100 فصيل مسلح في بغداد تتسابق للسيطرة على الشارع

العاصمة العراقية بلا حماية أمنية رسمية.. ومخاوف من المواجهات المستقبلية

عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)
عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)
TT

100 فصيل مسلح في بغداد تتسابق للسيطرة على الشارع

عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)
عرض لقوات الأمن العراقي في بغداد أمس (أ.ب)

المشهد في العاصمة بغداد يوحي كأن معركة داخلية بأطراف متعددة ستنشب. صراع الميليشيات بات مكشوفًا، وكل فترة زمنية تمر يكون العراقيون على موعد مع ولادة فصيل مسلح جديد وآخرها «جيش مؤمل» بزعامة سعد سوار، وهو شخصية عراقية مغمورة على الصعيدين العسكري والسياسي. «الشرق الأوسط» رصدت الحالة من وسط العاصمة العراقية، والتقت مسؤولين وبرلمانيين شخصوا الوضع القلق والفلتان الأمني الذي عجزت حكومة بغداد عن السيطرة عليه، أو حتى منع الميليشيات المسلحة من التجاوزات. الفلتان الأمني لا يبدأ فقط بتصاعد الهجمات الإرهابية في العاصمة العراقية ومحيطها بدءا من تفجير الكرادة، وسط بغداد، قبيل عيد الفطر بيومين، الذي حصد أكثر من 300 ضحية دون الكشف عن أسلوب التفجير وأسبابه، وليس نهاية بظهور مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، بالزي العسكري، وهو يترأس اجتماعا لقادة جناحه المسلح «سرايا السلام»، آمرا إياهم بالتهيؤ لأي طارئ خلال ساعتين «بكامل عدتهم وعددهم». مصادر حكومية رسمية أكدت أن الفصائل المسلحة في العاصمة وحدها تجاوزت 100 فصيل، وهي غير رسمية.
شوارع بغداد التي تزدحم بلافتات وصور وشعارات العشرات من الميليشيات المسلحة، فالمعروفة منها هي: «بدر، وفصائل أهل الحق، وسرايا السلام، وحزب الله العراقي، وسرايا الخراساني»، وهناك: «جند الأمام، وأبو الفضل العباس، وجند الله، وبابليون (فصيل مسيحي مسلح مدعوم من قبل الشيعة)»، هذه الشوارع خلت ليلة الخميس – الجمعة، حيث سارع الناس للعودة إلى بيوتهم قبيل منتصف الليل، بسبب صدور تعليمات للأجهزة الأمنية بغلق الجسور التي تربط بين جانبي الكرخ والرصافة، وبسبب التصريحات الخطيرة لزعيم التيار الصدري التي وجهت رسالة بأن مواجهات مسلحة ممكن وقوعها سواء بين «سرايا السلام» وبقية الميليشيات، أو بينها وبين القوات الأمنية. وسارع البغداديون إلى تسوق المواد الغذائية خشية حدوث أي طارئ اليوم، الجمعة، بينما غادر كثير منهم العاصمة إلى إقليم كردستان أو إلى خارج العراق.
وحسب المحامي والناشط المدني، جلال فهمي، فإن «بغداد صارت اليوم على كف عفريت الميليشيات، وفي أي لحظة نتوقع حدوث مواجهات مسلحة بين الميليشيات أنفسهم لغرض تقاسم مناطق النفوذ وسط العاصمة»، مذكرا «بأحداث اقتحام المتظاهرين للبرلمان ورئاسة الوزراء الشهر الماضي وسيطرة ميليشيا (سرايا الخراساني) المرتبطة بإيران مباشرة منطقة الجادرية في الكرادة وحدوث مواجهة شبه مسلحة مع ميليشيا (سرايا السلام) التابعة للتيار الصدري».
وقال فهمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «بغداد اليوم بلا حماية أمنية حكومية، بل تحكمها الميليشيات المسلحة والمنفلتة التي يصفها مقتدى الصدر بـ(الميليشيات الوقحة) مع أن ميليشيا (سرايا السلام)، التي كانت تسمى سابقا (جيش المهدي)، متهيئة بكامل عدتها وأسلحتها للسيطرة على قسم من منطقة الكرادة التي كانت محسومة أصلا لنفوذ المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم مدعوما بميليشيا (سرايا الخرساني)، و(عصائب أهل الحق) بزعامة قيس الخزعلي الذي انشق أصلا عن جيش المهدي، وميليشيا (بدر) بزعامة هادي العامري الذي انشق عن المجلس الأعلى الإسلامي».
