اقتصاد تركيا.. آثار فورية سيئة وخطة الإصلاح كفيلة بالعلاج

تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نموه بنسبة 3.9% هذا العام

مواطنون يتجمعون خارج مطار أتاتورك بعد إعلان الانقلاب (رويترز)
مواطنون يتجمعون خارج مطار أتاتورك بعد إعلان الانقلاب (رويترز)
TT

اقتصاد تركيا.. آثار فورية سيئة وخطة الإصلاح كفيلة بالعلاج

مواطنون يتجمعون خارج مطار أتاتورك بعد إعلان الانقلاب (رويترز)
مواطنون يتجمعون خارج مطار أتاتورك بعد إعلان الانقلاب (رويترز)

قد يكون واضحًا أن الاقتصاد التركي تعرض ليل الجمعة الماضي لاضطرابات عنيفة سواء على مستوى تداولات أسواق العملة أو الأسهم، وكذلك حركة الطائرات، التي جاءت كنتيجة مباشرة لمحاولة الانقلاب العسكري للسيطرة على الحكم في البلاد. لكن بعد فشل المحاولة، فمن المرجح أن تخف حدة التأثير على الاقتصاد التركي، خاصةً في ظل استمرار الحكومة التركية في تنفيذ منظومة الإصلاحات الجديدة.
وانخفضت الليرة التركية لأقل مستوى في ثماني سنوات، بعد أن قال الجيش التركي إنه استولى على السلطة، فقدت الليرة نسبة تصل إلى 6 في المائة قبل أن تغلق متراجعة بنحو 4.6 في المائة لتصل إلى 3.0157 مقابل الدولار وسط حركة من البيع المكثف لم تشهدها البلاد منذ عام 2008. وسط صدور تقارير عن إطلاق نار والتعبئة العسكرية في البلاد للسيطرة على الحكم في البلاد. وانخفض العائد على سندات الخزانة لمدة 10 سنوات بأربع نقاط أساس لتغلق عند مستوى 1.55 في المائة.
وقبل انقلاب الجيش التركي الذي فشل في السيطرة على السلطة، أول من أمس الجمعة، كانت تركيا ثاني أقوى بورصة في أوروبا الشرقية لعام 2016 مع ارتفاعها بنحو 15 في المائة، ذلك بعد كازاخستان التي ارتفعت بنحو 20 في المائة. وتركيا هي صاحبة تاسع أفضل بورصة عالميًا وتفوق كل الأسواق المتقدمة. ونما الاقتصاد بنحو 4.8 في المائة في الربع الأول، بفوزه على تقديرات الاقتصاديين. لكن قد تنخفض الأسهم التركية بما يصل إلى 20 في المائة، بغض النظر عن النتيجة السياسية، وفقا لقول عماد موستاق، وهو خبير استراتيجي بشركة «Ecstrat» المحدودة ومقرها لندن.
فمنذ عام 1960. شهدت تركيا - عضو حلف شمال الأطلسي - ما لا يقل عن ثلاث عمليات انقلاب من قبل الجيش. ولكن منذ وصول حكومة حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية إلى السلطة في عام 2002، تقلص النفوذ السياسي للجيش. وفي المرة الأخيرة التي تمكنت المؤسسة العسكرية من الحكم في تركيا، في عام 1997، انخفض مؤشر البورصة في إسطنبول؛ حيث تراجع مؤشر الـ100 بنسبة 15 في المائة في أيام التداول الثلاثة التالية ليوم الانقلاب. ثم استأنف المؤشر ارتفاعه وارتفع في نهاية المطاف 254 في المائة هذا العام.
لكن الاضطرابات السياسية قد تترك الاقتصاد التركي عرضة للضعف لأنه يعتمد على الاستثمار الأجنبي في تمويل العجز في الحساب الجاري. علمًا بأن العجز سيتسع إلى 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2016. من 4.4 في المائة في عام 2015، وفقا لاقتصاديين استطلعت وكالة بلومبرغ آراءهم.
وقال نيل قص، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في مؤسسة «Capital Economics» ومقرها نيويورك: «تركيا لديها متطلبات كبيرة للاقتراض الخارجي بسبب فقاعة الائتمان الضخمة». ويرجح نيل قص، أنه عند إعادة فتح الأسواق يوم الاثنين سيحدث مزيد من عمليات البيع في الأصول التركية. ويحذر قص من أن حالة عدم اليقين التي نجمت عن محاولة الانقلاب «يمكن أن تؤدي إلى تراجع خطير في الاقتصاد»، الذي يكافح بالفعل مع عدد من القضايا - بما في ذلك وجود عجز كبير في الحساب الجاري، وضعف العملة وأزمة اللاجئين السوريين.
