نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

اختلاف تسمياتها بين «الومضة» و«التويترية» سبب ارتباكًا في الحركة النقدية

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل
TT

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

نقاد وكتاب: القصة القصيرة جدًا هي سرد المستقبل

هل تصبح «القصة القصيرة جدا» فن المستقبل؟ أم أن القصة القصيرة جدا صارت من الماضي؟ هل القصة التويترية، إن صح التعبير، أو القصة الومضة، تعد نوعا بديلا لفن الـ«ق ق ج»؟ هنا استطلاع لآراء نقاد وكتاب حول هذا الفن وتطوراته وأهم كتابه في الوطن العربي:
ويقول الناقد الأدبي الدكتور حسين حمودة: «خلال العقود الثلاثة الماضية، تصاعدت أشكال قصصية مثلت اختبارا لحدود النوع القصصي القصير، وذهبت في ذلك مذاهب شتى، تمثلت خلالها القصة القصيرة لغة الشعر وأدواته، أو استلهمت روح (الأمثولة) أو الخاطرة أو اللوحة القصصية.. إلخ، وتمّ طرح نتاج قصصي جديد، فرض نفسه فانتبه إليه النقاد، وبدأوا يبحثون عن تسميات مناسبة له، وعن سمات أساسية في تكوينه. وخوض هذه الأشكال القصصية الجديدة قد بدأ في الأدبين العربي والغربي في فترات شبه متقاربة، يردها أغلب الباحثين إلى العقود القليلة الأخيرة الماضية. وانتشر في العقود الثلاثة الماضية شكل (القصة القصيرة جدا)، انتشارا ملحوظا في عدد من البلدان العربية، وكان قد انتشر انتشارا واسعا في الأدب المكتوب بالإنجليزية قبل ذلك بوقت قصير».
ويلفت إلى أن «القصة الومضة» flash fiction، أو «القصة المفاجئة» sudden fiction، أو «القصة المصغرة» micro - story، أو «القصة البريدية» postcard fiction، أو «القصة القصيرة جدا» short short story، بدأ التأسيس لها، اصطلاحيا، في الأدب الغربي، ابتداء من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين، وإن كان لهذا الشكل جذور قديمة تعود إلى «خرافات إيسوب» وإلى «جولستان» لسعدي الشيرازي، كما كان له إرهاصات إبداعية لاحت في بعض الأعمال لكتاب القصة القصيرة (الكلاسيكية): أو. هنري، وكافكا، وهيمنغواي، وخوليو كورتاثار، وآرثر كلارك، وراي برادبري، وفريدريك براون، وليديا ديفيز.
ويضيف: «فنيا، هناك ما يصل بين القصة القصيرة والقصة الومضة، وهناك من يلتمسون عناصر أساسية من القصة القصيرة لا تزال قائمة في القصة الومضة. لكن في القصة الومضة ما يميزها على مستوى عدد الكلمات، والأهم على مستوى طريقة الكتابة التي تنهض على التلميحات الخفية، والاستناد إلى ما لم يكتب في النص وليس على ما يتضمنه النص، بالإضافة إلى (طريقة الوصل) بين الجمل، التي تجعل القصة الومضة، أيا كانت مساحتها، أشبه بجملة واحدة».
وعن انتشارها في العالم العربي، يشير حمودة إلى أن هذا الشكل الأدبي «شاع في بلدان عربية عدة، كان منها سوريا وفلسطين، ومصر، وأيضا وبوجه خاص المغرب العربي الذي اهتم عدد من كتّابه بالإبداع خلال هذا الشكل إلى حد بدا معه وكأن القصة الومضة تمثل هوى أدبيا مغربيا. واللافت أن الكتاب الذين خاضوا الكتابة، في الأدب العربي، عبر هذا الشكل انتموا إلى أجيال متعددة؛ فإلى جانب اسم نجيب محفوظ الذي كتب في هذا الشكل، فترة الثمانينات، عمله (رأيت فيما يرى النائم)، ثم كتب نصه (أصداء السيرة الذاتية) في فترة التسعينات، ثم كتب عمله الأخير (أحلام فترة النقاهة) في بدايات هذه الألفية، نجد أيضا اسم زكريا تامر (في أكثر من مجموعة له)، كما نجد أسماء تنتمي إلى تجارب وأجيال متنوعة، منها من فلسطين: فاروق مواسى، ومحمود شقير، ومن سوريا: عزت السيد أحمد، وانتصار بعلة، ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية المرعي، ومن المغرب: حسن برطال، وعبد الله المتقي، وفاطمة بوزيان، ومن تونس: إبراهيم درغوثي.. إلخ، وفي العقد الأخير، في مصر، برزت أسماء كثيرة جدا لمبدعين ومبدعات كان اهتمامهن واهتمامهم الأساسي بالكتابة في هذا الشكل: القصة الومضة أو القصة القصيرة جدا».
