كيف تغيرت عقيدة الجيش التركي وصولاً إلى الانقلاب الفاشل؟

من حامي العلمانية وجمهورية أتاتورك إلى حامي الشعب

كيف تغيرت عقيدة الجيش التركي وصولاً إلى الانقلاب الفاشل؟
TT

كيف تغيرت عقيدة الجيش التركي وصولاً إلى الانقلاب الفاشل؟

كيف تغيرت عقيدة الجيش التركي وصولاً إلى الانقلاب الفاشل؟

عندما تذكر الانقلابات العسكرية في تركيا، ولا سيما محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت مساء الجمعة الماضي، فلا بد من البحث عن عقيدة الجيش التركي والتغيرات التي طرأت عليها منذ عهد مصطفي كمال أتاتورك وصولا إلى اللحظة التي بدا فيها رافضا الانقلاب العسكري على إردوغان ومنقسما على أمر من الأمور التي كانت في يوم من الأيام هي جوهر عمل المؤسسة العسكرية وهي الدفاع عن قيم العلمانية ومبادئ الجمهورية وحمايتها من الإسلاميين.
وشهدت علاقات الجيش بالشأن السياسي تحولا جذريا بعد مجيء حكومة العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب إردوغان إلى السلطة عام 2003، حيث أدخلت تعديلات جوهرية على دور الجيش.
أهم هذه التعديلات يتلخص في: تقليص عدد العسكر داخل مجلس الأمن القومي إلى خمسة مقابل تسعة مدنيين، قرارات مجلس الأمن القومي لم تعد ملزمة، الأمين العام للمجلس مدني يتبع رئيس الوزراء، إخضاع تصرفات الجيش لمراقبة البرلمان. واستمرارا لتقليص دور المؤسسة العسكرية التي كانت مؤسسة مهيبة تزلزل الحكومات متى أرادت، شهد عام 2013 إقرار البرلمان التركي تعديلا على عقيدة الجيش، يقضي بأن الجيش يدافع عن المواطنين ضد التهديدات الخارجية، وذلك عوضا عن العقيدة السابقة التي تقول إن الجيش يحمي العلمانية في تركيا.
والجيش التركي هو ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الجيش الأميركي ويبلغ عدد أفراده نحو 670 ألفا، وميزانيته نحو 18 مليار دولار، ويحتل المرتبة ا15 عالميا على مستوى الإنفاق العسكري.
تمتلك قواته البرية على نحو 4300 دبابة، ونحو 7550 ناقلة حربية وقوامها نحو 315 ألف فرد.
يصل عدد طائراته إلى أكثر من 900 طائرة بينها طائرات قتال واعتراض، وطائرات هجومية، وطائرات نقل عسكري، وطائرات تدريب، إلى جانب مروحيات هجومية، وطائرات دون طيار.
القوات البحرية ف الجيش التركي تضم نحو 48600 فرد، ولديها 212 سفينة، و51 طائرة، إلى جانب فرقاطات وغواصات بحرية، إلى جانب كاسحات ألغام. ومقر قيادتها قرب مدينة إزمير غرب تركيا.
قوات الدرك أنشئت عام 1846، وتضم نحو276 ألف عنصر، ولديها نحو 1500 عربة وتجهيزات مصفحة ونحو 60 طائرة هليكوبتر.
ويعد الجيش التركي من أقدم الجيوش في العالم، وعرف تحولا مفصليا في أدواره إبان فترة حكم مصطفى كمال أتاتورك الذي برز كجنرال قوي ومنتصر، بعد سقوط الدولة العثمانية، مع رفاقه العسكر الذين صاغوا إطار الحياة السياسية للبلاد وفق مزاج الجيش بعقيدته الأتاتوركية، التي تعني حماية النظام العلماني ضد كافة أنواع المخاطر الداخلية والخارجية، وعلى أساس قوي من الشعور القومي الذي كان الجيش رمزا له.
التزم جنرالات الجيش بعد وفاة أتاتورك عام 1938 بالمبادئ نفسها، حيث كان لهم دور أساسي في مجمل المعادلات السياسية خلال فترة حكم عصمت إينونو الذي خلف أتاتورك في رئاسة الجمهورية حتى عام 1950، عندما انتقلت البلاد إلى التعددية الحزبية بإذن من جنرالات الجيش الذين كانوا يعرفون أنهم يملكون القوة الكافية للتدخل عند اللزوم، وضمن هذا السياق نفذ الجيش التركي أربعة انقلابات أعوام 1960، 1971، 1980، 1997، وصولا إل محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016.



