بوجه يعلوه العبوس الشديد، أدخل مصطفى أحمد الجزء المتبقي من قدمه المبتورة إلى ما قبل الركبة داخل ساقه الصناعية، مادا ذراعيه في الهواء لإحداث التوازن المطلوب لجسده. يقوم أحمد ببطء ويبدأ في المشي، الذي يشوبه العرج، نحو باب خيمته المتهالكة ذات الأرضية المتسخة.
تقف مجموعة من الأطفال ذوي شعر أشعث خارج الخيمة يختلسون النظر إليه من خلال فرجة في جدار الخيمة ليروا تلك العملية التي منحت أحمد أخيرا طرفا صناعيا، بعد أن كان قد فقد قدمه خلال قصف استهدف مسقط رأسه في شمال سوريا. يقول أحمد وهو يتصبب عرقا: «يغمرني شعور جارف بأني أريد أن أتمشى طويلا حتى أذهب لزيارة أصدقائي وجيراني. إنني أشعر وكأنني استعدت ساقي المبتورة، أشعر وكأنني عدت لطبيعتي مرة أخرى».
حصدت الحرب الأهلية السورية، التي دخلت عامها الرابع الشهر الماضي، أرواح أكثر من 150,000 شخص، فضلا عن عدد الجرحى، الذي يصل إلى أكثر من 500,000 شخص حسب إحصائيات اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهناك عدد لا يحصى من تلك الإصابات – لا توجد إحصائيات موثقة على ذلك – حولت أصحابها إلى خانة المعاقين جسديا، حسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».
ولا يعتبر الصراع داخل سوريا مختلفا في هذا الشأن، إذ إن كل الحروب ينتج عنها الكثير من القتلى والمصابين والمشوهين، لكن الاختلاف يكمن في نوعية الأسلحة المستخدمة في ارتكاب المذابح، التي تجري خلال كل صراع على حدة. ففي كولومبيا على سبيل المثال، كانت الألغام هي السبب الرئيس وراء حالات التشوه وفقدان أجزاء من الجسم. أما في العراق فكانت القنابل، التي تُزرع على جانبي الطريق، والتفجيرات الانتحارية، هي التي تقف وراء تلك الإصابات. وفي حالة سوريا، تقف الضربات الجوية ووابل المدفعية كمتهم رئيس وراء حالات التشوه والإعاقة الجسدية.
كانت الشظايا الناجمة عن ضربة جوية، شنتها القوات الحكومية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2011 على بلدة دير حافر التابعة لمدينة حلب، هي السبب وراء فقدان أحمد لساقه. ويقول أحمد، ذلك الفتى الخجول البالغ من العمر 19 عاما ذو الشعر الأسود الكثيف: «عندما استعدت الوعي للمرة الأولى بعد تلك الضربة الجوية شعرت بألم شديد وعرفت أنني فقدت ساقي. وشعرت ساعتها بأنه قد انتهى أمري، إذ لم يعد بإمكان المشي أو ممارسة العمل، لم يتبقَّ إلا السرير رفيقا دائما لي، لقد فقدت أي أمل في الحياة».
ومع قلة الحلول في سوريا، لجأ أحمد في بادئ الأمر إلى عكازين ليتمكن من التحرك. ثم قام أحمد مع والده بصنع ما يشبه الطرف الصناعي من البلاستيك والجوارب، وظل يستخدمه لمدة ستة أشهر قبل أن يتخلص منه. يقول أحمد عن ذلك الطرف الصناعي منزلي الصنع: «لم يكن مريحا بدرجة كبيرة، كما أنه كان يؤلمني في ساقي، وكان قصيرا بحيث كنت أعرج حينما كنت أمشي».
وعندما مزقت أعمال العنف شمال سوريا في أوائل عام 2013، غادر أحمد مع والديه و11 من أشقائه بلدة دير حافر إلى لبنان. ويعيش أحمد بصحبة عائلته على أطراف أحد الحقول في تجمع من الملاجئ المصنوعة من الخشب والمسامير والأغطية البلاستيكية على مشارف بلدة جب جنين في وادي البقاع اللبناني.
حصل أحمد على الطرف الصناعي الجديد من المنظمة الدولية للمعوقين، وهي منظمة غير حكومية تقدم المساعدة - بالإضافة إلى أشياء أخرى - للاجئين السوريين في لبنان والأردن، الذين فقدوا أطرافهم خلال الحرب الأهلية. يقول أحمد إن «أصعب ما واجهته خلال العامين الماضيين هو الشعور بأن أحدا لا يقف بجانبي. لقد شعرت بأن الأمر انتهى بالنسبة لي. لقد كنت أعتقد أنني لن أستطيع استعادة ساقي مرة أخرى وأنني لن أكون قادرا على المشي من جديد. أما الآن وقد حصلت على الطرف الصناعي فقد صار بإمكاني الحصول على فرصة عمل، وأن أغدو وأروح كما يحلو لي، وأزور أصدقائي أيضا وقتما أشاء».
وحالما خرج أحمد من خيمته، بدأ في السير متثاقلا في طريق ترابية تمر بجانب جدول ماء صغير. واشرأبت أعناق كبار السن من الرجال والنساء من داخل الخيمات لمراقبته وهو يعرج، كما تزاحم الأطفال الصغار خلال الطريق الترابية لمراقبة كل تحركاته.
