مصائر وإعادة الحفر في التراجيديا الفلسطينية

غلاف «مصائر»
غلاف «مصائر»
TT

مصائر وإعادة الحفر في التراجيديا الفلسطينية

غلاف «مصائر»
غلاف «مصائر»

تتميز عتبات رواية «مصائر»، ببنية دلالية منفتحة على قواعد عمل تخيلي يشكل الحكي بؤرته وأساسه، بدءًا من عنوان الرواية وما يطرح من أسئلة واحتمالات دلالية تفتح أفق انتظار القارئ، وانتهاء بكلمة غلاف الرواية ذات البعد التداولي، مرورا بالإهداء والتصدير.. وكلها نصوص موازية تسمح بإضاءة جوانب فنية وقضايا فكرية وفلسفية.
اسم المؤلف: إنه أول عتبة تطالع قارئ الرواية. وقد طبع الاسم بحروف لاتينية، قبل أن تعاد كتابته بحروف عربية مباشرة، بعد الإشارة إلى الجنس الأدبي للعمل. واسم المؤلف يعطي الشرعية للنص، وينفي عنه صفة «النص اللقيط». فالعمل من إبداع كاتب هو «ربعي المدهون»، وهو كاتب - كما يقدمه التعريف الوارد في نهاية الرواية - حاضر بقوة، فكريا وإبداعيا: فلسطيني الانتماء، يعيش حاليا في المهجر. غير أن حضور المؤلف لم يقتصر على هوامش النص، بل هو حاضر أيضا، في النص الروائي. يقول السارد: «من شوي شفت زلمه طالع من المطار مع مرة كأنها مرته، حسيت فيه شبه من الكاتب ربعي المدهون» ص 180.
ولتأكيد ظنونه، يصف السارد المؤلف، ويسرد وقائع توقيف الاحتلال له والتحقيق معه. من هنا، فالمؤلف حاضر في الرواية بالقوة وبالفعل. بالقوة باعتباره منتجا للنص، وبالفعل من خلال زياراته إلى الوطن، وإسهامه السياسي والأدبي في خدمة القضية وإثارة قضايا: العودة، ومصير فلسطينيي الداخل والشتات. كما أن حضور المؤلف وسم الرواية بخاصية الجنس السير - ذاتي.
التعيين الأجناسي: وردت هذه العتبة قبل العنوان، بصيغة «رواية»، وخلفيتها لون أحمر يثير القارئ، وينبهه إلى أنه إزاء عمل يوقعه مؤلفه في خانة الرواية. وبهذه الإشارة إلى المرجع النوعي- الأجناسي للعمل، أطلق المؤلف ميثاقا للقراءة بينه وبين القارئ حول هوية هذا العمل. هذا التجنيس إذن، إعلان سيتحقق عبره اللقاء الأول بين النص والقارئ، وبذلك ينفتح أفق انتظار القارئ، وتتحرك ذخيرته المعرفية ذات الصلة بجنس الرواية، ليهتدي بقواعده ومواضيعه في عملية القراءة.
العنوان: يسمي النص الروائي ويتضمنه بأكمله. ويثير عنوان الرواية أسئلة فلسفية وإبداعية، تجعله غير منفصل عن بقية مكونات النص ومراتبه القولية. وهذا العنوان يشكل، أيضا، بؤرة الحكاية، إذ له حضور وظيفي ضمن البنية الحكائية للنص. يمكن إبراز هذا الحضور، من خلال الوقوف على الصيغة المركبة للعنوان التي تتألف من:
- عنوان رئيسي: تمثله مفردة مصائر. وهي كلمة نكرة دالة على جمع كثرة. وتدل على المآل والوضع الذي ينتهي إليه مسار أو وضعية أو حالة. ولعل صيغة الجمع دالة على تعدد المصائر وتداخلها، تلك المصائر التي ولدتها تعالقات الهولوكوست والنكبة. فمن هذه المصائر ما يتعلق بشخصيات عاد بعضها، في النهاية، إلى الوطن. إيفانا. ص 266. والبعض الآخر، وليد وجولي، يقع في عشق الأرض الفلسطينية. ومن المصائر ما له صلة بالهوية والتاريخ الفلسطيني. فكل معالم هذه الهوية وهذا التاريخ، تعرضت للطمس والتهويد من جانب سلطة الاحتلال. فالأراضي الفلسطينية «نظفتها جرافات كاتربلر الأميركية من ملامحها»، والقدس تغيرت معالمها كليا.
