نداءات في «مجموعة العشرين» لمزيد من التنسيق بحثًا عن «نمو مستدام»

انتقادات لكفاءة السياسات المالية والنقدية ومطالبات بإصلاحات ضريبية

نداءات في «مجموعة العشرين» لمزيد من التنسيق بحثًا عن «نمو مستدام»
TT

نداءات في «مجموعة العشرين» لمزيد من التنسيق بحثًا عن «نمو مستدام»

نداءات في «مجموعة العشرين» لمزيد من التنسيق بحثًا عن «نمو مستدام»

وسط انتقادات متزايدة لدور السياسات المالية والنقدية التقليدية التي تتبعها الدول الكبرى حاليا في محاولة تحفيز الاقتصاد العالمي، وكذلك الإحساس المتنامي بـ«عدم الارتياح» تجاه نتائج سياسات «العولمة» على الأوضاع الداخلية والعامة للكثير من دول العالم، تتزايد الدعوات من أجل تعزيز التنسيق بين الاقتصادات العالمية الكبرى لتحقيق نمو مستدام. فيما أشار عدد من المسؤولين الدوليين البارزين في مجموعة العشرين إلى أنه يتعين تحسين السياسات الضريبية في مختلف أنحاء العالم، لتعكس صورة جيدة للعولمة وتعزز النمو الاقتصادي المستدام المتوازن اجتماعيا.
وأشارت مسودة بيان اطلعت عليها «الشرق الأوسط» لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة العشرين، المنعقدة حاليا في مدينة تشينغدو عاصمة إقليم سيتشوان جنوب غربي الصين، إلى أن «التعافي الاقتصادي مستمر؛ لكنه يظل أضعف من الهدف المنشود. في وقت يجب فيه التشارك في فوائد النمو بشكل دولي أوسع، من مزيد من الترويج للشمولية». وتابعت المسودة أن «نتيجة الاستفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي تضيف إلى حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.. لكن كبرى الاقتصادات في العالم تتخذ موقفا جيدا في التعامل بشكل فعال مع التبعات المحتملة الاقتصادية والمالية الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».
وتأتي عدة قضايا رئيسية على رأس اهتمامات صناع القرار الاقتصادي في العالم، بما فيها تبعات انفصال بريطانيا على الاقتصاد العالمي، وأيضا محاولة تنسيق المواقف والسياسات المالية بين أكبر 20 اقتصاد في العالم، إلى جانب بحث سبل مكافحة التجارة غير المشروعة والتهرب الضريبي حول العالم.
وخلال اجتماعات الوزراء، التي بدأت أمس السبت وتستمر حتى اليوم الأحد، قال وزير الخزانة الأميركي جاك ليو إنه لا يتعين فحسب تعديل القواعد الخاصة المتعلقة بالضرائب لكن «الإدارات الضريبية بأكملها (اعتمادا على الحدود الوطنية)»، مضيفا أن «تغيير نماذج العمل له تأثير خطير»، ومشيرا في معرض حديثه إلى ضرورة متابعة التجارة العابرة للحدود وحالات التهرب من الضرائب الحالية.
وبدوره، دعا أنجيل جوريا، الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى نظام ضريبي منصف اجتماعيا. وأضاف: «يجب أن ندرس تأثير الضرائب على رفاهية الناس.. لا يتعين أن يؤدي تعزيز التجارة العالمية إلى مزيد من عدم المساواة».
من جانبها، قالت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، إنها توافق على أن تكون السياسة الضريبية جزءًا من إصلاحات تقودها الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، بينما أثارت المخاوف من «تباطؤ النمو الذي يتعرض لتهديدات بسبب أحداث سياسية أخرى».
السياسات المالية
وعن دور السياسات المالية، قال ليو إنه كان من المهم جدا لدول مجموعة العشرين استخدام «كافة الأدوات الممكنة»، في سبيل تعزيز النمو المشترك، شاملة من ضمنها السياسات النقدية والمالية، فضلا عن الإصلاحات الهيكلية اللازمة لتعزيز كفاءة تلك الإجراءات.. مؤكدا في كلمة للصحافيين على هامش الاجتماع أن «الوقت الحالي مناسب لمضاعفة جهودنا لاستخدام جميع الأدوات التي نملكها لتعزيز النمو المشترك».
لكن رؤية وزير الخزانة الأميركي تواجهها وجهة نظر أخرى. حيث قال وزير المالية الصيني لوه جيوي، إن السياسات المالية والنقدية أصبحت أقل كفاءة في حفز النشاط الاقتصادي، ومن ثم فعلى الاقتصادات الرئيسية في العالم زيادة التنسيق لتشجيع تحقيق نمو دائم، متابعا: «ما زال تشجيع تحقيق نمو اقتصادي قوي ودائم ومتوازن يشكل القضية المحورية لمجموعة العشرين».
وحذر جيوي في كلمته أن الاقتصاد العالمي في «منعطف خطير»، حيث ما زال تأثير الأزمة المالية جليا»، داعيا مجموعة العشرين للاضطلاع بدور مهم في دعم نظام ضريبي دولي جديد.
وتأتي تلك النقاشات بينما تتزايد المخاطر المحيطة بالاقتصاد العالمي، خاصة تحديات النمو الاقتصادي التي فاقمها قرار بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ما يدعو أصحاب القرار في الدول الكبرى إلى دراسة اتخاذ إجراءات وإصلاحات هيكلية أكثر عمقا.
