جذور المطبخ التركي.. من البداوة إلى بلاط السلاطين

خلطته يونانية آسيوية وشرق أوسطية

جذور المطبخ التركي.. من البداوة إلى بلاط السلاطين
TT

جذور المطبخ التركي.. من البداوة إلى بلاط السلاطين

جذور المطبخ التركي.. من البداوة إلى بلاط السلاطين

يُعتبر المطبخ التركي تواصلاً للمطبخ العثماني، الذي كان يُعتبر مزيجًا وخليطًا من كثير من المطابخ العريقة والقديمة، كالمطبخ اليوناني، ومطابخ آسيا الوسطى، ومطابخ القوقاز، والمطبخ اليهودي، والمطابخ الشرق أوسطية، وعلى رأسها مطابخ دول الهلال الخصيب، ومطابخ دول البلقان، والمطبخ الإيراني. وقد يمكن القول أيضًا إن المطبخ العثماني بدوره أثّر أيضًا في هذه المطابخ، وغيّر من هوياتها مع مرور الوقت.
بأية حال، فإن تطور المطبخ التركي تاريخيًا لم يكن مصادفة، بل كغيره من بقية المطابخ العالمية الراقية والممتازة، تكون نتيجة عدة عوامل رئيسية، يأتي على رأس هذه العوامل التنوع الجغرافي لتركيا، وما يعنيه ذلك من تنوع الخضار والفاكهة وغيره من المواد الرئيسية والتقنيات التي تلعب دورًا مهمًا في تطور المطابخ عادة.
وحسب الوثائق التاريخية المتوفرة، فإن الهيكلية الأساسية للمطبخ التركي ومواصفاته قد تشكلت في الفترة البدوية القديمة في الأقاليم الآسيوية الشرقية، ولا تزال سبل تعاطي سكان الأقاليم مع اللحوم والمعجنات والخضار والحبوب والأجبان واضحة للعيان في كثير من الأطباق المعاصرة، أكانت في لحم الكباب المشوي أم في ورق العنب. وقد تم إدخال وسائل تحضير هذه المواد الرئيسية إلى الأناضول في غرب البلاد (اسم الأناضول أصله يوناني ويعني مكان طلوع الشمس أو الشرق) في القرن الحادي عشر للميلاد. وتعتبر شبه جزيرة الأناضول التي تحاط ببحر إيجة وبحر مرمرة والبحر الأسود من المناطق التاريخية القديمة والمهمة، التي مرت عليها حضارات كثيرة؛ إغريقية وحيثية وأرمنية ورومانية وبيزنطية وإسلامية عثمانية. ومن الأناضول أيضًا تم إدخال وتقديم مئات الأنواع من الأسماك والأرز والكثير من أنواع الخضار والفاكهة، ومن تمازج هذين العالمين ولد هذه المطبخ التركي الغني واللذيذ كما يبدو.
إضافة إلى هذا التلاقح الجغرافي المهم، فإن التنوع في الخريطة الجغرافية في تركيا مذهل لدرجة أنه يضم مواصفات ثلاث قارات: الآسيوية والأفريقية والأوروبية، ويمكن مع كل رحلة لمدة ثلاث ساعات في السيارة، العثور على منطقة مختلفة تمام من ناحية درجات الحرارة والارتفاع والرطوبة والأحوال الجوية والخيرات المحلية من خضار وفاكهة. ومن شأن هذا التنوع الانعكاس بقوة على المطبخ التركي المحلي الذي أصبح من أشهر مطابخ العالم.
ففي المناطق الشرقية، عادة ما تتكلل الجبال بالثلوج ويكون شهر الشتاء طويلاً وفصل الربيع غنيًا بشتى أنواع الزهور تنتشر ظاهرة تربية الماشية، ويكثر إنتاج وتناول الكثير من أنواع الجبن واللبن والزبد والعسل والحبوب.
