مصائر وإعادة الحفر في التراجيديا الفلسطينية

غلاف «مصائر»
غلاف «مصائر»
TT

مصائر وإعادة الحفر في التراجيديا الفلسطينية

غلاف «مصائر»
غلاف «مصائر»

تتميز عتبات رواية «مصائر»، ببنية دلالية منفتحة على قواعد عمل تخيلي يشكل الحكي بؤرته وأساسه، بدءًا من عنوان الرواية وما يطرح من أسئلة واحتمالات دلالية تفتح أفق انتظار القارئ، وانتهاء بكلمة غلاف الرواية ذات البعد التداولي، مرورا بالإهداء والتصدير.. وكلها نصوص موازية تسمح بإضاءة جوانب فنية وقضايا فكرية وفلسفية.
اسم المؤلف: إنه أول عتبة تطالع قارئ الرواية. وقد طبع الاسم بحروف لاتينية، قبل أن تعاد كتابته بحروف عربية مباشرة، بعد الإشارة إلى الجنس الأدبي للعمل. واسم المؤلف يعطي الشرعية للنص، وينفي عنه صفة «النص اللقيط». فالعمل من إبداع كاتب هو «ربعي المدهون»، وهو كاتب - كما يقدمه التعريف الوارد في نهاية الرواية - حاضر بقوة، فكريا وإبداعيا: فلسطيني الانتماء، يعيش حاليا في المهجر. غير أن حضور المؤلف لم يقتصر على هوامش النص، بل هو حاضر أيضا، في النص الروائي. يقول السارد: «من شوي شفت زلمه طالع من المطار مع مرة كأنها مرته، حسيت فيه شبه من الكاتب ربعي المدهون» ص 180.
ولتأكيد ظنونه، يصف السارد المؤلف، ويسرد وقائع توقيف الاحتلال له والتحقيق معه. من هنا، فالمؤلف حاضر في الرواية بالقوة وبالفعل. بالقوة باعتباره منتجا للنص، وبالفعل من خلال زياراته إلى الوطن، وإسهامه السياسي والأدبي في خدمة القضية وإثارة قضايا: العودة، ومصير فلسطينيي الداخل والشتات. كما أن حضور المؤلف وسم الرواية بخاصية الجنس السير - ذاتي.
التعيين الأجناسي: وردت هذه العتبة قبل العنوان، بصيغة «رواية»، وخلفيتها لون أحمر يثير القارئ، وينبهه إلى أنه إزاء عمل يوقعه مؤلفه في خانة الرواية. وبهذه الإشارة إلى المرجع النوعي- الأجناسي للعمل، أطلق المؤلف ميثاقا للقراءة بينه وبين القارئ حول هوية هذا العمل. هذا التجنيس إذن، إعلان سيتحقق عبره اللقاء الأول بين النص والقارئ، وبذلك ينفتح أفق انتظار القارئ، وتتحرك ذخيرته المعرفية ذات الصلة بجنس الرواية، ليهتدي بقواعده ومواضيعه في عملية القراءة.
العنوان: يسمي النص الروائي ويتضمنه بأكمله. ويثير عنوان الرواية أسئلة فلسفية وإبداعية، تجعله غير منفصل عن بقية مكونات النص ومراتبه القولية. وهذا العنوان يشكل، أيضا، بؤرة الحكاية، إذ له حضور وظيفي ضمن البنية الحكائية للنص. يمكن إبراز هذا الحضور، من خلال الوقوف على الصيغة المركبة للعنوان التي تتألف من:
- عنوان رئيسي: تمثله مفردة مصائر. وهي كلمة نكرة دالة على جمع كثرة. وتدل على المآل والوضع الذي ينتهي إليه مسار أو وضعية أو حالة. ولعل صيغة الجمع دالة على تعدد المصائر وتداخلها، تلك المصائر التي ولدتها تعالقات الهولوكوست والنكبة. فمن هذه المصائر ما يتعلق بشخصيات عاد بعضها، في النهاية، إلى الوطن. إيفانا. ص 266. والبعض الآخر، وليد وجولي، يقع في عشق الأرض الفلسطينية. ومن المصائر ما له صلة بالهوية والتاريخ الفلسطيني. فكل معالم هذه الهوية وهذا التاريخ، تعرضت للطمس والتهويد من جانب سلطة الاحتلال. فالأراضي الفلسطينية «نظفتها جرافات كاتربلر الأميركية من ملامحها»، والقدس تغيرت معالمها كليا.