وفي مقارنة لوضع «ق ق ج» ما بين العالم العربي والغربي، يوضح: «لقد انتشر هذا الشكل، في الأدب الغربي، خلال شبكة النت، وكان له مواقع مهمة مثل «فلاش فيكشن أون لاين» Flash Fiction Online و«فيستال ريفيو» Vestal Review، فضلا عن الاهتمام بنشره ورقيا على نطاق واسع، في كتب ودوريات مهمة ومنتظمة مثل «المجلة الأدبية الكندية»..Canadian literary magazine NFG، وفي سياق الاهتمام الغربي بـ«القصة الومضة»، هناك جوائز سنوية عدة تمنح للأعمال المكتوبة في هذا الشكل (مقابل جائزة تقدمها «ساقية الصاوي»، ثم مؤخرا جائزة الدولة التشجيعية، بمصر)، ومن أهم هذه الجوائز المسماة Micro Award التي أسسها في بريطانيا روبرت لافلين عام 2007. وقد توالى نشر الكتب والمختارات المكتوبة عبر هذا الشكل، كما توالى نشر الدراسات والكتب التي تتناولها بالتحليل، خلال العقدين الماضيين، ووصلت هذه وتلك إلى أعداد هائلة. فجامعة «شستر» University of Chester، مثلا (وهي ليست من أهم ولا أكبر جامعات العالم) تصدر دورية منتظمة خاصة بفن القصة القصيرة جدا، هي Flash Fiction Magazine: The International Short - Short Story Magazine.
بينما يقول الأديب منير عتيبة، حائز جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عن مجموعته القصصية القصيرة جدا «روح الحكاية»: «القصة القصيرة جدا هي إبداع مقطر، وذكاء في الكتابة والتلقي، وعمق في الفكر، وجمال في اللغة، وهي أصعب كثيرا في كتابتها من القصة القصيرة، ربما يكون السبب الأساسي في ذلك أنه كلما كان الحجم أصغر كان الخطأ أكثر وضوحا وأقل قبولا، أرى أن القصة القصيرة جدا تحمل روح الرياضيات والشعر، فكل كلمة من كلماتها رمز إشاري له دلالاته المتعددة، كما أن تكثيفها الشديد هو تكثيف مجازي له ظلال وألوان طيفية لا نهائية. ولا أظن أن الاتجاه إلى كتابتها من عدد كبير من الكتاب، ومن أجيال مختلفة، بسبب ضيق وقت الكاتب والقارئ، فالوقت هنا مجرد عامل ثانوي، لكني أعتقد أن هذا الاتجاه هو تعبير عن بعض السمات العميقة لما نسميه روح العصر».
وعلى عكس الكثيرين يرى عتيبة أن «التراث الإبداعي يقف بشدة خلف القصة القصيرة جدا معضدا وجودها، حيث إن الكثير من الأشياء قيل وبالتالي فالكاتب ليس بحاجة إلى إعادة ما قيل، يكفيه إشارة موجزة ليستدعي ذهن القارئ تفاصيل كثيرة قرأها أدبا أو شاهدها سينما من قبل، كما أن ارتفاع مستوى التعليم والثقافة والانفتاح على العالم من خلال وسائل الاتصال المتقدمة كالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية غيرت من نوعية القارئ الذي أصبح قادرا على فهم مراد الكاتب بسرعة ومن كلمات قليلة، كما أنه لا يحب أن يقال له كل شيء بل يريد أن يكون مشاركا، ولذا أصبحت (ق ق ج) نتاج جهد مشترك من الكاتب والقارئ معا».
