تركيا تواصل حملة تطهير المؤسسات بعد الانقلاب الفاشل.. والنصيب الأكبر للتعليم

إبعاد 21 ألف معلم وإلغاء أكثر من 10 آلاف جواز سفر

أنصار فريق بيسيكتاس التركي يحملون علما كبيرا لتركيا في ساحة تقسيم بإسطنبول تنديدا بالإنقلاب الفاشل (أ.ف.ب)
أنصار فريق بيسيكتاس التركي يحملون علما كبيرا لتركيا في ساحة تقسيم بإسطنبول تنديدا بالإنقلاب الفاشل (أ.ف.ب)
TT

تركيا تواصل حملة تطهير المؤسسات بعد الانقلاب الفاشل.. والنصيب الأكبر للتعليم

أنصار فريق بيسيكتاس التركي يحملون علما كبيرا لتركيا في ساحة تقسيم بإسطنبول تنديدا بالإنقلاب الفاشل (أ.ف.ب)
أنصار فريق بيسيكتاس التركي يحملون علما كبيرا لتركيا في ساحة تقسيم بإسطنبول تنديدا بالإنقلاب الفاشل (أ.ف.ب)

تواصلت حملة الاعتقالات والإقالات التي أطلقتها السلطات التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) الحالي. وارتفعت حصيلة العسكريين الموقوفين من ذوي الرتب الرفيعة حتى أمس إلى 133 جنرالاً وأميرالاً صدر قرار بحبس 126 منهم على ذمة التحقيق. واعتقلت قوات الأمن التركية عددا كبيرا من العسكريين، بينهم جنرالات وأميرالات، في إطار التحقيقات التي بدأت في أنحاء البلاد. وبعد استكمال استجوابهم من قبل النيابة العامة، أحيل عدد من الموقوفين إلى المحكمة بطلب سجنهم بتهم منها انتهاك الدستور، ومحاولة اغتيال الرئيس، أو الاعتداء الفعلي عليه، وارتكاب جرم بحق السلطة التشريعية، وارتكاب جرم بحق الحكومة، وتأسيس منظمة مسلحة أو إدارتها، والقتل، وتغيير النظام الدستوري بقوة السلاح، وأمرت المحكمة بسجنهم. ولا تزال عمليات البحث عن منتسبين للقوى الأمنية صدر بحقهم قرار توقيف على خلفية الانقلاب الفاشل مستمرة.
كما صدر قرار اعتقال بحق 283 جنديًا في قوات الحرس الجمهوري من بينهم الجنود الذين شاركوا في مداهمة قناة «تي آر تي» الحكومية ليلة محاولة الانقلاب. وقالت مصادر أمنية إن المحكمة أصدرت قرار الاعتقال بحق 283 جنديًا من أصل 300 جندي في الحرس الجمهوري، وتم نقل الجنود المعتقلين من مقر قوات الحرس إلى مديرية أمن أنقرة بواسطة حافلات البلدية تحت حراسة مشددة من عربات مصفحة وقوات الشرطة الخاصة التي دعمت هذه الحملة.
واستقبلت مجموعة من الشرطة إردوغان لدى زيارته للبرلمان التركي أول من أمس بدلاً عن الحرس الجمهوري.
كما اعتقلت السلطات التركية العقيد الركن معمر أويجار المسؤول عن إغلاق جسري إسطنبول خلال محاولة الانقلاب الفاشلة، بعد أن عثرت عليه مختبئا في خزانة ملابس بمنزل أحد أقربائه بولاية أنطاليا جنوب تركيا.
وذكرت مصادر أمنية أن «أويجار» كان مشاركا في مجموعة تطبيق الـ«واتس آب»، التي أنشأها الضباط للتنسيق فيما بينهم خلال محاولة الانقلاب، بصفته رائدا في الجيش وليس عميد ركن كما تبين لاحقا.
وأظهرت محادثات المجموعة الانقلابية عبر التطبيق، مشاركة «أويجار» بشكل فعال في محاولة الانقلاب وقتل عدد من الجنود والمتظاهرين الأتراك، من خلال الرسائل التي بعثها إلى المجموعة من قبيل «توجد اشتباكات عنيفة في كولالي وإننا نطلق النار على المجموعة»، و«هل يمكننا مهاجمة الجسر الثاني بالطائرات؟»، و«لا بد من إسكات المساجد»، و«لقد قتلنا 4 أشخاص مقاومين في شنجال، لا توجد مشكلة».