- عنوان فرعي مكون من العناصر الآتية:
1 - كونشرتو: كلمة دخيلة على اللغة العربية. وهي – كما شرحها الروائي - تدل على قالب موسيقي من أربع حركات. وهي اختيار إبداعي لتقديم المتن الروائي. هذا القالب الموسيقي، صاحب طقوس نثر رماد «إيفانا» في الهواء. إنه طقس جنائزي مهيب، طقس رافقه تأكيد السارد: «توفيت هنا.. توفيت هناك»، ما يشي بحنين دفين للعودة إلى الوطن.
2 - الهولوكوست: تسمية تذكر بـ«الإبادة الجماعية» التي قتل فيها عدد من اليهود على يد النظام النازي. إنها المحرقة كما تسميها الرواية، محرقة يتوق السارد لرؤيتها فيقول: «بدي أشوف دير ياسين من هناك. بدي أشوف كيف الضحايا بيشوفو الضحايا». ص 182. إن المتحف الذي أقامه الاحتلال لحفظ ذكرى المحرقة اليهودية، يصبح معلما لإدانة الاحتلال. فالمتحف يذكر بمحارق الفلسطينيين قبل النكبة وبعدها. إنها مفارقة لمساءلة التاريخ الظالم للقضية الفلسطينية. يقول السارد: «لكي لا تتكرر محرقة النازية لليهود يشعل الإسرائيليون باسم ضحايا، محارق كثيرة في بلادنا، قد تصبح في النهاية محرقة». ص 240. يتحول أبناء ضحايا المحرقة النازية إلى جلادين، يصنعون محرقة جديدة عبر محارق متنوعة: قتل، استيطان، تشريد..
3 - الواو: حرف عطف يفيد مطلق الجمع والاشتراك كما يقول النحاة.
4 - النكبة: مصطلح فلسطيني يشير إلى مأساة الإنسان الفلسطيني سنة 1948 المرتبطة بتهجيره عن وطنه وإقامة «دولة اليهود»، وما رافق ذلك من أحداث ومجازر وفظائع، ارتكبها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين. وفي النص، إشارات إلى هذه الفظائع: مذبحة دير ياسين، تهجير الفلسطينيين.
5 - الرابط- حرف العطف، يجعل من الرواية نصا يؤلف بين نصين- مأساتين: الهولوكوست والنكبة. إنه توليف وفق إيقاع الكونشرتو، لغايات دلالية وجمالية تتصل بعمق التراجيديا الفلسطينية. يقول الروائي مثيرا هذه المفارقة: «كيف يمكن إبقاء ذكرى من أبادتهم النازية الألمانية حية بقصف غزة مثلا؟ وما الفرق بين الحرق في أفران الغاز أو الحرق بصواريخ الأباتشي؟» ص 240.
5 - الصورة: صورة فوتوغرافية لباب من الطراز التقليدي، ما ينم على أصالة البيت وقدمه. وهو يشي بأن خلفه حكاية. وعلى القارئ أن يحرص على فتحه لمعرفة هذه الحكاية. والبداية تتم بفتح صفحة غلاف الرواية. فعلى الصورة اسم صاحب البيت، مانويل أردكيان (أرمني). والاسم جرت تغطية بعضه بنجمة سداسية، ما يدل على أن ساكنه يهودي، حاول إلغاء اسم صاحبه الأصلي. والباب، عتبة نصادفها في بداية الرواية أيضا، ما يجعل منها عتبة بالمعنى التداولي وبالمعنى السردي. إنه «بيت أردكيان الذي ظل مغلقا على محتوياته سنوات عدة.. بعد رحيل مانويل وزوجته في السادس عشر من مايو (أيار) 1948» ص 17. البيت مرتبط بالنكبة، ويوثق - كالكثير من البيوت - لتاريخ الذاكرة الفلسطينية، ذاكرة المكان. بيوت سلمها الاحتلال ليهود الشتات.
6 - الإهداء: ورد في العبارة الآتية: «إلى السيد (باقي هناك) المتخيل، وكل من بقي هناك في الحقيقة». عبارة مميزة لإهداء العمل الأدبي، توضح أن المؤلف يهدي هذا العمل، إلى مُهد له مفرد وسمه بالسيد، دلالة على احترامه وتقديره. المهدى له أيضا - كما يظهر من الإهداء - صنفان: مهدى إليه هو السيد «الباقي هناك»، ما يدل على ارتباطه بمكان ما - أرض ما، أشير إليها بهناك. ما يعني أن المكان وساكنه - السيد، ليس بعيدا كليا عن المؤلف. فهما متقاربان عاطفيا. ما يعكس وجود روابط بينهما (قد يكون الانتماء إلى المكان واحدا من هذه الروابط). هذا المهدى إليه، ينعته المؤلف بالمتخيل. فهو شخصية متخيلة، لكنها قد تقترب من شخصيات الواقع، وتماثلها في المصير والحلم. ويتجلى هذا، في الشخصية الورقية التي تمثل بطل الرواية الداخلية المعنونة «فلسطيني تيس»، باعتبارها مشروعا لشخصية من شخصيات الرواية.