أما المأزق الثاني فهو أخلاقي بالأساس، وهو ما يمكن أن يطلق عليه (سبوبة القصة القصيرة جدا) حيث تعقد مؤتمرات للقصة القصيرة جدا بغرض (الاسترزاق) واستنزاف أموال الكتاب (لاحظ أن كثيرين منهم ليسوا بكتاب أصلا وبالتالي هم مستعدون لدفع بعض المال إذا كانوا سيحصلون على حضور مؤتمر وشهادة تقدير وتكريم تنشر صورته على «فيسبوك»!)، كما أن بعض الناشرين يجمع عددا كبيرا من القصص لعشرات الكتاب بصرف النظر عن المستوى الفني للأعمال ويقوم بنشرها في كتاب جماعي يبيعه بسعر مرتفع وهو متأكد من الأرباح الطائلة التي سيجنيها لأن كل من ينشر له قصة في الكتاب سيشتري بعض النسخ. مثل هذه الممارسات التي أسميها أخلاقية تضر بالفن نفسه لأنها تعلي من مصالح خاصة على حساب الجودة الفنية مما يساعد في مزيد من ترويج الغث حتى يصبح الجيد كالغول والعنقاء والخل الوفي».
أما الناقد الدكتور محمود الضبع، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، فيرى أن القصة القصيرة جدا فن قائم بذاته فلا يجب النظر إليها بوصفها تطورا لنوع القصة القصيرة المعروف شرقا وغربا، تماما كما لا ينبغي النظر إلى السيناريو باعتباره فنا متطورا عن السرد عموما» ويضيف: «أي نعم لا يمكن ظاهريا الفصل المبدئي بين فن القصة القصيرة جدا وفن الإبيغرام الذي تحدث عنه طه حسين في العشرينات من القرن الماضي نقلا عن الأدب اليوناني، إلا أن القصة القصيرة جدا، والقصة الومضة تختلف كثيرا عن الإبيغرام اليوناني، وعن مضرب ومورد المثل والحكمة والقصص الحكمي كما كان في التراث العربي، ومن هنا فإن فن القصة القصيرة جدا لا يعد اختزالا للفنون السابقة». ويؤكد الضبع: «إنما هو شكل أدبي جديد، له ضوابطه وآلياته وفنياته التي تعتمد على السرد المكثف المبني على اتساع الرؤية وضيق العبارة وكثافة المعنى والمعتمد المفارقة في كثير من أبنيته، وإن لم تكن المفارقة اللغوية فقط بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما باتساعها الذي يشمل مفارقة الحالة ومفارقة الدلالة ومفارقة البنية والمفارقة المشهدية، وغيرها من الأشكال التي طرحتها الحداثة وما بعدها وبتأثير من ثقافة الصورة والميديا والإعلام والتكنولوجيا والمعلوماتية وغيرها». ويشير إلى أنه «على مستوى النقد المواكب لهذا الفن، فن القصة القصيرة جدا، فإن الحركة النقدية العربية تخضع للعقلية العربية التي تنشغل كثيرا بالبحث عن أصول الأشياء والاختلاف حول أزمة التسمية والمصطلح، ناهيك عن الخوف من تجريب أي جديد ليست له مرجعيات تراثية، دون أن تستثمر الجهد المهدر في ذلك لصالح التقدم خطوة للأمام من أجل دراسة الوضع الحالي، ورصد أبعاده وآلياته، ومن ثم فإن الحركة النقدية قد تستغرق زمنا من أجل استيعاب أو قبول هذا الفن، وعلى الرغم من ذلك فقد نجح أصحاب هذا الفن في استثمار تكنولوجيا التواصل الاجتماعي لمناصرته، وتكونت جماعات أدبية بتسميات مختلفة تنتمي إلى القصة القصيرة جدا، في بيئة الواقع الافتراضي عبر الإنترنت، والخلاصة أن هذا الفن لم يستطع النقد أن يتعامل معه بالدرس التحليلي كما يجب وما يزال الباب مفتوحا لرصد أبعاده وتحديد جمالياته».