حرب العملات
واتخذت دول مختلفة خطوات لدعم النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة، ولكن وزير المالية الصيني قال: إن «فعالية السياستين المالية والنقدية تتقلص، وبدأت آثار جانبية في الظهور»، متابعا أنه «يجب على دول مجموعة العشرين زيادة الاتصالات والتنسيق بشأن السياسة وتشكيل توافق بشأنها، وتوجيه توقعات السوق وجعل السياسة النقدية أكثر تطلعا وشفافية وزيادة كفاءة السياسة المالية»، من أجل تعزيز النمو المستدام والمتوازن بهدف تحقيق زيادة معدلات النمو الاقتصادي العالمي بنحو 2 في المائة إضافية خلال 5 سنوات، تنتهي بحلول عام 2018.. مشددا خلال اجتماع مع وزيري المالية الياباني والخزانة الأميركي على ضرورة «امتناع أعضاء مجموعة العشرين عن التخفيضات التنافسية للعملات».
وطالب جاك ليو وزير المالية الياباني تارو أسو، بضرورة تضافر جهود مجموعة العشرين من خلال النأي عن خفض قيمة العملة المحلية لزيادة التنافسية. حيث يعد الين الياباني أحد أبرز «الملاذات الآمنة»، خاصة عقب إعلان نتائج الاستفتاء البريطاني في نهاية الشهر الماضي.
وجاءت مطالبة ليو، فيما ينتظر الجميع نتائج اجتماع المركزي الياباني بعد أيام قليلة للإعلان عن سياساته النقدية خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تصريحات حاكم المصرف المركزي الياباني هاريكو كوردا أمس، التي لمح خلالها إلى أنه سوف يقوم بمزيد من «التيسير» في حال الضرورة من أجل الوصول إلى هدف التضخم بنسبة 2 في المائة.
وتعد الاجتماعات تمهيدا لقمة مجموعة العشرين التي ستنطلق أعمالها في مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل بمدينة هانغتشو الصينية. ويتناول جدول أعمال الاجتماعات خلال يومي انعقادهما، مناقشة إصلاح النظام المالي العالمي واستعادة الاستقرار المالي الدولي وتحفيز الاستثمارات في البنية التحتية، فضلا عن مواجهة تحديات التغير المناخي وسبل دعم دور صندوق النقد الدولي في مساعدة الدول الأعضاء لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة وتعزيز الاقتصاد الأخضر ومكافحة تمويل الإرهاب.
وتتضمن المناقشات كذلك تبني آليات جديدة لمواجهة المخاطر الناتجة عن التغيرات السريعة لحركة تدفقات رؤوس الأموال عالميا، كما يعقد على هامش الاجتماعات منتدى رفيع المستوى حول السياسات الضريبية الدولية حيث سيتم مناقشة آليات تنسيق تلك السياسات ومكافحة التجنب الضريبي والممارسات الضريبية الضارة لتعزيز النمو الاقتصادي العالمي.
زيادة توقعات النمو في الصين
وفي سياق ذي صلة، طالب رئيس الوزراء الصيني دول العالم بالعمل معا لإنعاش الاقتصاد العالمي، مؤكدا حرص الصين على المساهمة بشكل فعال في أي مساعٍ لتحقيق هذا الهدف.
جاء هذا خلال حوار المائدة المستديرة «6+1» الذي عقده مع رؤساء بعض كبرى المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، والذي استضافته الصين أول من أمس لأول مرة تحت عنوان «تعزيز نمو اقتصادي صيني وعالمي أكثر قوة واستدامة وتوازنا».
وطبقا لبيان صحافي صدر عقب المحادثات، التي ضمت رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم ومدير عام صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد والمدير العام لمنظمة التجارة العالمية روبرتو ازيفيدو والأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنجيل جوريا ورئيس مجلس الاستقرار المالي العالمي مارك كارني، اتفق الجميع على العمل لتوثيق التعاون والتواصل بشأن القضايا الاقتصادية والمالية الدولية وتعزيز الإصلاح الاقتصادي والاستقرار المالي، والتغلب على التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وتناول اللقاء النمو الاقتصادي والإصلاح الهيكلي وفرص العمل والتمويل والإدارة، فضلا عن الزخم الجديد لنمو الاقتصاد الصيني وسط عملية تحولها الاقتصادي. وكانت لاغارد قالت في تصريحات صحافية بعد المحادثات، إن صندوق النقد الدولي قرر مؤخرا زيادة توقعاته بالنسبة للنمو الاقتصادي الصيني في العام 2016 إلى 6.6 في المائة لسببين، الأول هو الإصرار والمثابرة اللذان أظهرتهما الصين بالنسبة لتنفيذ برامجها الخاصة بالإصلاح الهيكلي، والثاني هو الأسلوب الذي اتبعته لدعم الاقتصاد وتشجيع نموه المستدام.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.