعد خطوات من مكان إقامته في الدائرة الثالثة عشرة من باريس بعد أن أصاب نفسه بطلق ناري، كما وجدت على المقعد الخلفي من سيارته امرأة تعمل مدربة رياضية عمرها 32 عاما أطلقت على رأسها رصاصة من المسدس الذي عثر عليه مع غلام. وعند «استنطاق» جهاز الكومبيوتر المحمول العائد للطالب الجزائري، تبين بوضح أنه على علاقة بتنظيمات إرهابية. وما لفت انتباه المحققين رسالة مشفرة باللغة العربية تدعوه إلى «استهداف كنيسة تضم كثيرًا من الناس». ولأن غلام القابع اليوم في السجن بانتظار محاكمته حول كنيسة سان سير في مدينة «فيل جويف» الواقعة على مدخل باريس الجنوبي وليس بعيدا عن مكان إقامته، فإن المحققين توصلوا إلى قناعة مفادها أن «الهدف» كان الكنيسة المذكورة التي لم ينج المصلون الذين يرتادونها من موت محقق إلا بفضل انعدام خبرة غلام في استخدام الأسلحة النارية لأنه أصاب نفسه بنفسه وقاد الشرطة للقبض عليه. هذه الواقعة عادت إلى الواجهة بعد أن تبين بشكل قاطع أن المهاجمين اللذين اقتحما في التاسعة والنصف من صباح أمس كنيسة مدينة «سان إتيان دو روفريه» خلال القداس الصباحي. والرجلان اللذان لم تكشف الشرطة عن هويتهما حتى بعد ظهر أمس، تبين سريعا أنهما ارتكبا عملا إرهابيا إضافيا بعد المجزرة التي ارتكبها الإرهابي من أصل تونسي محمد لحويج بوهلال في مدينة نيس الفرنسية الساحلية ليلة 14 يوليو (تموز) والتي حصدت 84 قتيلا وأوقعت 350 جريحا ما زال 15 منهم في حالة صراع بين الحياة والموت. وسارع الرئيس فرنسوا هولاند ووزير داخليته برنار كازنوف إلى المدينة الواقعة في منطقة النورماندي، على بعد عشرة كلم من مدينة روان. ولم يتردد هولاند في وصف ذبح كاهن الكنيسة جاك هامل وعمره 84 عاما وإصابة راهبة بجروح بليغة وإصابة ثلاثة آخرين بأنه «من فعل إرهابيين ينتميان إلى (داعش)». كذلك، فإن التنظيم المذكور سارع إلى تبني العملية من خلال وكالة «أعماق» الإخبارية التي تعد قناته التقليدية وذراعه الإعلامية لبث أخباره ودعايته السياسية.
وجاء في بيان الوكالة أن «جنديين من جنود الخلافة» قاما بتنفيذ عملية الكنيسة وأنهما «استجابا للنداءات الداعية لاستهداف الدول الضالعة في التحالف الدولي» الذي يحارب «داعش» في العراق وسوريا.
في التاسعة والنصف من صباح أمس، اقتحم الإرهابيان الكنيسة من الباب الخلفي وحصل ذلك خلال القداس الصباحي. وسار الإرهابيان وفق الشهادات التي جمعتها القوى الأمنية إلى إقفال أبواب الكنيسة من الداخل فيما يبدو أنه عملية احتجاز رهائن قليلي العدد لأن كل من وجد في الكنيسة في هذه الفترة لا يزيد على ستة أشخاص هما كاهنان وراهبتان ومدنيان. لكن راهبة نجحت في الخروج وطلبت النجدة فسارعت مجموعة من القوات الخاصة التابعة لجهاز الشرطة من مدينة روان نحو سان إتيان دو روفريه. ويبدو أن الإرهابيين عمدا سريعا إلى ذبح الكاهن جاك هامل وإصابة راهبة بجروح بالغة قبل أن يقررا مغادرة الكنيسة. ولكن عند خروجهما، كانت قوة التدخل التابعة للشرطة بانتظارهما فأطلقت عليهما النار وأردتهما قتيلين. بعدها عمدت القوة إلى التأكد من خلو الكنيسة من الألغام وكذلك محيطها المباشر. وسريعا، استحوذت النيابة العامة المولجة المسائل الإرهابية على الملف وأوكلت إلى جهاز أمني متخصص القيام بالتحقيقات وجلاء ما حصل.
وأعلن النائب العام الفرنسي، فرنسوا مولنز، أمس، أنه تم التعرف على هوية أحد منفذي الاعتداء على كنيسة بفرنسا، وهو عادل كرميش من مواليد فرنسا، يبلغ من العمر 19 عاما، وهو معروف لدى أجهزة الأمن حيث حاول مرتين التوجه إلى سوريا وكان يخضع للمراقبة بسوار إلكتروني حين نفذ الاعتداء.