- عنوان فرعي مكون من العناصر الآتية:
1 - كونشرتو: كلمة دخيلة على اللغة العربية. وهي – كما شرحها الروائي - تدل على قالب موسيقي من أربع حركات. وهي اختيار إبداعي لتقديم المتن الروائي. هذا القالب الموسيقي، صاحب طقوس نثر رماد «إيفانا» في الهواء. إنه طقس جنائزي مهيب، طقس رافقه تأكيد السارد: «توفيت هنا.. توفيت هناك»، ما يشي بحنين دفين للعودة إلى الوطن.
2 - الهولوكوست: تسمية تذكر بـ«الإبادة الجماعية» التي قتل فيها عدد من اليهود على يد النظام النازي. إنها المحرقة كما تسميها الرواية، محرقة يتوق السارد لرؤيتها فيقول: «بدي أشوف دير ياسين من هناك. بدي أشوف كيف الضحايا بيشوفو الضحايا». ص 182. إن المتحف الذي أقامه الاحتلال لحفظ ذكرى المحرقة اليهودية، يصبح معلما لإدانة الاحتلال. فالمتحف يذكر بمحارق الفلسطينيين قبل النكبة وبعدها. إنها مفارقة لمساءلة التاريخ الظالم للقضية الفلسطينية. يقول السارد: «لكي لا تتكرر محرقة النازية لليهود يشعل الإسرائيليون باسم ضحايا، محارق كثيرة في بلادنا، قد تصبح في النهاية محرقة». ص 240. يتحول أبناء ضحايا المحرقة النازية إلى جلادين، يصنعون محرقة جديدة عبر محارق متنوعة: قتل، استيطان، تشريد..
3 - الواو: حرف عطف يفيد مطلق الجمع والاشتراك كما يقول النحاة.
4 - النكبة: مصطلح فلسطيني يشير إلى مأساة الإنسان الفلسطيني سنة 1948 المرتبطة بتهجيره عن وطنه وإقامة «دولة اليهود»، وما رافق ذلك من أحداث ومجازر وفظائع، ارتكبها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين. وفي النص، إشارات إلى هذه الفظائع: مذبحة دير ياسين، تهجير الفلسطينيين.
5 - الرابط- حرف العطف، يجعل من الرواية نصا يؤلف بين نصين- مأساتين: الهولوكوست والنكبة. إنه توليف وفق إيقاع الكونشرتو، لغايات دلالية وجمالية تتصل بعمق التراجيديا الفلسطينية. يقول الروائي مثيرا هذه المفارقة: «كيف يمكن إبقاء ذكرى من أبادتهم النازية الألمانية حية بقصف غزة مثلا؟ وما الفرق بين الحرق في أفران الغاز أو الحرق بصواريخ الأباتشي؟» ص 240.
5 - الصورة: صورة فوتوغرافية لباب من الطراز التقليدي، ما ينم على أصالة البيت وقدمه. وهو يشي بأن خلفه حكاية. وعلى القارئ أن يحرص على فتحه لمعرفة هذه الحكاية. والبداية تتم بفتح صفحة غلاف الرواية. فعلى الصورة اسم صاحب البيت، مانويل أردكيان (أرمني). والاسم جرت تغطية بعضه بنجمة سداسية، ما يدل على أن ساكنه يهودي، حاول إلغاء اسم صاحبه الأصلي. والباب، عتبة نصادفها في بداية الرواية أيضا، ما يجعل منها عتبة بالمعنى التداولي وبالمعنى السردي. إنه «بيت أردكيان الذي ظل مغلقا على محتوياته سنوات عدة.. بعد رحيل مانويل وزوجته في السادس عشر من مايو (أيار) 1948» ص 17. البيت مرتبط بالنكبة، ويوثق - كالكثير من البيوت - لتاريخ الذاكرة الفلسطينية، ذاكرة المكان. بيوت سلمها الاحتلال ليهود الشتات.
6 - الإهداء: ورد في العبارة الآتية: «إلى السيد (باقي هناك) المتخيل، وكل من بقي هناك في الحقيقة». عبارة مميزة لإهداء العمل الأدبي، توضح أن المؤلف يهدي هذا العمل، إلى مُهد له مفرد وسمه بالسيد، دلالة على احترامه وتقديره. المهدى له أيضا - كما يظهر من الإهداء - صنفان: مهدى إليه هو السيد «الباقي هناك»، ما يدل على ارتباطه بمكان ما - أرض ما، أشير إليها بهناك. ما يعني أن المكان وساكنه - السيد، ليس بعيدا كليا عن المؤلف. فهما متقاربان عاطفيا. ما يعكس وجود روابط بينهما (قد يكون الانتماء إلى المكان واحدا من هذه الروابط). هذا المهدى إليه، ينعته المؤلف بالمتخيل. فهو شخصية متخيلة، لكنها قد تقترب من شخصيات الواقع، وتماثلها في المصير والحلم. ويتجلى هذا، في الشخصية الورقية التي تمثل بطل الرواية الداخلية المعنونة «فلسطيني تيس»، باعتبارها مشروعا لشخصية من شخصيات الرواية.
