«الشرق الأوسط» ترصد تحدي البلجيكيين للإرهاب بالخروج إلى أماكن الاحتفالات بالعيد الوطني

لديهم ثقة في قدرات السلطات الأمنية وخططها.. ويفضلون تجنب المخاطر بدلاً من ردود الفعل

عناصر الشرطة البلجيكية بين المحتفلين بالعيد الوطني في العاصمة بروكسل أول من أمس (إ.ب.أ)
عناصر الشرطة البلجيكية بين المحتفلين بالعيد الوطني في العاصمة بروكسل أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد تحدي البلجيكيين للإرهاب بالخروج إلى أماكن الاحتفالات بالعيد الوطني

عناصر الشرطة البلجيكية بين المحتفلين بالعيد الوطني في العاصمة بروكسل أول من أمس (إ.ب.أ)
عناصر الشرطة البلجيكية بين المحتفلين بالعيد الوطني في العاصمة بروكسل أول من أمس (إ.ب.أ)

تحدى البلجيكيون مشاعر الخوف من التهديدات الإرهابية وخرجوا يحملون الأعلام لحضور الاحتفال بالعيد الوطني الذي أقيم، في ظل إجراءات أمنية مشددة، وبعد أسبوع من هجوم نيس أثناء الاحتفال بالعيد الوطني في الدولة الجارة فرنسا.
وأبدى البلجيكيون ثقتهم في الإجراءات والسلطات الأمنية ولكن أكدوا في الوقت نفسه أن الإرهاب يمكن أن يحدث في أي وقت وأي زمان، وقالوا إنه لا بد من تفادي الهجمات أفضل من الرد عليها.
وشهدت بلجيكا إجراءات أمنية خلال الساعات القليلة الماضية، لتأمين الاحتفال بالعيد الوطني وذلك تحسبًا لأي تهديدات إرهابية على غرار ما وقع في نيس بالدولة الجارة فرنسا، خلال الاحتفال بالعيد الوطني، هجوم أثار حالة من الفزع لدى البلجيكيين، مؤكدين ثقتهم في الإجراءات الأمنية المتخذة، ورصدت «الشرق الأوسط»، أول من أمس، أجواء الاحتفالات، والتقت بعدد من المواطنين بالقرب من القصر الملكي في منطقة تورون بقلب بروكسل، وقالت جانين، وهي سيدة بلجيكية في نهاية العقد الرابع من عمرها: «ما حدث في نيس يمكن أن يحدث هنا أو في أي مكان آخر، ولكن ليس بالضرورة اليوم، وإنما يمكن أن يحدث في أي مكان أو أي وقت آخر، ولكن لدي ثقة في الإجراءات والسلطات الأمنية».
وكانت الأعلام البلجيكية تزين الطريق إلى مكان الاحتفال، في تحدٍّ واضح للتهديدات الإرهابية، غير أن الإقبال بدا خافتا بالمقارنة مع احتفالات الأعوام الماضية، حسبما قال مايكل البلجيكي في الثلاثين من عمره. أما السلطات البلجيكية فقد نشرت المئات من العناصر الأمنية، إلى جانب السيارات المصفحة والحواجز الإسمنتية، والمروحيات، مما أسهم في طمأنة الجميع، وقال فردريك وهو في العقد السادس من عمره: «أنا غير خائف، فهنا يوجد عدد كبير من رجال الأمن والجيش، وهذا دليل على التأمين الجيد، وأنا من وجهة نظري تجنب الحدث أفضل من رد الفعل على الحدث، وبشكل عام الوضع مستقر وأشعر بالأمان. والدعوات لحضور الاحتفال العسكري والمدني لم تقتصر على السياسيين والعسكريين، بل شملت شخصيات من أصول عربية وإسلامية، ومنها عائلات لأشخاص يشاركون في عروض الاحتفال سواء من الشرطة أو الجيش أو عناصر الإنقاذ».
وقالت سيدة من أصول عربية وإسلامية في العقد الخامس من العمر تدعى أمينة، وتتحدث الفرنسية أفضل من العربية، إنها سعيدة جدا بحضورها العرض العسكري لأن ابنتها تشارك في العرض ضمن طلبة الشرطة الذين يستعدون للتخرج، وأضافت أن الجميع هنا لا بد أن يتحدوا في وجه الإرهاب منوهة بأن المسلمين والمسيحيين منذ سنوات طويلة وهم يعيشون في سلام، ولا بد من التعايش السلمي بين البلجيكيين وغيرهم.
وصفق الجمهور كثيرا عند مرور رجال الجيش والشرطة في مكان العرض العسكري، الأمر الذي اعتبره البعض رسالة تقدير للدور الذي يقوم به هؤلاء في تأمين الحياة اليومية للمواطنين منذ فترة، وخصوصًا في أعقاب هجمات بروكسل التي وقعت في مارس (آذار) الماضي وأدت إلى مقتل 32 شخصًا وإصابة 300 آخرين.
وفي كلمته السنوية بمناسبة الاحتفال حذر الملك فيليب، عاهل بلجيكا ممن وصفهم بـ«الأنبياء الكذبة» الذين «يتلاعبون بالمشاعر»، مستغلين مناخ انعدام الأمن والغموض وعدم الاستقرار الذي سببته الهجمات الإرهابية في الأشهر الأخيرة وأزمة الهجرة بالخصوص.