في الوقت نفسه أطلق المدعي العام التركي في أنقرة هارون كودالاك أمس السبت، سراح 1200 جندي موقوف ممن غُرّر بهم خلال محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقال كودالاك، في تصريح لوكالة أنباء الأناضول: «هؤلاء الجنود الأتراك لم يتورطوا بمحاولة الانقلاب الفاشلة»، مؤكّدا أنه لم يتم «إطلاق سراح عسكريين من ذوي الرتب حتى اليوم».
وأوضح كودالاك، أن التحقيقات لا تزال مستمرة بحق الموقوفين، قائلاً: «نحن نتحدث عن الجنود الذين لم يفهموا مجريات الأحداث ولم يطلقوا النار على المواطنين خلال محاولة الانقلاب».
وأضاف: «هناك كثير من الجنود ما زالوا موقوفين وسنعمل بسرعة على إطلاق سراح المُغرر بهم». وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن توقيف 11 ألفا و160 شخصًا، وحبس أربعة آلاف و704 آخرين، في تحقيقات تجريها النيابات العامة التركية في جميع المحافظات على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقال إردوغان في خطاب وجهه مساء الجمعة، عبر الهاتف، إلى مجموعة من المتظاهرين الرافضين للمحاولة الانقلابية تجمعوا في إحدى الميادين بمحافظة سكاريا غرب تركيا إن من بين الموقوفين والمحبوسين 167 شرطيا، وألفين و878 عسكريا، و1552 قاضيا ومدعيا عاما، و14 من أصحاب السلطات المدنية، و93 مدنيا.
وأوضح أنَّ «إعلان حالة الطوارئ، مساء الأربعاء الماضي، لا يعني عدم تجول الشعب، بل على العكس، نحن نفتح المجال أمام المواطنين، للتجمع في الميادين».
وأضاف قائلا: «فيما مضى عندما تعلن حالة الطوارئ كان الناس يهرعون إلى الأسواق من أجل شراء المؤن الغذائية وتخزينها، أما الآن فلا يوجد أي شيء من هذا القبيل، فالمواطنون يهرعون إلى الميادين من أجل التظاهر».
وأشار الرئيس التركي إلى أن «قانون الطوارئ في تركيا سيسرع من إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، وعودة القضاء إلى أداء وظيفته الطبيعية»، مجددً دعوته المواطنين، لعدم ترك الميادين، حتى إبلاغهم بذلك.
في الوقت نفسه، بلغ عدد موظفي القطاع العام، المبعدين مؤقتًا عن عملهم، أكثر من 45 ألفًا، في إطار التحقيقات الجارية من أجل تطهير المؤسسات العامة في تركيا، من العناصر المشتبه بارتباطها بمنظمة فتح الله غولن.
وواصلت المؤسسات العامة، ومن بينها رئاسة الوزراء، ووزارات الأسرة والشؤون الاجتماعية، والاقتصاد، والعلوم والصناعة والتكنولوجيا، وهيئة الإحصاء، عمليات الإبعاد المؤقت عن العمل للمشتبهين بعلاقتهم مع المنظمة الإرهابية. وفي هذا الإطار جرى إبعاد 954 موظفًا من عمله، الجمعة، ليرتفع عدد المبعدين منذ ليلة المحاولة الانقلابية إلى 45 ألفًا و484 موظفا. وأبعدت وزارة العلوم والصناعة والتكنولوجيا 560 من العاملين في المؤسسات التابعة لها، ووزارة الاقتصاد 15، ووزارة الأسرة والشؤون الاجتماعية 206.
