«حروب المزايدة العقارية» تنتقل من نيويورك إلى الضواحي

«شح المعروض» يشعل «الأسواق الفرعية» ويدخلها خانة الملايين

«حروب المزايدة العقارية» تنتقل من نيويورك إلى الضواحي
TT

«حروب المزايدة العقارية» تنتقل من نيويورك إلى الضواحي

«حروب المزايدة العقارية» تنتقل من نيويورك إلى الضواحي

انتظرت نادية كريفيكوفا وميشيل كريفيكا دورهما في قائمة الانتظار إلى أن ظهر منزل بداية سبتمبر (أيلول) الماضي. بني المنزل القديم الذي تبلغ مساحته 2500 قدم مربع عام 1924 وسط فناء ملائم للعب الأطفال بقرية وتشستر كاونتي بمقاطعة بلهام مانور. في الحقيقة، فإن الزوجين اللذين يعيشان في ولاية مانهاتن، حيث الزوجة تعمل محاسبة، في حين أسس الزوج شركة ثينك مودو، التي تعمل في مجال حملات الفيديو الدعائية، شعرا بالحاجة إلى مساحة إضافية لأطفالهم الصغار.
وبعدما نصحهم وكيل العقارات آرثر لي سينتا، سمسار عقارات لدى مؤسسة هوليهان لورانس، بسرعة الانتقال، ما كان عليهم إلا التوجه لمعاينة المنزل في اليوم التالي مباشرة.
وفي تمام الساعة الخامسة، تقدم الزوجان بعرض يتوافق مع السعر المطلوب كاملا وكان 942 ألف دولار أميركي، غير أن البائعين أرادوا إعطاء أنفسهم بعض الوقت، ومع مرور الوقت رفع الزوجان من قيمة العرض ليصل إلى 999 ألف دولار، لكن البائعين طلبوا مهلة أسبوع آخر. «طلبنا منهم تحديد سعر لرفع المنزل من قائمة المعروض في السوق، وفق السيدة كريفكوفا، لكن ردهم كان لا». ازداد تمسك الزوجين بالبيت، وتشاورا مع السيد سينتا الذي قام بتحليل الأسعار الحالية لمنازل مشابهة ليساعدهم على تحديد السعر الحقيقي دون مغالاة، لأنه في حال تخطى السعر تقييم البنك فقد يتسبب ذلك في مشكلة في التمويل.
في النهاية، تقدم الزوجان صباح الاثنين بأكبر عرض وهو 1.087.000 دولار، منها 15 في المائة دفعة مقدمة، بحسب سينتا بعد ظهيرة اليوم نفسه.
قالت السيدة كريفكوفا: «اتصل آرثر وأبلغنا بوجود تسعة عروض أخرى»، إلا أننا حصلنا على البيت بفارق ثلاثة أو أربعة آلاف دولار، وجاء تقييم البنك متطابقا مع السعر.
انتقلت الأسرة للعيش في البيت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ويتوقع الزوجان قدوم طفل ثالث في أغسطس (آب) المقبل، ويشعران بسعادة غامرة ببيتهم الجديد. لكنهما وصفا الذعر الذي عاشاه إلى أن تمت عملية البيع بأنه «كان بشعا»، بحسب كريفكوفا.