وفي رد فعل على كلمة العاهل البلجيكي، قال مواطن بلجيكي اصطحب معه زوجته وابنته وابنه، لحضور الاحتفال: «استمعت إلى ما قاله الملك، وهو كلام جيد، ولكن تنفيذه على أرض الواقع سيواجه صعوبات كبيرة فمطلوب من الجميع سواء من البلجيكيين أو الأجانب إظهار الاستعداد للعيش المشترك وبشكل سلمي».
وانتهى العرض العسكري، لكن المخاوف تظل قائمة من احتمال التعرض لهجمات، وأبقت السلطات على حالة الاستنفار الأمني المرتفعة، وحسب المحلل والخبير البلجيكي فردريك بلاتوه، فإن المرحلة الحالية تتطلب التعامل بجدية مع أي حالة اشتباه، وهو شعار رفعته الشرطة البلجيكية ليس فقط في أعقاب هجمات نيس الأسبوع الماضي، وإنما منذ تفجيرات بروكسل في مارس الماضي.
وقبل أيام قليلة ذكر عمدة مدينة غنت دانيل تيرمونت من الحزب الاشتراكي الفلاماني أن شرطة غنت قامت بمحاكاة هجوم إرهابي خلال حفل الألعاب النارية المقام بمناسبة احتفالات غنت، كإجراء تدريبي.
وأضاف العمدة: «في حدود العاشرة مساء، أبلغ اتصال دولي عن وجود تهديد ضد حفل ألعاب نارية بمدينة نايمغن في هولندا، ولم يكن الأمر كذلك في غنت. ومع الضابط الآمر، قررنا تنفيذ تدريب، كنا قد قمنا بالتخطيط له على الورق، مدعين أن الأمر يتعلق بهجوم حقيقي ضد غنت».
وخلال 45 دقيقة، تم جمع الموظفين والمعدات اللازمة. ووفقًا للعمدة فقد كان التقييم إيجابيًا. وصحيح أن نشر طائرة مروحية تابعة للشرطة ومركبات خاصة مضادة للرصاص قد تم التخطيط له مسبقًا. وقد اجتذبت الألعاب النارية بأعياد غنت نحو 23 ألف متفرج يوم الأحد الماضي، أي أقل بـ7 آلاف متفرج عن السنة الماضية.
يُذكر أنه بعد ساعات قليلة من وقوع الهجوم بشاحنة خلال احتفالات في نيس جنوب فرنسا، أعربت السلطات الحكومية في الدولة الجارة بلجيكا، عن استجابتها لطلبات إدارات الشرطة في الحصول على مركبات مصممة لإغلاق أماكن التجمعات خلال الاحتفالات.
ففي شمال البلاد، قال عمدة مدينة أنتويرب بارت دي ويفر على القناة التلفزيونية الإقليمية «إي تي في» إن شرطة أنتويرب طلبت أخيرًا مركبات جديدة إضافية مصممة لإغلاق أماكن التجمعات خلال الاحتفالات. وفي الوقت الراهن، يتم إدخال مثل هذه المركبات بشكل متقطع إلى أنتويرب، من جانب نماذج تابعة للشرطة الفيدرالية.
وقال بارت دي ويفر إنه في أعقاب هجوم نيس وبصفته عمدة «سيتخذ كل التدابير التي بوسعه اتخاذها». وهو يرى أنه «من غير المفهوم» أن تسير شاحنة بسرعة كبيرة في حشد خلال حفل كما حدث في نيس، في هذه الأوقات التي تشهد تهديدا إرهابيا عاليا. يقول: «خلال حفل الألعاب النارية الخاص بالسنة الجديدة مثلا، الذي جمع مجموعة كبيرة بأنتويرب، كان من المستحيل الوصول إلى هذه المجموعة بواسطة شاحنة».
وأضاف العمدة الذي ينتمي إلى التحالف اليميني الفلاماني: «في الوقت الحالي، نستخدم مركبات الشرطة الفيدرالية، ولكن أنتويرب بنفسها طلبت هذه المركبات العملاقة من الولايات المتحدة، لا سيما لتفادي وقوع مثل هذه الأشياء. وفي الواقع، رأينا بالفعل هذا الأمر: في فرنسا وفي إسرائيل عدة مرات. وقد دعا تنظيم داعش وتنظيم القاعدة سابقًا إلى مثل هذه الأفعال». وسيتم اتخاذ القرار بشأن الإجراءات الإضافية الواجب اتخاذها بمناسبة الأحداث المقبلة، في كل حالة على حدة.
من جانبه، قال وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون: «بالنسبة للاحتفالات فقد جرى تقييم الأمور وهناك تدابير إضافية على المستوى الفيدرالي، كما أكد على الإبقاء على حالة الاستنفار الأمني الحالية في البلاد، التي تُستخدم في مواجهة أي هجوم إرهابي محتمل. أما الدرجة الرابعة فيمكن اللجوء إليها في حال تأكدنا من وجود معلومات تتعلق بمكان وموعد هجوم إرهابي محتمل».
وأضاف الوزير في تصريحات لمحطة «في تي إم» التلفزيونية الناطقة بالهولندية: «حتى الآن سوف تستمر خطط الاحتفالات كما كان مخططًا لها من قبل، وأضاف: «آخر شيء نفكر فيه أن نقوم بتغيير أسلوب حياتنا ليتوافق مع أجندة الإرهابيين، فهذا يعني الهزيمة والاستسلام»، واختتم يقول: «مسؤوليتنا كحكومة أن نعمل من أجل ضمان استمرار الاحتفالات بالعيد الوطني».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...