يقول إنري بونان، أحد المديرين الميدانيين في المنظمة الدولية للمعوقين، إن الوقت المطلوب للتكيف مع الطرف الصناعي يختلف من شخص إلى آخر، حيث يستغرق كبار السن والأشخاص الذين فقدوا سيقانهم إلى ما فوق الركبة وقتا أطول من الشباب ليعتادوا على الطرف الجديد. وهناك عامل آخر في مسألة سرعة التكيف مع الأطراف الصناعية، ألا وهو دقة العملية الجراحية التي جرى خلالها بتر الجزء المفقود، إذ جرت الكثير من عمليات البتر خلال الصراع في سوريا في مستشفيات ميدانية أو عيادات متنقلة. ويشير بونان إلى أن «عمليات البتر هذه جرت خلال ظروف طارئة ونفذها ممارس عام للجراحة أو طبيب أسنان وليس جراح عظام متخصصا. وعليه فقد جرى إجراء عمليات البتر تلك في ظروف طارئة بهدف إنقاذ حياة المريض».
وفي مثل تلك الحالات الطارئة، يقوم الكثير من الأطباء ببتر العظام بشكل مباشر، وليس بزاوية حادة وهو ما ينبغي أن يحدث. وفي حال كان شكل البتر مسطحا وليس أسطوانيا يحتاج المرضى إلى إجراء جراحة ثانية أو ثالثة - وهي إجراء مؤلم – لتصحيح خطأ بتر العظام المباشر وللسماح للمريض بتركيب طرف صناعي.
ويبدو التأثير المادي لخسارة أحد الأطراف مرهقا للمريض وواضحا أمام أعين الآخرين، غير أن الجانب النفسي في هذا الأمر يبدو شديد الاختلاف بالنسبة إلى الكثير من السوريين. وهذا هو الحال بالنسبة إلى ريم دياب البالغة من العمر 34 عاما. في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012 ضربت قذيفة منزلها في بلدة خان شيخون في وسط سوريا، وقتلت زوجها مصطفى وابنتها الكبرى بتول ذات الـ15 سنة.
عانت ريم آلاما نفسية شديدة على مدى عدة شهور، حتى إن شعرها كان يتساقط، كما أن أبسط الأشياء كانت تمثل معضلة كبيرة بالنسبة لها. وتقول ريم إن أكثر ما كان يقلقها هو الخوف من أن ابنتها وولديها، الذين نجوا من القذيفة، سيشعرون بالرعب عندما يرون والدتهم وقد بُترت ساقها إلى ما قبل عظم الورك الأيمن بقليل. رفضت ريم رؤية أبنائها وأرسلتهم للعيش مع عمهم وجدتهم، وتقول: «كان لذلك تأثير نفسي كبير علي، إذ لم أكن ودودة مع أي شخص، حتى مع أبنائي، ولم أكن أرغب في رؤيتي على تلك الحال ولا يكونون قادرين على التعامل مع هذا الموقف».
جاءت ريم إلى لبنان بعد شهرين من إجراء عملية البتر، وجرى توفير طرف صناعي لها في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي. قام إخصائي علاج طبيعي وباحث نفسي - اجتماعي من المنظمة الدولية للمعوقين بزيارتها لأكثر من عشر جلسات للمساعدة في إعادة ناهليها نفسيا وعقليا. ورغم صعوبة الأمر، استطاعت ريم التكييف مع الطرف الصناعي ببطء.
وتضيف ريم: «هذا الطرف الصناعي ليس كساق المرء الحقيقية، فهو يبدو كشيء غريب، إذ لا يوجد توازن».
وتعيش ريم في الوقت الحالي مع أبنائها في خيمة أُقيمت أعلى سطح أحد المنازل في قرية شتورة في لبنان. ويشاركها العيش على سطح ذلك المنزل والداها وأشقاؤها الخمسة وأسرهم، ويكتظ بهم عدد قليل من الغرف الخرسانية. وبناء على تحفيز من إخصائي العلاج الطبيعي، تحاملت ريم على نفسها ونزلت السلم الخرساني وتمشت في الشارع الترابي وصعدت الرصيف بصعوبة.
وتقول ريم: «بدأ أبنائي في اعتياد رؤيتي بالطرف الصناعي، غير أنهم طرحوا الكثير من الأسئلة مثل: (لماذا انفصلت عنا؟)، لكنهم باتوا سعداء وهم يرونني أتحرك وأسير».
سوريون بترت أطرافهم يحاولون التكيف مع حياتهم الجديدة
منظمة دولية توفر لهم أطرافا صناعية في لبنان
السورية ريم ذياب تخلع ساقها الصناعية بمساعدة قريبتها في وادي البقاع وكانت فقدت ساقها جراء سقوط قذيفة على منزلها في خان شيخون (أ.ب)
سوريون بترت أطرافهم يحاولون التكيف مع حياتهم الجديدة
السورية ريم ذياب تخلع ساقها الصناعية بمساعدة قريبتها في وادي البقاع وكانت فقدت ساقها جراء سقوط قذيفة على منزلها في خان شيخون (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