الإقبال يرتفع على الضواحي
«حرب العقارات» التي أصبحت أمرا معتادا في مدينة نيويورك، أصبحت كذلك في الضواحي التي تصلها خطوط المواصلات، ولذلك يتجه المشترون للضواحي، مما يرفع من الطلب عليها ويعزز من حالة الزخم في علميات الشراء في المدن القريبة التي طالما تمتعت بسمعة حسنة نتيجة للمدارس التي تضمها، وبإحساس الحياة المفعم هناك وسهولة المواصلات التي تربطها بالمدن.
قال جوناثان ميلار، رئيس مؤسسة ميلر صامويل للتقييم والبحث العقاري ومقرها نيويورك، إن «المدينة تشبه ذلك الإبريق المملوء بالماء الذي يفيض وينسكب على الأجناب»، فشح المعروض هو سيد الموقف في السوق.
وتشتعل المنافسة في مدينة ويستتشستر، شمال نيوجيرسي التي تعتبر جزءا من لونغ إيلاند، ويتسابق المشترون للانتقال للمنازل الجاهزة ذات الأسعار التي تقل عن مثيلاتها في المدن، أقل من مليون دولار في بعض الأسواق، وأقل من مليوني دولار في أماكن أخرى، في المناطق التي تبعد عن المدينة بمسافة لا تتعدى 40 دقيقة بالقطار، ويزيد الإقبال على الضواحي التي لا تبعد عن المدن سوى مسافة مسير على الأقدام أو محطة قطار واحدة.
غالبا ما تستقطب المنازل ذات الحالة الجيدة، التي جرى تقييم سعرها بشكل مناسب، عروض الشراء خلال أيام قليلة من طرحها في السوق. وكشف تحليل لمبيعات ربع العام الحالي الأول، أجراه ميلر صامويل، الارتفاع الكبير في أسعار العقارات بمنطقة وتشستر، التي وصل متوسطها ما بين 23 في المائة إلى 44 في المائة، لعقارات مطروحة للبيع بسعر يعادل أو يفوق سعرها الذي حدده المالك، مما ينذر بحرب في سوق العقارات في أماكن، مثل لارشمونت، إرفنغتون، برونكسفيل، ووايت بلينس، وبلهام.
ويتراوح قسط التأمين بين 1.7 في المائة إلى 4 في المائة من سعر العقار، الذي يعتبر أقل من السعر في الفترة نفسها من العام الماضي، عندما دفع المشترون أكثر من 5 أو 6 في المائة فوق السعر المطلوب.
ولم تستطع منطقة فيرفيلد كاونتي ولونغ أيلاند تحقيق المبيعات نفسها في الربع الأول، بحسب ميلر. ففي منطقة فيرفيلد كانتري، وستامفورد نوروك، وغرينتش، وفيرفيلد، ويستبورت ودارين جرى بيع 15 في المائة من العقارات المعروضة بأكثر من السعر المطلوب. وفي مناطق لونغ إيلاند، وغاردن سيتي، وهنتنغتون، وليفيتون، وبورت واشنطن، وفرانكلين سكوير، ومنهاسيت، بدأت فيها أمارات الحرب العقارية بزيادة السعر بواقع 1 إلى 3 في المائة.
وقال مير إنه يشك في أن حرب الأسعار تلك كانت أشد وطـأة في العامين الماضيين، في حين باتت «ويستشستر تحتل المسرح الآن».
«لا تغطي مؤسسة ميلر ولاية نيوجيرسي، لكن هناك تبدو سوق العقارات أفضل من أي وقت مضى»، وفق جيفي أوتاو، رئيس مجموعة أوتاو للتقييم العقاري ومقرها إيست برنسويك. ومن بين الأسواق المنتعشة مناطق هوبكين، غلين ريدج، مابلود، مانتكلير، وساوث أورانج، ويرجع ذلك إلى تدني كمية المعروض في السوق.

تقسيم مناطقي
وبحسب سماسرة، بصفة عامة، فإن المشترين لا يقفون في طابور الفخامة الطويل، إذ تبلغ أعلى الأسعار مليونين إلى ثلاثة ملاين دولار، بحسب الموقع، ولا تزال تستجدي المشترين في المنطقة. ويعتبر الطلب متواضعا في تلك المناطق بسبب بعدها عن محطة القطارات، وتقول أوتوا إن «السبب الواضح هو أن الوظائف ذات الأجر المرتفع في المنطقة تقع في مانهاتن».
وأضاف: «إن كانت تلك هي وجهتك، فلن تكفيك ساعات النهار لتستخدم سياراتك».
في الوقت نفسه، فإن سوق العقارات الفاخرة في تلك المدينة التي يمر بها القطار تعتبر ضعيفة أيضا، حيث تتنافس على الحصول على بعض الحوافز من سوق وول ستريت، وتنافس بوتيرة عالية على المعيشة في الحضر. وأضاف أوتوا أنه «بسبب التحسن الكبير الذي طرأ على الحياة الحضرية في القرن العشرين، لم تعد مشكلة كبيرة أن تفكر عند تكوين أسرة في الخروج لتشتري بيتا في الضواحي».