ورغم ذلك، استأنفت الخطوط الجوية التركية رحلاتها الجوية من مطار إسطنبول الدولي، أمس السبت، في حين ألغت بعض الشركات الأجنبية رحلات نهاية الأسبوع. وقال متحدث باسم الخطوط الجوية التركية، إن الرحلات قد عادت إلى الجدول الزمني المعتاد، على الرغم من أن التأخير كان متوقعًا. وقال ايلكر عيسى رئيس مجلس إدارة الخطوط الجوية التركية - لإذاعة «سي إن إن» التركية - إن إغلاق مطار أتاتورك بإسطنبول في وقت متأخر يوم الجمعة تسبب في تحويل 35 طائرة إلى وجهات أخرى مع إلغاء 32 رحلة.
وأظهرت البيانات تراجع عدد السياح الأجانب إلى تركيا بنسبة 28 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي، وهو أكبر انخفاض منذ 17 عامًا. ويشير التراجع في معدلات السياحة إلى المزيد من الألم للاقتصاد التركي، الذي يتألم بالفعل من تباطؤ الصادرات وضعف الاستثمارات. ويتوقع بعض الاقتصاديين أن عائدات السياحة ستنخفض بمقدار الربع هذا العام، بما يكلف الاقتصاد نحو 8 مليارات دولار.
وتأتي محاولة الانقلاب الفاشلة لتزيد من العقبات الوخيمة على عاتق الاقتصاد التركي، ذلك بعد أن قام ثلاثة مهاجمين مسلحين ببنادق ومتفجرات بهجوم مباشر على مطار أتاتورك الدولي في 28 يونيو (حزيران) الماضي، مما أسفر عن عشرات القتلى ومئات الجرحى. ذلك جنبًا إلى جنب مع مواجهة تركيا تهديدًا متزايدا من قبل «داعش»، فضلا عن التمرد الكردي المحلي.
وبالإضافة إلى ذلك، فعلاقات تركيا ما زالت متوترة مع روسيا وإسرائيل (على الرغم من التحركات الأخيرة نحو المصالحة) والمأزق المتواصل في سوريا والعراق والتي تولد مجموعة واسعة من المخاوف الأمنية للحكومة في أنقرة. أضف إلى ذلك الضغط الديموغرافي بوجود ما يقرب من 3 ملايين لاجئ سوري في المحافظات الجنوبية لتركيا، مما يزيد من الصعوبات الاقتصادية والأمنية في البلاد.
لكن على الرغم من هذه الضغوط، بقي الاقتصاد التركي مرنا بشكل مدهش، ولم تشهد تركيا أزمة اقتصادية عميقة مثل تلك التي شوهدت في اليونان وإسبانيا. وهناك عدة أسباب لمحافظة الاقتصاد التركي على مستويات من النمو المعقول رغم تلك الصعوبات التي يواجهها. فعدم الاستقرار والإرهاب المنتشر في البلاد لم يكن له تأثير يذكر على الاستهلاك الخاص من قبل المواطنين. في الوقت نفسه، فمرونة الاقتصاد التركي تنبع في جزء كبير من استقرار الأسعار المحلية التي تأتي مع انخفاض أسعار النفط.
والمحرك الرئيسي للاقتصاد التركي هو مدى الاستهلاك المنزلي الخاص، والتي تغطي ما يقرب من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في تركيا. وعلى الرغم من وجود عدد كبير من الشكوك والتهديدات الأمنية، والهجرة الداخلية الناتجة عن ذلك، سواء من المواطنين في المناطق الكردية ومن اللاجئين السوريين، كان له أثر إيجابي على إنفاق الأسر، التي ارتفعت بنسبة 5 في المائة في الربع الأول من عام 2016.
وبالإضافة إلى ذلك، أدت العقوبات الروسية على صادرات المواد الغذائية التركية (التي فرضت بعد أن أسقطت طائرة مقاتلة تركية طائرة عسكرية روسية على الحدود بين تركيا وسوريا) إلى انخفاض كبير في أسعار المواد الغذائية المحلية، وكان لذلك أثر إيجابي على التضخم في الربع الأول من 2016.
ويستفيد الاقتصاد التركي من حالة عدم اليقين حول الاقتصاد الإقليمي والعالمي، حيث إنه يوفر مكانًا أفضل نسبيًا للقيام بأعمال تجارية. ذلك على الرغم من الهجمات الإرهابية وعدم الاستقرار الداخلي. واستمرار هذا الوضع يجعل تركيا قاعدة جيدة للكثير من الشركات الدولية التي تستثمر في الشرق الأوسط والبلقان، والقوقاز - وهي بطبيعتها المناطق المعرضة للخطر.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأزمات الاقتصادية في اليونان وإسبانيا وبولندا، وإيطاليا، والتباطؤ الاقتصادي في الصين، وحالة عدم اليقين الهائل الذي يشكله تصويت بريطانيا على مغادرة الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تخفف من حدة المشاكل الأمنية في تركيا. كذلك لا يزال التصنيف الائتماني العام لتركيا أعلى من البرازيل، وكرواتيا، والبرتغال، وقبرص، وصربيا. على الرغم من المخاطر السياسية. وارتفعت تركيا مركزين في عام 2015 لتصبح الوجهة الـ20 الأكثر شعبية في العالم للاستثمار الأجنبي المباشر.