ثم مهدى آخر بصيغة الجمع: «كل» جماعة باقية هناك حقيقة لا على سبيل التخيل. وقد حرص الكاتب على تقديم نماذج للمهدى إليهم، من خلال شخصيات مثل: محمود دهمان، الذي يعد نموذجا لكل فلسطيني ظل متشبثا بوطنه، على الرغم من مآسي النكبة وما تلاها من سياسات هادفة إلى اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم وهويتهم. فـ «محمود باقي هناك وبدوش يرجع». ص 116.
وشخصية «باقي هناك»، سواء المتخيلة أو «الحقيقية»، هي أداة فنية يطرح من خلالها المؤلف، سؤالا فلسفيا-مركزيا: ما مصير الإنسان الفلسطيني؟ الاستمرار في تجرع مرارة الغربة واللجوء، أم البقاء في الأرض المغتصبة حيث المعاناة أقسى وأمر؟ الرواية إذن، عمل أدبي يهديه المؤلف لكل من تشبث بالبقاء في الوطن، وقاوم وحشية المحتل.
التصدير: نص مواز يسهم في تحديد نوعية القراءة. أي أنه نوع من التعاقد الضمني والصريح، بين المؤلف والقارئ. والملاحظ أن المؤلف خص روايته بتصدير يقدم، من خلاله، هذا العمل للقارئ. تصدير يحمل عنوان «قبل القراءة». يستحضر المؤلف به المرحلة الأولى من المراحل الكبرى المميزة لفعل القراءة-الدائرة الهرمينوطيقية (مبحث التأويل الذي تأسس مع الفلاسفة الألمان).
يقول المؤلف في هذا التصدير: «هذه رواية عن فلسطينيين بقوا في وطنهم بعد حرب 1948. وهي رواية عن آخرين أيضا، هاجروا تحت وطأة الحرب ويحاولون العودة بطرق فردية». هنا تأكيد لجنس العمل باعتباره رواية، وإشارة إلى بعض قضاياها الرئيسة: اللاجئون، الهوية، الغربة، الهولوكوست، النكبة..، كما يتضمن التصدير إشارة إلى شخصيات الرواية وفضاءاتها المتنوعة، ومنهج الكاتب في بنائها، منهج يسم الرواية بالواقعية. وعلاوة على التوضيحات السالفة، يبرز الكاتب القالب السردي التجريبي الذي اختاره لنظم عمله، قالب الكونشرتو..، وقد ختم المؤلف مقدمته بشكر كل المساهمين في إنجاز العمل.
غلاف الرواية: سعى المؤلف من خلال هذه الكلمة، إلى تقديم الرواية وتقريبها من القارئ المفترض. إنها نص مواز له قصدية خاصة على مستوى التوظيف والاشتغال. وهي نواة تقدم الحكاية في صورة مكثفة، تنزع نحو تأطير خطاب الرواية، إذ تحدد سياقها وتلمح إلى عالمها الإيحائي، فتثير بذلك شهية القارئ ليقبل على قراءة المتن. والملاحظ أن هذه العتبة، تكرر مكونات العنوان على مستوى- خط واحد، ما يسمح بقراءة العنوان وفق النحو الآتي: هذه رواية عن مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة.
وبعد هذا التكرار، تقدم العتبة إشارات موجزة إلى تفاصيل أربع حركات سماها المؤلف كونشرتو، وفي كل حركة جملة أحداث تحركها شخصيات متصلة بفضاءات وأزمنة وعلائق.
إجمالا فقد أسهمت رواية «مصائر»، في إضاءة جوانب متصلة بمأساة الإنسان الفلسطيني، لا سيما ما يتعلق بتفكك معالم الهوية الفلسطينية وتجلياتها على مستويات اللغة، والأمكنة، والتاريخ، وقضايا العودة، والوجود والبقاء..، واللافت أن المدهون، عالج المأساة الفلسطينية وفق استراتيجية كتابية جعلت من العتبات قاعدة للتواصل مع القارئ، ومكنت النص من الانفتاح على أبعاد دلالية وأخرى فنية، تقوم على التجريب على مستوى البناء السردي (الشكل المتشظي)، وعلى التهجين اللغوي (العربية، العبرية، الإنجليزية، العامية الفلسطينية بتنوعاتها..) وتعدد الأصوات، وتداخل الأحداث والأزمنة والشخوص، للدلالة على تداخل مصائر الفلسطينيين، وتعددها وغموضها في الآن ذاته.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.