دوافع مالية
غير أن كثيرا من المشترين الذين يفضلون العيش في نيويورك لا يستطيعون الوفاء بذلك ماليا. في منطقة بلهام: «فإن جميع المشترين تقريبا يأتون من المدينة، غالبيتهم من بروكلين»، وفق سينتا، مضيفا: «يجري تقييم سعر العقارات بناء على المساحة الإضافية التي يحتاجونها، فقد زاد عدد الأسرة عن مساحة الشقة ولا يستطيعون الانتقال لشقة أكبر في المكان نفسه».
فخلال رحلة البحث عن منزل والانتقال من واشنطون دي سي، حيث يعمل السيد أنيل إبراهام في سوق المال في نيويورك، مرا هو وزوجته سميتا بكثير من المحطات المهمة، مثل غرينتش، وكون، وغيرها من الأماكن في لووار وتشستر. لكن يوم الأحد الماضي في منتصف شهر مايو (أيار) وضع الزوجان إبراهام كل تركيزهما على المنازل المفتوحة في بيلهام، حيث قالت الزوجة: «بيلهام هي خيارنا الأول، في الحقيقة أحببنا غرينيتش لكنها بعيدة عن خطوط المواصلات».
كانت الأسرة بين أكثر من عشر مشترين، يتفقدون منزلا من ست غرف مصممة على الطراز الجورجي وعرض للبيع بسعر 1.465 مليون دولار أميركي الأسبوع الماضي. بدا الزوجان متيمين بالبيت الجديد المحدّث، وكان أكثر ما أعجبهما المساحة الفسيحة لغرفة النوم وغرفة لاستقبال الأبوين عند الزيارة وغرفة واسعة بالمستوى تحت الأرضي للتمارين. ورغم أن البيت لم يكن مزدحما، فقد كانت وكيلة العقارات كارولين بيكليري التي تعمل لدى مكالين سوذبي إنترناشوينال رياليتي، قد تلقت بالفعل عرضين قبل أن تبدأ. وبحلول المساء، تلقت عرضين جديدين، أحدهما من الزوجين إبراهام.
غير أن البائعين قبلوا أحد العروض القديمة، إذ تقول بكسيلاري: «تلقينا العرض في اليوم الأول لعرض المنزل للبيع»، مضيفة: «شعرنا أنهم جادون وأنه لن تكون هناك أي مشكلات».