وفي ردة فعل أولى على العملية الإرهابية الجديدة، قال الرئيس هولاند لدى وصوله إلى موقع الجريمة إن فرنسا «تواجه تنظيم داعش الذي أعلن عليها الحرب ويتعين علينا القيام بها بالوسائل كافة مع احترام القانون وهو ما يجعلنا نقول إننا ديمقراطية». ووصف هولاند العملية بأنها «إرهابية وكريهة» وهي إن استهدفت الكنيسة الكاثوليكية «لكن الفرنسيين جميعا معنيون بها». وككل مرة، دعا هولاند إلى المحافظة على وحدة الصف الوطني فيما يبدو أنه رسالة موجهة للمعارضة التي لم تتردد كثيرا قبل أن تفتح النار على الحكومة بعد مجزرة مدينة نيس. وحذر الرئيس هولاند مواطنيه من أن التهديد الإرهابي ما زال «مرتفعا جدا» الأمر الذي يبينه تسارع العمليات والهجمات في فرنسا ولكن أيضا في ألمانيا. وأفاد هولاند أنه يدعو إلى اجتماع لأعضاء «مؤتمر ممثلي الأديان» في فرنسا صباح اليوم في قصر الإليزيه فيما استقبل مساء مطران مدينة روان الذي تتبع مدينة سان إتيان دو روفريه لسلطته الروحية. وجاءت ردة فعل رئيس الحكومة مانويل فالس في السياق نفسه؛ إذ أعلن في تغريدة على حسابه على «تويتر» أن ما حصل هو «هجوم همجي على كنيسة» داعيا الفرنسيين إلى «الوقوف صفا واحدا» في مواجهة الإرهاب. ومن جهته، أدان البابا فرنسيس «بأقوى العابرات» الجريمة «البربرية» التي ارتكبت في الكنيسة، معربا عن «صدمته» من العنف «الهمجي» الذي «ارتكب في كنيسة هي مكان مقدس لعبادة الله». أما مطران منطقة روان، لوبران، فقد دعا المؤمنين وغير المؤمنين إلى الاتحاد، مضيفا أن الكنيسة الكاثوليكية «لا تستطيع اللجوء إلى سلاح آخر سوى الصلاة والدعوة إلى التآخي بين الناس».
الحقيقة أن رغبة هولاند في بقاء الفرنسيين على موقف واحد في مواجهة الإرهاب لا يبدو أمرا متوقعا. فردود الفعل خصوصا السياسية منها تفاوتت بتفاوت الانتماء السياسي، حيث يعتبر اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف أن الحكومة عاجزة عن محاربة الإرهاب بشكل ناجع وأن التدابير التي تتخذها غير كافية. وما يزيد من حدة الردود العنيفة أن هذه العملية بعد 12 يوما فقط من عملية «متنزه الإنجليز» في نيس فيما لم يهدأ الجدل الخاص بالتدابير الأمنية التي كانت السلطات قد أقرتها لحماية الاحتفال بالعيد الوطني في المدينة اللازوردية. وما سيزيد من دون أدنى شك من عنف ردود الفعل أن مرتكبي العملية الإرهابية لم يكونا نكرة لدى الأجهزة الأمنية. وأفادت المعلومات أن كلا الرجلين في العشرين من العمر وأنهما «من منطقة النورماندي» وأن أحدهما من المدينة نفسها التي ارتكبت فيها العملية الإرهابية. والثابت أن أحد الرجلين تم القبض عليه العام الماضي لدى عودته من تركيا إلى فرنسا بعد محاولته الالتحاق بتنظيم داعش في سوريا، ثم أطلق سراحه مع إجباره على حمل أسورة إلكترونية تدل على مكان وجوده باستمرار.
وبحسب معلومات صحافية، فإن النيابة العامة رفضت إخلاء سبيل الشخص المعني. إلا أن القاضي المولج متابعة القضية كان له رأي آخر. كذلك، فإن اسم هذا الشخص موجود على لائحة الأشخاص الذين ينظر إليهم على أنهم يشكلون تهديدا للأمن ويتعين بالتالي الاستمرار بمراقبتهم. وتفيد المعلومات الأولية التي تحتاج إلى تأكيد أن الشرطة المحلية تعرف على أحد الرجلين الذي كان يقيم في حي كثيف السكن في مدنية سان إتيان دو روفريه وأن صورته أقرب إلى «أحد الرعاع المحليين» منه إلى المتدين المتعمق بالدين. وإضافة إلى الأسلحة البيضاء، كان أحد الرجلين يحمل حزاما ناسفا وهميا وتتدلى من جسمه أشرطة وربما هذه الصورة هي التي دفعت قوة التدخل إلى التصويب عليهما لقتلهما وليس للقبض عليهما.
بالنظر إلى مجموع هذه العناصر، بدت ردود الفعل السياسية بالغة الانتقاد للحكومة الفرنسية. وقال نيكولا ساركوزي، الرئيس السابق ورئيس حزب الجمهوريين اليمين المعارض إنه «يتعين علينا أن نكون بلا رأفة» في محاربة الإرهاب، مضيفا أن على الفرنسيين أن يفهموا الحاجة لأن نغير في العمق استراتيجيتنا ما يشكل انتقادا مباشرا لسياسة الحكومة التي عمدت إلى مد حالة الطوارئ حتى نهاية العام. وبحسب ساركوزي، فإن العدو «ليست لديه محرمات (في إشارة إلى الكنيسة) ولا حدود ولا أخلاق، ولذا علينا أن نكون بلا شفقة». وبرأيه، فإن الحجج القانونية والأعذار التي تمنع القيام بأعمال جذرية «لم تعد مقبولة». وتوجه ساركوزي للحكومة إياها للعمل بكل المقترحات التي قدمها حزبه منذ أشهر من غير تأخير. وأضاف: «لا نريد أن نضيع مزيدا من الوقت ولا مجال إلا لخوضها من أجل أن ننتصر فيها».
وفي السياق عينه، انتقدت مارين لوبن، زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف أداء الحكومة الحالية في محاربة الإرهاب، ولكن أيضا الحكومات السابقة وقالت في تغريدة لها إن «مسؤولية الذين يحكموننا منذ ثلاثين عاما كبيرة جدا ورؤيتهم يثرثرون (حول محاربة الإرهاب) فيها ما يدفعنا للغضب». ومساء، أفادت تقارير إعلامية أن قوى الأمن قبضت على شخص واحد وأوقفته رهن التحقيق لكن لم تعرف علاقته بالشخصين المعنيين.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.