وكان لوزارة التربية النصيب الأكبر من المبعدين عن عملهم مؤقتًا، حيث بلغ عددهم 21 ألفًا و738، بينهم 21 ألفًا و29 معلمًا.
كما أبعدت وزارة الدفاع، في وقت سابق، 262 قاضيًا ومدعيًا عسكريًّا عن عملهم مؤقتًا.
كما ألغت الحكومة 10856 جواز سفر بسبب خطر فرار أصحابها وبينها قرابة 10 آلاف جواز سفر أخضر ورمادي (جوازات رسمية)، حيث إن أصحابها إما قيد الاعتقال أو فارون. وحاملو جوازات السفر الخضراء يشملون الموظفين والنواب السابقين الذين يستطيعون السفر إلى بعض الدول دون تأشيرات، بينما يتم إصدار جوازات السفر الرمادية لمن يعملون في قطاع الحكومة والرياضيين.
وارتفع عدد المحبوسين على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة إلى 3 آلاف و290 شخصًا. وبحسب معلومات من مصادر أمنية، فإن عدد العسكريين (الجيش) المحبوسين بلغ ألفًا و552 عسكريا، من بين 6 آلاف و899 موقوفًا عسكريًا.
كما بلغ عدد أفراد الشرطة المحبوسين 178 شخصًا، إلى جانب 567 موقوفًا منهم في إطار التحقيقات ذاتها.
ووصل عدد الموقوفين من نواب المحافظين 12. حبس منهم 9 أشخاص، إلى جانب توقيف 9 قائمقامات، وحبس 4 منهم.
وفي إطار التحقيقات، أوقفت السلطات 45 أكاديميًا، حبس اثنان منهم، إلى جانب توقيف 122 موظفًا حكوميًا، حبس من بينهم 66 شخصًا. وفي هذا الإطار، بلغ عدد الموظفين الحكوميين الموقوفين 7 آلاف و655 شخصًا، حبس منهم ألف و811 شخصًا. وفي السلك القضائي، وصل عدد الموقوفين 355 شخصًا، فيما بلغ عدد المسجونين ألفًا و479 شخصًا. وأفاد مرسوم وقعه الرئيس رجب طيب إردوغان ونشر في الجريدة الرسمية أمس السبت، بأن مدة توقيف الأشخاص الذين يشتبه بتورطهم في الانقلاب الفاشل في 15 يوليو في تركيا، يمكن أن تصل إلى 30 يوما.
وينص المرسوم على حل آلاف الهيئات والمؤسسات وخصوصا مراكز تعليمية تعتبر مرتبطة بالداعية فتح الله غولن، الذي يقيم في الولايات المتحدة والمتهم من قبل أنقرة بتدبير الانقلاب، لكنه ينفي ذلك. وأعربت الحكومات الغربية عن قلقها من اتساع حملة التطهير، وأعلنت وزارة الداخلية أن أكثر من 4500 شخص قد أدخلوا السجن.
من ناحية أخرى، أظهرت تسجيلات جديدة لكاميرات المراقبة لحظات وصول انقلابيين إلى الفندق الذي كان يقيم فيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ليلة الانقلاب في بلدة مرمريس بمحافظة موغلا جنوب غربي البلاد لاغتياله في إطار محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقالت وكالة الأناضول إنها حصلت على تسجيلات لكاميرات مراقبة تابعة لفندق قريب من مكان إقامة الرئيس إردوغان، حيث تُظهر تقدم الانقلابيين عبر طريق ساحلي باتجاه الشارع الرئيسي في منطقة «توربان»، بعد اشتباكات مع الحرس الرئاسي.
وتظهر التسجيلات 22 جنديًا من الانقلابيين مجهّزين بعتاد كامل وهم يراقبون محيط المنطقة بين الحين والآخر عبر مناظير وأجهزة ليزر موضوعة على الأسلحة الموجودة بحوزتهم.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...