فيما يرى الدكتور شريف عابدين، ممثل الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا في مصر، ومؤلف «القص الوامض من حصار المبنى إلى أفق المعنى» أن القصة القصيرة جدا فن راسخ في الغرب ومعترف به في العالم العربي كله. ويرى أن هنالك تجارب هامة في المغرب العربي تعتبر تأسيسية في هذا الفن حيث تكونت رابطة القصة القصيرة جدا، ومن أبرز الكتاب: حسن بقالي وجميل حمداوي وعز الدين المعزي، وحميدة كاتا ومسلك ميمون، والتي أثرت هذا الفن كما أن هناك عدة تجارب فردية في دول المشرق، في مصر وفلسطين وسوريا والسعودية، فمثلا في سوريا: أحمد جاسم السيد، ويوسف حطيني، وهم من المؤسسين، وفي مصر: منير عتيبة». ويرجع عابدين السبب في ذلك إلى تأثر فن القص المغربي بالثقافة الإسبانية والفرنسية التي ترسخ فيها هذا الفن بقوة. ويوضح عابدين أن وجود تجارب غير ناضجة استسهلت هذا الفن وشوهت صورته وجعلت النقاد ينفرون منه وبالتالي جمهور القراء. أما عن التسميات المرتبطة بـ«ق ق ج» كالقصة «التويترية»، فيقول: «إن لها شروطا أكثر صرامة من الـ(ق ق ج) ما يجعلها مفرطة في التكثيف وهي تكون في حدود 140 كلمة، بينما القصة الومضة تكون في حدود مائة كلمة، أما القصة القصيرة فتكون في حدود ألف كلمة، والقصة الطويلة في حدود عشرة آلاف كلمة. فالتكثيف والإضمار والإيحاء من معالم هذه القصة التي تتجه مباشرة إلى قلب الحدث أو جوهر السرد، وهنا تتسم الصورة السردية بالديناميكية في ظل وجود آليات تخييلية للتغلب على قلة الإمكانات المادية، وآليات للتغلب على تقلص الزمان والمكان». ويؤكد عابدين أن كثيرا من الكتاب يظنون أن التحدي في عدد الكلمات أو الأحرف فقط إلا أن التحدي الخاص بالقصة القصيرة جدا هو في أن اكتمالها يتم مع القارئ، فهو الذي يتخيل الحكاية بشكلها الأرسطي المقدمة والعقدة والحل من خلال الكلمات التي صاغها القاص.. وخصوصيتها في أنها تمد جسور التواصل بين السارد والمتلقي، فهي فعلا تجسد مستقبل السرد».
وتلفت القاصة هناء عبد الهادي إلى أن فن القصة القصيرة جدا يعاني من معضلة التلقي، سواء على مستوى النقاد أو على مستوى القراء، قائلة: «معظم جيل النقاد الحاليين ينتمي للجيل القديم الذي يعتمد الرواية كفن السرد الأول، وهو مقبول لدى الشعوب العربية التي تعشق فن الحكي». وتؤكد على أن «القصة القصيرة جدا هي فن مستقل بذاته عن القصة القصيرة وليست اختزالا لها، فهي تمثل تطورا يعكس تطور العصر التكنولوجي والسرعة في كل شيء، و(ق ق ج) خلقت جسورا من التواصل مع الجيل الجديد فهي تجعل السارد يصل لهم ويتحدث معهم بطريقتهم ويجذبهم للقراءة»، وتلقي عبد الهادي اللوم على النقاد في تجاهلهم للقصة القصيرة جدا بل والتشكيك فيها وكونها جنسا أدبيا مستقلا، وتقول: «لا بد أن نعترف أن الزمن يتطور وكل الفنون الأدبية والفنية تغيرت وتطورت فالقصيدة تطورت والفن التشكيلي تطور كذلك تمثل الـ(ق ق ج) تطورا إبداعيا أخذ قالبا جديدا» وتؤكد أن «أهم ما يميز القصة القصيرة جدا هو التكثيف والاختزال والمفارقة فكل حرف وكل علامة ترقيم موظفة كليا لخدمة النص». أما الناقد المخضرم شوقي بدر يوسف فيصف القصة القصيرة جدا بأنها «الطفل المدلل على الساحة الأدبية فهي تحقق المتعة لدى الكاتب والمتلقي»، إلا أنه يرى أن خطوة اعتماد جائزة من الدولة المصرية لها أمر سابق لأوانه لأنها لم تحقق قاعدة كتاب كبيرة بعد، ويقول: «علينا أن نخصص عدة جوائز تساهم في اكتشاف كتاب مبدعين في هذا المجال ثم تتوج إبداعاتهم فيما بعد بجائزة الدولة».
ويشير بدر إلى أنه لا توجد ثمة اختلافات كثيرة بين «ق ق ج» و«التويترية» و«الومضة» و«الشذرة» فهي في النهاية لها نفس الشكل السردي، إلا أن الاختلاف يظهر عند تأصيلها في المشهد السردي ورؤية الكاتب نفسه. ويشير إلى أن «القصة القصيرة جدا موجودة بشكل جيد جدا في العالم العربي وفي مصر أيضا، لكن ينبغي على الحركة النقدية مواكبة تقدمها وإقامة مؤتمرات علمية لها».



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».