مفاوضات طويلة ومضاربات
في بداية الشهر الحالي، دخل الزوجان إبراهام في مفاوضات لشراء منزل آخر في بلهام، إلا أنهما لم يكونا واثقين في وصولهم لاتفاق. ومع اقتراب فصل الربيع وشح سوق العقارات المعروضة، قال إبراهام إنهما سوف يشتريان في مكان آخر في لووار وتشستر، إن دعت الضرورة.
في كل مرة تقدم فيها مايك ووندي بوزو من مدينة جيرسي سيتي بعرض كان هناك دوما من يتقدم بعرض أفضل سعرا، وتكرر هذا الأمر ثلاث مرات خلال رحلة البحث عن بيت في منطقة مونتكلير، ومابلويد، وساوث أورانج. وفي خلال لقاء تم لمعاينة منزل مزدحم بالمشترين يتكون من خمس غرف نوم على طراز «الملكة آن» الفيكتوري، أفاد الزوجان، ولهما طفلان بعمر سنة واحدة وثلاثة أعوام، أنهما بناء على خبراتهما السابقة، يتشككان في أن السعر المطلوب للبيت 539 ألف دولار أميركي أقل كثيرا مما يستحق؛ وأن الغرض من ذلك هو إشعال حرب عقارية لزيادة السعر.
«عليك إضافة مائة ألف دولار على الأقل للسعر المعلن كي تقترب من السعر المتوقع، وبالتأكيد سيزيد الفارق عن مائة ألف دولار»، بحسب بيزو.
بيد أن بيستي سكسيو، التي تعمل في شركة كيلر ويليام في مدينة مونتكلير، التي وضعت المنزل ضمن قائمة العرض مع شريكها جويس سلوس، تختلف في الرأي القائل إن تقدير أسعار المنازل جرى بأقل من المفترض، وذلك بعد إشعار حرب عقارية في الأسعار. إلا أنها اعترفت بأن كثيرا من المنازل جرى تقدير سعرها بأكثر من السعر الحقيقي، خاصة المناول فئة 500.000 إلى 900.000 دولار.
حتى رغم وجود حمامات قديمة تحتاج إلى تحديث، فقد تلقى المنزل الفيكتوري، الذي لا يبعد عن وسط المدينة ومحطة القطارات سوى مسافة سير بسيطة على الأقدام، 13 عرضا للشراء، جميعها بأسعار تفوق المطلوب، وكثير منهم تخطى 20 في المائة فوق السعر الذي طلبه البائع، بحسب كيسيو.
«المشترون كانوا ما زالوا ينتظرون فتح المزاد، وينظرون لموعد بداية العام الدراسي كي يستقروا مع أطفالهم قبل بداية العام، فالوقت يمر».
لم تكن أسرة بيزو من بين من تقدموا لشراء ذلك المنزل، لكن السيدة بيزو، مديرة التسويق الرقمي بشركة ميتلايف، قالت فيما بعد إنهما كانا قد تقدما بعرض لشراء بيت في ميبلوود حصل على القبول.
أحيانا يتسبب السعر المتدني للعقار عند العرض للبيع وسط قائمة العرض في إشعال حرب في المزادات العقارية في المدن التي تعانى من شح المعروض. ففي منطقة وتسون بولاية كونيتيكيت، على سبيل المثال، التي لا يوجد بها محطة قطار أو وسط مدينة، ولذلك تراجعت المبيعات هذا العام، وجد جوان ودوغ كوهين نفسيهما في حرب عقارية غير متوقعة بداية فصل الربيع الماضي عند بيع منزل من ثلاث غرف نوم بمستويين مقابل 635 ألف دولار أميركي. فبعد بيع منزل كبير في ويستبورت منذ عامين، كان الزوجان موهين، ولديهم بنت تبلغ 11 عاما، يعيشان في بيت مستأجر بمنطقة ويستون، في الوقت الذي كانا يبحثان فيه عن منزل متواضع التصميم بسعر 850 ألف دولار.