أما في المناطق الوسطية الجافة التي كانت قلب الإمبراطورية السلجوقية، حيث تنتشر سهول القمح على مد النظر، تنتشر أفران الطين كما هو الحال في قونية وينتشر الكباب وتنتشر المعجنات المخبوزة والمقلية التي يطلق عليها اسم البوراك وأطباق الخضراوات والحلوى التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر. وتقول الموسوعة الحرة في هذا الإطار إن الطعام أو المطبخ في مرمرة التي تضم كلاً من إسطنبول وأزمير وبورصة وبقية مطابخ المناطق المحاذية لبحر إيجة توارث الكثير من الأطباق من البلاط الملكي لسلاطين الإمبراطورية العثمانية، التي لم تكن تستخدم الكثير من البهارات، وكانت تفضل الأرز على البرغل، بينما تركز المناطق المحاذية للبحر الأسود والمحمية بجبال القوقاز على أطباق الأسماك والمازات المختلفة. وتعتمد هذه المناطق على زراعة الشاي والذرة والجوز.
أما المناطق الجنوبية - الشرقية التي تعتبر صحراوية الطبع، وتضم غازي عنتاب، ادنة وأورفة على الكباب والمازات والحلويات التي تعتمد على المعجنات كالبقلاوة والقطايف والكنافة وغيره. وتعتبر هذه المناطق أكثر استخدامًا للبهارات من بقية المناطق التركية بشكل عام. ورغم التشابه في أطباق هذه المناطق، فقد تختلف سبل تحضير الأطباق من مدينة إلى أخرى ومن بلدة إلى بلدة فقطع لحم كباب ادنة أصغر من قطع لحم كباب أورفة الذي لا يعتمد كثيرا على البهارات.
وفي المناطق الغربية، حيث تكثر الوديان الخصبة، تنتشر الخضار والفاكهة وأشجار الزيتون ويتم الاعتماد كثيرا على زيت الزيتون والأطباق التي تستخدمه. وبشكل عام فإن مطابخ المناطق الإيجية والمتوسطية ومرمرة في الشمال الغربي غنية بأطباق الخضار وتكثر من استخدم البهارات وأطباق السمك، ومطابخ وسط الأناضول غنية بالمعجنات الرقيقة المحشوة بالسبانخ واللحم والجبن المعروفة بالغوزوليم.
وفي هذا المضمار، ومجال ميزات المطبخ العثماني، تشير بلقيس شرارة في كتاب «الطباخ - دوره في حضارة الإنسان»، إلى أن المطبخ العثماني تميز باستخدامه كثيرًا للخضار، ولهذا برع الطباخون بإنتاج كثير من أطباق الخضار المطبوخة بالزيت. وإن الزيت الجيد كان يأتي من اليونان في عهد بايزيد الثاني الذي كان يستخدم زيتا عديم الرائحة. من مدينة قادية، كما كان استهلاك الزبدة المقبلة عبر البحر الأسود من مولدوفيا يستهلك كثرة أيضا. ومن المواد التي كانت تستخدم بكثرة أيضًا، حسب شرارة، هي البسطرمة والنقانق ولحوم الطيور والدجاج والبط والإوز والحمام. وكانت الفاكهة الفاخرة تأتي إلى قصور السلاطين وما تبقى منها يباع في أسواق خاصة. وتضيف شرارة أن الطباخ التركي عرف بصناعة الحلوى المعروفة بأنحاء العالم باسم «اللقم»، أو الراحة التي تحضر من العنب أو التوت مع الطحين والعسل وماء الورد.
وتضيف شرارة في مجال آداب المائدة نقلاً عن موظف رسمي في السفارة الفرنسية لو دران الذي كتب مذكرات طويلة عن الحياة اليومية في السفارة التركية: «إن الأتراك يطبخون أنواعًا مختلفة من المرق، وأنواعًا أكثر من المعجنات.. فهم لا يأكلون لحم الروست، إلا على شكل عجينة محشوة بلحم الغنم - البرك المحشي باللحم. ويأكلون كميات كبيرة من الرز، يضيفون الزعفران والتوابل والعسل والزبد لمعظم أنواع الطعام. وتقدم في بداية وجبة الأكل أنواع مختلفة من السلاطة، مع أنواع مختلفة من الخضراوات. ثم يقدم نوع واحد على المائدة، يرفع ليحل محله نوع آخر، وهكذا يستمر وضع ورفع الأطباق المختلفة من أنواع الطعام التي يصل عدها في بعض الأحيان إلى 40 - 50 نوعًا من الوجبة الواحدة».
