مسؤول تركي: معلومات مسبقة أفشلت الانقلاب.. ولا مؤشرات على تورط دول

أكد أن أنقرة لديها قوائم بأسماء المتعاونين مع الانقلابيين

صالح مطلوشن الممثل التركي الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي في مؤتمر صحافي أمس في جدة ({الشرق الأوسط})
صالح مطلوشن الممثل التركي الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي في مؤتمر صحافي أمس في جدة ({الشرق الأوسط})
TT

مسؤول تركي: معلومات مسبقة أفشلت الانقلاب.. ولا مؤشرات على تورط دول

صالح مطلوشن الممثل التركي الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي في مؤتمر صحافي أمس في جدة ({الشرق الأوسط})
صالح مطلوشن الممثل التركي الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي في مؤتمر صحافي أمس في جدة ({الشرق الأوسط})

أكدت الحكومة التركية أمس «عدم وجود مؤشرات على تورط أي دولة في الانقلاب الفاشل» الذي تم تطويقه مساء الخميس الماضي، مشيرة إلى أن لديها معلومات مسبقة عن احتمال وقوع الانقلاب، وهو يفسر سرعة تطويق الانقلابيين والقبض على أعداد كبيرة منهم.
وفسّر الممثل الدائم للجمهورية التركية لدى منظمة التعاون الإسلامي، السفير صالح مطلو شن، في مؤتمر صحافي في جدة أمس، سر القبض على كثير من الانقلابيين في فترة وجيزة، بقوله: «لدى الحكومة علم مسبق باحتمال وقوع انقلاب». ولفت إلى أن كثيرا من الانقلابيين سلموا أنفسهم طواعية، غير أن كثيرا منهم يعملون في مؤسسات حكومية ومعظمهم يسكن في منازل وفرتها لهم الحكومة التي تعرف عناوينهم وأماكن عملهم وتجمعاتهم جيدا، إضافة إلى كثير من المتورطين في محاولة الانقلاب تركوا خلفهم قوائم ومراسلات تفضح أسماء المتعاونين معهم في العملية الفاشلة، في إشارة منه إلى أن ذلك سهل عمليات القبض على الانقلابيين بالسرعة المطلوبة.
وركّز، في حديثه أمام الصحافيين بحضور السفير التركي لدى اليمن ليفن آلر، المقيم في جدة، على أنه «في هذه المرحلة لا يوجد أي مؤشرات لتورط أي دولة، والتحقيقات ستستمر لوقت طويل وستكون شاملة ومفصلة». وردًا على سؤال يتعلق باحتمالية وقوع انقلاب آخر ناجح بعد الفاشل، خصوصا أن الجيش في عملية الانقلاب الفاشلة تعرض للإهانة التي قد تضطره إلى عمل ما يمكن لاستعادة هيبته، قال السفير التركي لـ«الشرق الأوسط»: «تاريخ تركيا والدول الإسلامية يعتبر هذا الحدث مهمًا ويستفاد منه، فتركيا حدثت فيها انقلابات كاملة نجحت كما شهدت نصف انقلاب وأحدث انقلاب كان بمثابة شبه انقلاب في عهد رئاسة آخر رئيس وزراء، ولم يكن في أحد هذه الانقلابات أن قام الشعب التركي بالتحدي والنزول للشوارع لاستعادة حقوقه في أي من هذه الانقلابات، وهي تعتبر أول مرة تحدث في تاريخ تركيا، رغم حزنهم وألمهم على هذه الانقلابات».
وشدد على أن «هذه المحاولة الانقلابية لن تتكرر في وجود هذا الشعب العظيم الذي لم يسمح لمجموعة إرهابية باختطاف الديمقراطية، ونعلم مدى أهمية تركيا للأمة الإسلامية، وأن إخواننا في الدول الأخرى لم يناموا في تلك الليلة خوفًا وقلقًا، كما أنهم قدروا وقفة الشعب التركي وشجاعته».