وقالت السيدة كوهين، التي تعمل في مكتب للمحاسبة: «لم أكن أريد بيتا كبيرا آخر»، ويعمل زوجها كشافا موهوبا لدى شركة توظيف، مضيفة: «نحن نسير على خطة لسبع سنوات، وسوف ننتقل لمكان آخر عندما تكمل ابنتنا المرحلة الثانوية».
الشقة ذات المستويين تعتبر أفضل ما شاهدا، نظرا لأن غيرها من الشقق بالسعر نفسه تحتاج إلى كثير من الجهد. حيث بلغ متوسط مستوى السعر في واتسون خلال الفترة من فبراير (شباط) حتى مايو نحو 780 ألف دولار. كانت لتلك الشقة صالة مفتوحة يصل لها الضوء الطبيعي، ومطبخ حديث وفناء بمساحة هكتارين.

منافسة حامية
ولا يزال الزوجان كوهين في حالة مفاجأة من العرض الذي تقدما به، الذي يقل عن السعر المطلوب، ورغم ذلك أبلغا أنهما يتنافسان مع اثنين آخرين، حينها قررا رفع السعر للفوز بالبيت وكان هذا بداية الشهر الحالي.
في الوقت نفسه، وفي بعض البلدات التي يمر بها القطار في لونغ أيلاند، تباع المنازل بسرعة كبيرة، وفق ماغي كيتس، وكيل عقارات بشركة دوغلاس إليمان العقارية، ومقرها مانهاست وبورت واشنطن، مضيفا: «لديهم مواصلات كافية لكن بموعد مسبق».
ويطلق وكلاء العقارات اسم «إت» على المشترين الذين ينتقلون من المدينة، حيث يستفيد السكان الجدد من المدارس الراقية هناك وخطوط المواصلات لمحطة بن ستيشن ووسط المدينة.
«في كلا التجمعين السكنيين تلحظ حركة تنقل داخلية للسكان، ولا ترى حركة تنقلات ضخمة من القادمين من الخارج، ولذلك ليس هناك قائمة عرض كبيرة، ولذلك عندما يطرأ جديد، ترى الإقبال كبيرا»، بحسب كيتس.
وفي مدينة غاردن سيتي، تستقطب المنازل التي يقل سعرها عن مليون دولار كثيرا من المشترين، بحسب ستيفاني كولام، وكيل عقارات ومدير بشركة كوتش رلتورز.
وقالت السيدة كولام إنه على مدار 23 عاما من العمل في بيع العقارات لم تشاهد مشترين يشترون بيتا للمرة الأولى ويبدون هذا القدر من التصميم والجدية كما حدث في بداية الربيع الحالي.
«كثيرون منهم تقدموا في مزادات وخسروا من قبل، وخرجوا لمشاهدة منازل والحصول عليها هنا»، بحسب كولام.
وفي رأيها، أنه ليست وحدها المنازل ذات السعر المرتفع في المدينة هي التي تلقى إقبالا، فالشقق ذات الإيجار المرتفع تجد من يطلبها أيضا، فمثلا هناك شقة بإيجار يتراوح من 2900 دولار إلى 4500 دولار شهريا، مشيرة إلى حي غاردن سيتي، مضيفة: «تستطيع الحصول على رهن عقاري لذلك».
بالطبع، ليس السعر وحده الحافز لجميع المشترين، حيث قضى جورج وبروك أنتونوبولوس هذا العام بحثا عن بيت في دريان بولاية كويتيكيت. قالت السيدة أنتونوبولس، التي تعمل في مجال المحاسبة، عشنا من قبل في ولاية مانهاتن لعشر سنوات، لكن بعد التفكير في تكوين أسرة، بدأنا في البحث عن صور لشقة جديدة، بالإضافة إلى مستوى الحياة الذي اعتدنا عليه «فناء واسع وحفلات شواء».
وأفاد الزوج، الذي يعمل في أحد صناديق التحوط، أنهما تقدما بعرضين حتى الآن، إلا أن العرضين «فشلا لأسباب كثيرة». وأضاف أنهما لا يواجهان مشكلات مادية، وليسا في حاجة للوقوف في طابور طويل انتظارا لمنزل يقل سعره عن 1.5 مليون دولار مثل غيرهم من المشترين. فبالنظر إلى ميزانيتهم التي تتعدى 4 مليون دولار، فإن السوق يميل في صالحهم.