2025... عام ملء الفراغات؟

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)
TT

2025... عام ملء الفراغات؟

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)

لا يوجد فراغ مسموح به في الطبيعة. فالطبيعة لا تغيّر طبيعتها، لأنها تكره الفراغ. في الفراغ لا حياة، لا صراع ولا تاريخ. فالتاريخ يتنقّل بين الفوضى والنظام. يُفرض النظام بالإكراه، فتوضع القوانين لتُفرض بالقوّة والإكراه أيضاً. هكذا كتب ألبير كامو، الفيلسوف الفرنسي في كتابه «الإنسان المتمرّد»، (The Rebel): «في النظام، كما في الفوضى، هناك شيء من العبوديّة». تستهدف الثورة النظام القائم، فتخلق الفوضى. لكنها مُلزمة بإعادة تكوين نظام جديد. وبين الفوضى والنظام، يدفع الإنسان العاديّ الأثمان.

يقول السياسيّ الراحل هنري كيسنجر ما معناه: إن الفراغ يجلب الحرب والهجوم. فهل سيكون عام 2025 عام ملء الفراغات، أو خلق بعضها؟

دخان يتصاعد من شمال قطاع غزة خلال قصف الجيش الإسرائيلي (أرشيفية - أ.ف.ب)

بعد عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تغيّرت موازين القوى في المنطقة. سقطت «حماس». سقط «حزب الله». سقط النظام في سوريا... وبذلك انهارت وحدة الساحات، أو ما يُسمّى محور المقاومة. وبسبب ذلك، سقطت منظومات كانت قائمة. وتظهّرت الفراغات القاتلة. ها هي إسرائيل تدمّر قطاع غزّة، لتخلق فراغاً لا توجد فيه حركة «حماس»، ولتؤسّس لحالة معيّنة قد يُطلَق عليها «الاحتلال التغييريّ»، (Transformative). بكلام آخر، فُرض الاحتلال أمراً واقعاً خارج القانون الدوليّ، لكنه طويل، ومُكلف للمُحتلّ، الأمر الذي قد يخلق ثقافة جديدة، ومختلفة عما كانت قبلها، حتى ولو تطلّب الأمر جيلاً من الزمن.

دخلت إسرائيل لبنان خلال الحرب الأخيرة، فخلقت منطقة عازلة. وها هي اليوم تُحصّنها استباقاً للسيناريو السيّئ. خلقت إسرائيل هذا الفراغ على الحدود اللبنانيّة، كما في داخل قطاع غزّة بالقوّة العسكريّة المُفرطة. لكن البقاء في لبنان واحتلال المنطقة العازلة، هو أمر مختلف تماماً عن احتلال قطاع غزّة.

بعد سقوط النظام في سوريا، سارعت إسرائيل إلى احتلال مزيد من الأراضي السوريّة وتوسيع المنطقة العازلة. لكنه احتلال من دون استعمال للقوّة، حتى ولو دمّر الطيران الإسرائيليّ قدرات الجيش السوريّ المستقبليّ. إنه احتلال مؤقّت-طويل. لكن المفارقة هي إعلان إسرائيل أن الجولان لن يعود إلى سوريا، وهو احتلال كأمر واقع (De Facto). ولتحرير الجولان، لا بد من حرب أو تفاوض، وهذان أمران متعذّرَان حالياً لأسباب كثيرة. وعليه قد يمكن حالياً إعلان وفاة مقولة كسينجر: «لا حرب في الشرق الأوسط من دون مصر، ولا سلام من دون سوريا».

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي وقال إنها لجولة رئيس الأركان هرتسي هاليفي الميدانية في جنوب لبنان (أرشيفية)

حال العالم

في أوكرانيا يستعين الرئيس بوتين في حربه بالتكنولوجيا الغربيّة لتصميم صواريخه، آخرها الصاروخ الفرط صوتيّ «أوريشنيك». كما يستعين بالمُسيّرات الإيرانيّة، والعسكر الكوري الشمالي لتحرير الأرض الروسية في كورسك. يريد بوتين الاحتلال التغييري للشرق الأوكرانيّ.

في منطقة نفوذ الصين، يسعى التنين إلى استرداد جزيرة تايوان على أنها جزء تاريخيّ من الصين الكبرى. فهي تحضّر البحريّة الصينيّة، كون الحرب، وفي حال حصولها، سيكون أغلبها في البحر. ورداً على ذلك، بدأ تشكُّل كثير من التحالفات ردّاً على السلوك الصينيّ.