ثم مهدى آخر بصيغة الجمع: «كل» جماعة باقية هناك حقيقة لا على سبيل التخيل. وقد حرص الكاتب على تقديم نماذج للمهدى إليهم، من خلال شخصيات مثل: محمود دهمان، الذي يعد نموذجا لكل فلسطيني ظل متشبثا بوطنه، على الرغم من مآسي النكبة وما تلاها من سياسات هادفة إلى اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم وهويتهم. فـ «محمود باقي هناك وبدوش يرجع». ص 116.
وشخصية «باقي هناك»، سواء المتخيلة أو «الحقيقية»، هي أداة فنية يطرح من خلالها المؤلف، سؤالا فلسفيا-مركزيا: ما مصير الإنسان الفلسطيني؟ الاستمرار في تجرع مرارة الغربة واللجوء، أم البقاء في الأرض المغتصبة حيث المعاناة أقسى وأمر؟ الرواية إذن، عمل أدبي يهديه المؤلف لكل من تشبث بالبقاء في الوطن، وقاوم وحشية المحتل.
التصدير: نص مواز يسهم في تحديد نوعية القراءة. أي أنه نوع من التعاقد الضمني والصريح، بين المؤلف والقارئ. والملاحظ أن المؤلف خص روايته بتصدير يقدم، من خلاله، هذا العمل للقارئ. تصدير يحمل عنوان «قبل القراءة». يستحضر المؤلف به المرحلة الأولى من المراحل الكبرى المميزة لفعل القراءة-الدائرة الهرمينوطيقية (مبحث التأويل الذي تأسس مع الفلاسفة الألمان).
يقول المؤلف في هذا التصدير: «هذه رواية عن فلسطينيين بقوا في وطنهم بعد حرب 1948. وهي رواية عن آخرين أيضا، هاجروا تحت وطأة الحرب ويحاولون العودة بطرق فردية». هنا تأكيد لجنس العمل باعتباره رواية، وإشارة إلى بعض قضاياها الرئيسة: اللاجئون، الهوية، الغربة، الهولوكوست، النكبة..، كما يتضمن التصدير إشارة إلى شخصيات الرواية وفضاءاتها المتنوعة، ومنهج الكاتب في بنائها، منهج يسم الرواية بالواقعية. وعلاوة على التوضيحات السالفة، يبرز الكاتب القالب السردي التجريبي الذي اختاره لنظم عمله، قالب الكونشرتو..، وقد ختم المؤلف مقدمته بشكر كل المساهمين في إنجاز العمل.
غلاف الرواية: سعى المؤلف من خلال هذه الكلمة، إلى تقديم الرواية وتقريبها من القارئ المفترض. إنها نص مواز له قصدية خاصة على مستوى التوظيف والاشتغال. وهي نواة تقدم الحكاية في صورة مكثفة، تنزع نحو تأطير خطاب الرواية، إذ تحدد سياقها وتلمح إلى عالمها الإيحائي، فتثير بذلك شهية القارئ ليقبل على قراءة المتن. والملاحظ أن هذه العتبة، تكرر مكونات العنوان على مستوى- خط واحد، ما يسمح بقراءة العنوان وفق النحو الآتي: هذه رواية عن مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة.
وبعد هذا التكرار، تقدم العتبة إشارات موجزة إلى تفاصيل أربع حركات سماها المؤلف كونشرتو، وفي كل حركة جملة أحداث تحركها شخصيات متصلة بفضاءات وأزمنة وعلائق.
إجمالا فقد أسهمت رواية «مصائر»، في إضاءة جوانب متصلة بمأساة الإنسان الفلسطيني، لا سيما ما يتعلق بتفكك معالم الهوية الفلسطينية وتجلياتها على مستويات اللغة، والأمكنة، والتاريخ، وقضايا العودة، والوجود والبقاء..، واللافت أن المدهون، عالج المأساة الفلسطينية وفق استراتيجية كتابية جعلت من العتبات قاعدة للتواصل مع القارئ، ومكنت النص من الانفتاح على أبعاد دلالية وأخرى فنية، تقوم على التجريب على مستوى البناء السردي (الشكل المتشظي)، وعلى التهجين اللغوي (العربية، العبرية، الإنجليزية، العامية الفلسطينية بتنوعاتها..) وتعدد الأصوات، وتداخل الأحداث والأزمنة والشخوص، للدلالة على تداخل مصائر الفلسطينيين، وتعددها وغموضها في الآن ذاته.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.