* خدمة «نيويورك تايمز»



جدل أميركي حول تأثير بناء الشقق الفاخرة في الأحياء الفقيرة

المباني الجديدة مشكلة وحل في الوقت نفسه
المباني الجديدة مشكلة وحل في الوقت نفسه
TT

جدل أميركي حول تأثير بناء الشقق الفاخرة في الأحياء الفقيرة

المباني الجديدة مشكلة وحل في الوقت نفسه
المباني الجديدة مشكلة وحل في الوقت نفسه

غالباً ما ينظر النشطاء في مجال الإسكان بالولايات المتحدة الأميركية إلى بناء المباني السكنية الجديدة على أنه هو المشكلة، حيث يتم السماح للمطورين العقاريين ببناء مزيد من المساكن، لا سيما في الأحياء الفقيرة، مما يجعل المستأجرين والجيران في هذه المناطق يخشون من ارتفاع أسعار السوق وزيادة تكلفة الإيجارات عليهم، في حين يميل الاقتصاديون، من ناحية أخرى، إلى رؤية المباني الجديدة بوصفها الحل وليست المشكلة، حيث يقولون إن الطريقة الوحيدة لتخفيف النقص في عدد الشقق، الذي بدوره يؤدي إلى رفع الإيجارات، هي بناء مزيد من المساكن، فهم يؤكدون أن بناء ما يكفي من المساكن سيؤدي لانخفاض الإيجارات بشكل عام.
وتعدّ الإشكالية بين هذين الرأيين أساس حالة الجدل المثارة حول البناء الفردي والمعارك الأوسع حول كيفية تخفيف أزمة الإسكان في الولايات المتحدة. وحتى وقت قريب، لم تكن هناك أي بيانات تقريباً على نطاق الأحياء لحل هذه الأزمة، ويبدو أن كلا الرأيين صحيح في الوقت نفسه، فالمساكن الجديدة قد تساعد في خفض الإيجارات في مناطق المترو على سبيل المثال وذلك حتى في الوقت الذي قد يعني فيه ذلك زيادة الطلب على هذه المناطق مما يزيد من قيمة الإيجارات فيها.
وتقدم دراسات جديدة عدة أخيراً بعض الأدلة المشجعة، إن لم تكن كاملة، حيث نظر الباحثون في جامعة نيويورك و«معهد آب جون»، وجامعة مينيسوتا، إلى ما يحدث بشكل مباشر مع بناء المساكن الجديدة، واسعة النطاق، والتي تُباع بسعر السوق (دون قيود على قيمة الإيجار)، حيث تشير دراسات عدة بالفعل إلى أن المناطق التي تبني مزيداً من المساكن تكون أسعارها معقولة، وتتساءل هذه الدراسات الحديثة عما إذا كان هذا النمط يظل ثابتاً عند النظر إلى بناء المساكن الفردية وليس المجمعات السكنية الكبيرة.
وتشير النتائج، مجتمعة، إلى أن المساكن الجديدة يمكن أن تخفف من حدة ارتفاع الإيجارات في المباني الأخرى القريبة، لكن جاء رأي هذه النتائج مختلطاً حول ما إذا كان المستأجرون من ذوي الدخل المنخفض يستفيدون بشكل مباشر من المباني الجديدة أيضاً.
وتمثل أنواع المباني التي تصفها هذه الدراسات، والتي تخضع لسعر السوق وتتكون من 50 وحدة سكنية أو أكثر، غالبية المباني الجديدة الآن، كما تستهدف الغالبية العظمى من الشقق الجديدة اليوم المستأجرين من ذوي الدخل المرتفع، حيث يبلغ متوسط الإيجار لوحدة جديدة الآن 1620 دولاراً أميركياً في الشهر، أي أعلى بنسبة 78 في المائة من متوسط الإيجار على مستوى البلاد، وذلك وفقاً لـ«مركز هارفارد المشترك للدراسات الإسكانية»، (كما أن الهوة بين هذه الأرقام آخذة في الاتساع)، وتميل هذه المباني أيضاً إلى أن تكون الأكثر ظهوراً في المعارك المتعلقة بالإسكان في مختلف الأحياء الأميركية.
وتقول الزميلة في «مركز فورمان» بجامعة نيويورك، والتي درست تأثير المباني الجديدة في نيويورك، شياودي لي: «المستأجرون لا يحبون فكرة بناء المباني الشاهقة الجديدة، وذلك لأنهم يجدون هناك ارتفاعاً أيضاً في قيمة الإيجارات لديهم».
وقد يفترض الجيران أن المباني الجديدة تتسبب في ارتفاع الإيجارات، وهذا أمر مبرر إذا كانت المباني الجديدة تجذب كثيراً من السكان الأكثر ثراءً، والذين بدورهم يجذبون وسائل الراحة الراقية التي تجعل الحي مرغوباً فيه بشكل أكبر.
وتضيف لي: «السؤال الرئيسي هنا هو: ما التأثير الحقيقي لبناء هذه المباني؟». وقد وجدت لي أن المباني الجديدة في نيويورك تجذب مزيداً من المطاعم والمقاهي في المناطق المجاورة، لكنها خلصت إلى أن أي تأثير قد يؤدي لرفع الإيجارات في المناطق المجاورة لهذه المرافق، سيتم وقفه بسبب زيادة المعروض من المباني، وهو الأمر الذي يؤدي لخفض الإيجارات، كما وجدت أنه مقابل كل زيادة بنسبة 10 في المائة في المعروض من المساكن، فإن إيجارات العقارات التي تقع على مسافة 500 قدم تنخفض بنسبة واحد في المائة، وذلك مقارنة بالمناطق الأخرى التي يرتفع فيها الطلب.