هذا لا يعني أن الاقتصاد التركي يمكن أن يبقى واقفًا على قدميه إذا استمرت المشاكل الأمنية والإرهاب التي تؤثر بشكل كبير على معدلات السياحة في البلاد، فأي بلد يستغرق عادة نحو 13 شهرًا للتعافي من هجوم إرهابي، وفقا لمجلس السياحة والسفر العالمي. وقال البنك الدولي - في تقرير صدر يوم الجمعة - إن نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) تباطأ في تركيا في النصف الأول من عام 2016 مقارنة مع الفترة ذاتها من العام السابق نتيجة لتباطؤ تراكم المخزون وانخفاض في صافي الصادرات.
وأوضح التقرير أن الركود يوحي بأن الناتج المحلي الإجمالي التركي سينمو في 2016 بأقل من 4 في المائة المتحققة في عام 2015، وذلك لأن تراكم المخزون الذي أدى للنمو البطيء في الربع الأول من العام، سيؤدي إلى تباطؤ النمو على مستوى العام. بالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير، إلى نمو الواردات التركية بصورة أسرع من الصادرات نتيجة لزيادة الاستهلاك المحلي، مما أثر بشكل سلبي على الاقتصاد. وأضاف البنك الدولي، أن التطورات السلبية على التجارة تفاقمت بسبب المسائل الأمنية وتراجع السياحة بسبب العقوبات الروسية، في حين من المرجح أن يزداد التضخم في النصف الثاني من 2016.
وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نمو الاقتصاد التركي 3.9 في المائة هذا العام فضلا عن النمو بنحو 3.7 في المائة في عام 2017. وذكرت أنه من أجل الحصول على نمو قوي ومستدام في حجم المدخرات المحلية ينبغي زيادة وتنويع الطلب الأجنبي.
وخفضت المنظمة التوقع السابق عند 7.9 في المائة للرقم القياسي لأسعار المستهلك (CPI) في عام 2016 إلى 7.4 في المائة، ولكن تم رفع التوقعات من 7.3 في المائة لعام 2017 إلى 7.4 في المائة. ولم تدخل المنظمة أي تغيير في توقعات العجز في الحساب الجاري.
وتشير دراسة المنظمة عن الاقتصاد التركي في عام 2016 - التي نشرت أول من أمس (الجمعة) - إلى أن النمو الاقتصادي ينظر إليه باعتباره قويًا على الرغم من الظروف السلبية على مدى العامين الماضيين، كالمخاطر الأمنية الداخلية، وتدهور في العلاقات التجارية مع روسيا وتدفق اللاجئين. ويشير المسح إلى تحقيق نمو قوي خلال السنوات الماضية على الرغم من الظروف الإقليمية والداخلية السلبية، قائلا: «كان خلق فرص العمل القوي وخاصة في المناطق المتخلفة في تركيا بمثابة تجربة دائرة».
ولكن قد نما العجز في الحساب الأجنبي وتدهور صافي وضع الاستثمار الأجنبي بطريقة أو بأخرى على مدى السنوات الـ10 الماضية، ويؤكد تقرير المنظمة على وجوب زيادة المدخرات المحلية من أجل الحصول على النمو المرتفع والمستدام، ذلك فضلاً عن ضرورة تحقيق التوازن بين الطلب الأجنبي والمحلي، وتشير الدراسة أيضا إلى أن القدرة التنافسية ينبغي رفعها، من خلال خفض الأجور وتضخم الأسعار وزيادة الإنتاجية.
وقالت المنظمة - في أول دراسة للحالة الاقتصادية لتركيا منذ عام 2014 - إن الحكومة في أنقرة يجب أن تعزز من الانخفاض في معدل الادخار المحلي في البلاد، وتعزز سيادة القانون، وتحارب الفساد. وقالت المنظمة: «يجب أن يقوم صانعو السياسة النقدية أيضًا بزيادة احتياطيات النقد الأجنبي في تركيا للحماية من التقلبات والصدمات العالمية، والتي يمكن أن تزيد من معدل التضخم. كما يجب على الدولة أن تقلل الحواجز أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، كما أنها في حاجة لتقليل الاعتماد على تدفقات رأس المال لتمويل العجز في الحساب الجاري.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.