يضيف المحامي فهمي قائلا: «لقد كشف تفجير الكرادة هشاشة الوضع الأمني ببغداد، ذلك أن منطقة الكرادة مزدحمة بالميليشيات المسلحة وبنقاط التفتيش الأمنية التابعة للحكومة، ومع ذلك حصل خرق أمني كبير لم يكشف عنه حتى الآن مكن الانتحاري من الوصول بسيارته إلى موقع الانفجار ليقتل المئات من الأبرياء»، مشيرا إلى «عدم وجود وزير للداخلية وسيطرة ميليشيا (بدر) على الملف الأمني في العاصمة كون وزارة الداخلية من حصتهم».
نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية حامد المطلك، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك مائة فصيل مسلح غير رسمي ببغداد وحدها، وحسب اعتراف حيدر العبادي، رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، قد يكون هذا الرقم مبالغا به، لكن هناك العشرات من الفصائل المسلحة في شوارع بغداد، وهذا موضوع يثير بالتأكيد قلق الناس ويرعب أمنهم واستقرارهم»، داعيا إلى أن «تعمل الحكومة وبقوة من أجل نزع السلاح غير الشرعي وتفتيت الميليشيات المسلحة وإيجاد حل مناسب لعناصرها».
وتساءل المطلك قائلا: «كيف يريدون بناء دولة قانون ومؤسسات دستورية في ظل هذا الانفلات الأمني؟»، منبها إلى أن «العبادي غالبا ما صرح بضرورة سحب السلاح من الميليشيات، وأن يكون السلاح بيد الدولة فقط، لكن يبدو أن هذا الأمر معقد وصعب تحقيقه».
وأشار نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية إلى أن «هناك خلافات سياسية بين أحزاب وفصائل التحالف الوطني (شيعي)، وكل جهة تحاول استعراض قوتها ووجودها وتأثيرها في الشارع وأي جهة تستطيع أن تحرك الناس»، منبها إلى أن «مقتدى الصدر أثبت قدرته على تحريك الجماهير وهو يطرح مشروعا وطنيا تابعا لدولة أجنبية ومناصرا للحق وللعدالة، بينما هناك فصائل غالبيتها تابعة لدولة إقليمية (إيران) وممولة من قبل جهة خارجية وتريد احتلال مناطق معينة».
وقال المطلك إن «الميليشيات المسلحة للأسف أقوى من الأجهزة الأمنية الحكومية، والدليل على ذلك تفجير الكرادة وقضاء بلد، وقصف مخيم كسنزان للمهجرين من الأنبار في منطقة الدورة، وقصف معسكر ليبرتي الذي يضم عناصر (مجاهدين خلق) الإيرانية المعارضة الذي يقع على حدود مطار بغداد الدولي، كل هذه التفجيرات والقصف بالصواريخ ومدافع الهاون والدولة لم تحرك ساكنا»، محذرا من أن «تنفلت الأمور وتتطور إلى مواجهات مسلحة بين الميليشيات نفسها، وإذا حدث ذلك لا قدر الله فإن الجميع سيحترق بنار هذه المواجهات»، وأشار إلى أن «العرب السنة ليست لهم أي ميليشيا مسلحة، لأنهم لم يلجأوا إلى هذا الأسلوب منذ البداية».
مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى أكد أن «مشكلة الميليشيات المسلحة ممكن حلها إذا كانت الحكومة تريد ذلك، لكن المشكلة أن أطرافا سياسية وحكومية تعتبر وجود هذه الميليشيات حماية لها وعنصرا مساعدا لبقائها».
وقال المسؤول الأمني، الذي فضل عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط»، إن «كل الأحزاب الشيعية لها أذرع عسكرية وتعتبرها مشروعة، ثم جاء (الحشد الشعبي) الذي اعتبر غطاء شرعيا وقانونيا لوجود هذه الميليشيات، ولو صدرت الأوامر لنا اليوم بحل الميليشيات المسلحة لتمكنا من ذلك، لكن الغريب أن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة يصرح بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، بينما حزبه، حزب الدعوة، يدعم بعض هذه الميليشيات، والأكثر من هذا أن نوري المالكي زعيم حزب العبادي ورئيس الوزراء السابق هو من دعم تشكيل بعض الميليشيات لدعم بقائه في السلطة لفترة أطول».
وأضاف: «نحن بالفعل نخشى أي مواجهة مسلحة بين هذه الميليشيات، وهذا قلق المواطن العراقي، فالدولة غير قادرة على فض مثل هذه الاشتباكات، لأن الأجهزة الأمنية موزعة طائفيا وعشائريا وسياسيا ومناطقيا، وهذا يجعل مهمة السيطرة على الميليشيات صعبة للغاية».



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.