وبحسب الممثل الدائم للجمهورية التركية لدى منظمة التعاون الإسلامي، تم القضاء على المخاطر المحدقة بتركيا والمؤسسات التركية: «وما يتبقى حاليًا لا يتجاوز المحاولات الفردية»، قبل أن يستدرك بقوله «لم نتأكد بنسبة 100 في المائة بأن الخطر انتهى تمامًا».
ووصف أتباع فتح الله غولن المتهم الرئيسي بالوقوف خلف الانقلاب الفاشل، بأنهم «إرهابيون، تعمدوا ضرب الأمن والأمان في كثير من مؤسسات الدولة»، وهو ما جعل الدولة تكثف عملياتها لتحديد هويات جميع المتورطين، تمهيدا لـ«محاكمة هؤلاء الإرهابيين».
وشدد على أن الحكومة التركية أوضحت موقفها من منظمة فتح الله غولن الإرهابية وحذرت جميع الدول منها، إلا أنها لم تجد تجاوبًا كافيًا ونتيجة مرضية، مبينا أن حكومته ستستمر في إلقاء الضوء على هذه المجموعة التي تشكل خطرا ولديهم أتباعهم حول العالم بدوافع خفية.
وذهب إلى أن منظمة غولن موجودة في جميع محافل الحياة متخفين حول العالم، وأن السعودية ودول الخليج تعلم مدى خطورتهم، واتخذت تدابير عدة للتصدي لهذه المجموعة.
وبين أن أميركا صديقة وحليفة لتركيا، وسيستمر التعامل معها للقضاء على «داعش» والمنظمات الإرهابية التي من ضمنها جماعة فتح الله غولن الإرهابية، وذلك من خلال تعميق التعاون مع أميركا.
وأكد أنه منذ البداية وقفت السلسلة القيادية والغالبية العظمى من القوات المسلحة التركية ضد محاولة الانقلاب، وكانت مجرد بعض من عناصر القوات الجوية وقوات الدرك ووحدات مدرعة اشتركت في هذه المؤامرة العنيفة، وقام كل من الشرطة والنيابة العامة فورا باتخاذ التدابير اللازمة لإحباط المحاولة.
وبيّن أنه وخلال العمليات التي تمت من المجموعة الإرهابية تم احتجاز 7 آلاف و543 حتى الآن، وأكثر من 24 من مخططي الانقلاب تم القبض عليهم أمواتا، و50 تم إلقاء القبض عليهم مصابين، ومن ضمن الذين تم احتجازهم 100 ضابط شرطة، و6 آلاف و38 فردا عسكريا، و755 قاضيا أو مدعيا عاما، و650 مدنيا، وتم إلقاء القبض على 316 متآمرا بعد الاعتقال.
وأكد أن العمليات مستمرة ومكثفة للقضاء على التنظيم غير القانوني لمخططي الانقلاب الإرهابي في مؤسسات حكومية أخرى بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو (تموز).
وذهب إلى أن المجلس الأعلى للقضاء ألغى عضوية خمسة من المجلس، وتم تعليق ألفين و745 قاضيا ومدعيا عاما والتحقيقات جارية حولهم، واتخذت وزارة الشؤون الداخلية بتعليق 8 آلاف و777 من منسوبيها، ولا تزال الإجراءات مستمرة حولهم.
وأعرب عن أسفه لـ«استشهاد» 145 من المواطنين، و60 ضابط شرطة وثلاثة جنود، وإصابة ألف و491 شخصا، مبينا هروب مجموعة من ثمانية أشخاص من المشاركين في الانقلاب إلى اليونان على متن طائرة مروحية قاموا بسرقتها، وأنه تم اتخاذ الخطوات اللازمة لإرجاع المشتبه بهم والطائرة المروحية.
وقال السفير صالح مطلو شن، إن مخططي الانقلاب لم يتلقوا الدعم الذي أملوا بالحصول عليه من المجتمع الدولي، شاكرا الدول الصديقة والشقيقة بما فيها السعودية والمؤسسات الدولية من ضمنها الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي التي أعربت عن دعمها وتضامنها عبر المكالمات الهاتفية للسلطة العليا، وعبر الرسائل والبيانات ضد محاولة الانقلاب.



روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.