وفي مكان آخر من العالم، يُحضّر الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب مأسسة الصراع مع التنين الصينيّ. فهو يريد استعادة السيطرة على قناة بنما، نظراً إلى أهمية هذه القناة على الأمن القومي الأميركيّ. فهي الشريان الحيويّ الذي يربط الشرق الأميركي بالغرب. وهي التي أوصى بها المفكّر الاستراتيجيّ الأميركي البحريّ ألفريد ماهان. وهي التي أشرفت على بنائها الولايات المتحدة الأميركيّة، وذلك بعد انفصال بنما عن كولومبيا وبمساعدة البحريّة الأميركيّة آنذاك، خلال فترة حكم الرئيس الأميركي الراحل تيودور روزفلت. وبذلك، تكون القناة قد مرّت بثلاث مراحل هي: 1906 البناء مع الرئيس روزفلت، و1977 مع الرئيس جيمي كارتر الذي أعادها إلى بنما، واليوم مع الرئيس ترمب الذي يريد استردادها.

صور الرئيس الأسبق حافظ الأسد ممزقة للمرة الأولى في تاريخ سوريا (الشرق الأوسط)

يرى البعض أن تصريحات الرئيس ترمب مجرّد كلام عاديّ بسبب شخصيّته الفريدة. لكن الأكيد أن تصريحاته تنمّ عن عمق جيوسياسيّ بعيد المدى. فما معنى طرحه موضوع شراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك؟ ما أهميّة هذه الجزيرة؟

إن ثقافة دبلوماسيّة الدولار (Dollar Diplomacy) في التاريخ الأميركي ليست جديدة. فهي قد اشترت لويزيانا من فرنسا عام 1803 بـ15 مليون دولار. كما اشترت من روسيا ولاية ألاسكا الحاليّة بـ7.2 مليون دولار.

شكّلت لويزيانا الربط بين الشرق والغرب الأميركيّ، كما سيطرت على أهمّ مرفأ أميركيّ يطلّ على خليج المكسيك. وبالحدّ الأدنى أخرجت دولة أوروبيّة من الأرض الأميركيّة. أما شراء ألاسكا، فقد أعطى أميركا إطلالة على مضيق بيرينغ الذي يطلّ بدوره على الأرض الروسيّة.

التحّولات الجيوسياسيّة الحاليّ

مع صعود الصين، تبدّلت موازين القوى العالميّة عمَّا كانت عليه خلال الحرب الباردة. فللصين قدرات كونيّة وفي كل الأبعاد، خصوصاً الاقتصاديّة والعسكريّة، وهذه أبعاد افتقر إليها الاتحاد السوفياتيّ. تسعى الصين إلى التموضع في القارة الأميركيّة. يُضاف إلى هذا التحوّل، الكارثة البيئيّة والاحتباس الحراري، الأمر الذي قد يفتح طرقاً بحريّة جديدة، حول الشمال الأميركيّ. خصوصاً أن ذوبان المحيط المتجّمد الشمالي سوف يُغيّر جغرافيّة الصراع الجيوسياسيّ بالكامل. ونتيجة لذلك، ستصبح الولايات المتحدة الأميركيّة تطلّ على ثلاثة محيطات بعد أن كانت تطلّ على محيطين.

وحدة مدفعية أوكرانية في منطقة زابوريجيا تطلق النار باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة (أرشيفية - رويترز)

تتميّز غرينلاند بمساحتها الكبيرة، نحو مليوني كيلومتر مربع، مع عديد لا يتجاوز 56 ألف نسمة، وثروات مهمّة قد تجعل أميركا تستغني عن استيراد كثير من الثروات الطبيعيّة من الصين. خلال الحرب الباردة حاول الرئيس هاري ترومان شراء الجزيرة، وهي لا تزال تضمّ قاعدة عسكريّة جويّة أميركيّة.

في الختام، إذا استطاع الرئيس ترمب استعادة السيطرة على قناة بنما، وسيطر بشكل ما على غرينلاند، سيتكوّن مثلثّ جيوسياسيّ دفاعيّ حول الولايات المتحدة الأميركيّة يرتكز على: غرينلاند، وألاسكا، وقناة بنما. كل ذلك، بانتظار الرئيس ترمب في البيت الأبيض، وكيف سيتعامل مع العالم خصوصاً الصين. فهل سيكون انعزاليّاً أم انخراطيّاً أم مزيجاً من المقاربتين؟