ومن العوامل الرئيسية والمهمة أيضًا في المطبخ التركي، تطور وتكون المطابخ الملكية للسلاطين والأمراء والطبقات العليا عبر الزمان، إذ ضمت هذه المطابخ نخبة الطباخين المتنافسين لإيجاد أفضل الأطباق لاستقطاب واسترضاء أسيادهم. ويعود أصول كثير من الأطباق الشعبية الحالية، كما نعلم، إلى هذه المطابخ الفاخرة، حيث أحبتها الطبقات الدنيا، واعتبرتها جزءًا من مطابخها.
وقد سبق للفخري ولابن خلدون وغيرهما أن قالوا إن الناس على دين ملوكهم، وهذا القول ينطبق أيضًا على طعامهم. وكان لهؤلاء الملوك والسلاطين 600 عام من الزمن أيام الإمبراطوية العثمانية، أي ما يكفي للتأثير على أي مطبخ في العالم.
ولمعرفة مدى تأثير قصور السلاطين على تطور المطبخ التركي لا بد من إلقاء نظرة على تركيبة قصر طوب قابي. فقد كانت المطابخ تشمل عدة مبانٍ تحت عشر قباب. وفي القرن السابع عشر وصل عدد العاملين في هذه المطابخ الذين يعيشون في القصر إلى 1300 عامل منهم مئات الطباخين المختصين بشتى أنواع المآكل، مثل طباخي الشوربة وطباخي الأرز وطباخي الكباب وطباخي الخضار وطباخي أطباق السمك والخبازين وصناع الحلوى.
ويؤكد موقع «المطبخ التركي»، أن السلطان الغازي محمد الثاني الفاتح بعد السيطرة على إسطنبول منتصف القرن الخامس عشر بدأ إعارة الاهتمام إلى الطعام أكثر من الماضي، والمطبخ التركي نفسه. وفي عهده بالذات تم إدخال الكثير من العناصر الجديدة إلى المطبخ التركي الفاخر لأول مرة كأطباق السمك. وقد تم إفراز ما مساحته 1.3 هكتار للمطابخ في قصر طوب قابي، وكان لكل طبقة من طبقات سكان القصر مطابخها الخاصة بها، وقد وصل عدد الطباخين الكبار إلى 60 طباخا وعدد الطباخين المتدربين إلى 200 طباخ كانوا يطبخون لـ4000 شخص يوميًا. وكان هذا العدد يتضاعف عدة مرات أثناء العزائم والأعياد والاحتفالات الخاصة في القصر.
ولم يكن هناك غرف خاصة بتناول الطعام في القصر، إذ كان يمكن تحويل أي غرفة لهذه الغاية عند الحاجة، ولم يكن يتعدى عدد وجبات النهار أكثر من وجبتين؛ واحدة في الصباح الباكر وأخرى عند غروب الشمس.
لم تتغير عادات الأكل العثمانية التقليدية التي تعتمد على تناول الطعام على الأرض حول الصينية المغطاة بالقماش والمليئة بشتى أنواع الأطباق، إلا مع نهاية القرن التاسع عشر، أي مع بداية النهاية للإمبراطورية العثمانية، وأيام بدأ يُطلق عليها لقب «الرجل المريض». ففي نهاية القرن التاسع عشر بدأ العثمانيون تغيير عاداتهم القديمة والتحول إلى العادات الأوروبية الجديدة، وانتقلت الطبقة الحاكمة من قصر طوب قابي إلى قصر طولمه باغجه في منطقة بشكطاش في إسطنبول. ومع هذا الانتقال، بدأ الحكام يجلسون حول الطاولة ويستخدمون السكاكين والشوك. ومع تأسيس تركيا الحديثة انقسم المطبخ التركي إلى قسمين؛ الأول وهو المطبخ الكلاسيكي الذي يعبر عن المطبخ العثماني والثاني المطبخ التقليدي التراثي الذي يعبر عن المناطق والإقليم والإثنيات المختلفة.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».