ولكن يبدو أن هذه الفوائد ستذهب للمستأجرين في المباني الراقية والمتوسطة القريبة، حيث يفترض أن مالكي العقارات يرون منافسة جديدة في الجوار مما يدفعهم لتعديل قيمة إيجارات مساكنهم بما يتناسب مع هذه المنافسة، لكن «لي» وجدت أن المباني الجديدة ليس لها أي تأثير على إيجار العقارات التي تقع على بُعد أكثر من 500 قدم، وأنها لا تؤثر أيضاً على إيجارات الوحدات منخفضة التكلفة القريبة، وذلك لأنه ربما لا يرى ملاك هذه الوحدات الأبراج الفاخرة الجديدة على أنها منافسة لهم بشكل مباشر.
وفي دراسة منفصلة، وجد براين أسكويث وإيفان ماست من «معهد آب جون»، وديفين ريد في «بنك فيلادلفيا الفيدرالي»، مجموعة مماثلة من النتائج في 11 مدينة رئيسية، بما في ذلك أتلانتا وأوستن وشيكاغو ودنفر، وشملت الدراسة المباني الجديدة التي تضم 50 وحدة على الأقل والتي تم بناؤها في أحياء يقطنها ذوو الدخل المنخفض في وسط المدينة، ويقدر هؤلاء الباحثون أن هذه المباني الجديدة تؤدي لخفض الإيجارات بنسبة بين 5 و7 في المائة في المناطق المجاورة بشكل مباشر، وذلك مقارنة بقيمة الإيجارات المتوقعة في حال لم يكن قد تم بناء هذه المباني الجديدة.
ولكن لا تعني الدراسة أن الإيجارات تنخفض بالفعل، إلا إنها تشير، بدلاً من ذلك، إلى أن المباني الجديدة تبطئ وتيرة زيادة الإيجارات في أنواع الأحياء التي يصفها المطورون العقاريون بأنها مرتفعة بالفعل، حيث إنه بحلول الوقت الذي يصل فيه هؤلاء المطورون إلى حي ما، خصوصاً مع وجود خطط لمشاريع كبيرة الحجم، فإنه من المرجح أن ترتفع الإيجارات بشكل سريع.
وعن تفسيره النتائج التي توصل إليها في اجتماع عام بشأن الرؤية السابقة، يقول ماست: «الأثرياء يتطلعون بالفعل إلى الانتقال إلى حي ما، ولذلك فإنه يمكننا بناء ذلك المبنى الذي يمنحهم شكل الوحدة التي يريدون أن يعيشوا فيها، وفي حال لم نفعل ذلك، فإنهم سيقومون بشراء وحدة في مكان قريب ثم سيقومون بتجديدها».
وقد يكون هذا الرأي غير مريح بالنسبة للمقيمين في الأحياء منذ فترة طويلة، خصوصاً أولئك الذين يشعرون بالقلق من التغيرات التي تحدث في أحيائهم والتي تتجاوز فكرة قيمة الإيجارات فقط، لكنه يمثل رداً على نقطة واحدة على الأقل فيما يخص الجدل المثار حول بناء المباني السكنية الجديدة.
ويقول الأستاذ في جامعة نيويورك، إنغريد غولد إيلين: «هذه النتائج تشير ببساطة إلى أن بناء مزيد من المساكن في أحد الأحياء لن يؤدي إلى تفاقم أعباء الإيجار المرتفعة، ولكنه قد يساعد في التخفيف من حدتها».
ويأتي أحد التحذيرات في الأبحاث التي أجراها أنتوني داميانو وكريس فرينير، اللذان يدرسان للحصول على الدكتوراه في جامعة مينيسوتا، حيث قاما بدراسة المباني الجديدة واسعة النطاق التي بنيت في مينابولس، وقد وجدوا أن بناء المساكن الجديدة قد ساعد في تخفيف حدة ارتفاع قيمة الإيجارات للوحدات الراقية القريبة، لكنهم خلصوا إلى أنه في الثلث الأسفل من السوق يكون للمباني الجديدة تأثير معاكس، حيث ترتفع قيمة الإيجار بشكل سريع.
ومن الممكن في بعض السياقات أن يتسبب بناء الشقق الجديدة، التي تباع وفقاً لسعر السوق، في قيام ملاك العقارات في المناطق القريبة بكبح جماح قيمة إيجار شققهم، لكنه قد يتسبب أيضاً في رؤية مجموعة أخرى من الملاك أن قيمة إيجاراتهم تعد قليلة مقارنة بالأسعار الجديدة، ومن المحتمل أن يشعر المستأجرون من ذوي الدخل المنخفض بالغضب من المساكن الجديدة في البداية، وذلك حتى لو كانوا سيستفيدون منها على المدى الطويل، وذلك لأنه مع تقدم عُمر هذه المباني الجديدة، فإن أسعارها تصبح في المتناول.
وبشكل عام، فإن هناك أدلة في هذه الدراسات كافة على أن العرض والطلب يعملان على النحو الذي يتوقعه الاقتصاديون، وذلك حتى على نطاق الحي الواحد، ولكن هناك أيضاً أدلة على تحقيق مخاوف المستأجرين الأكثر فقراً.
ويقول داميانو: «هؤلاء هم الأشخاص الذين مروا بعدد كبير من التجديدات الحضرية، وإنشاء الطرق السريعة، والاستثمار العام في الإسكان، وإخفاقات التخطيط الأوسع والمؤسسات الحكومية على مرّ الأجيال، وأعتقد أن الخوف من مجرد جملة (مبنى جديد) هو خوف حقيقي ومبرر، والأمر متروك للمخططين وصانعي السياسات للنظر إلى تلك المخاوف بشكل جيد».

* خدمة «نيويورك تايمز»