يهدد فيروس زيكا صناعة السياحة الكاريبية التي يصل حجمها إلى 49 مليار دولار ينفقها سنويا 25 مليون سائح من الطبقات عالية الانفاق. وتمثل صناعة السياحة نسبة 14 في المائة من إجمالي الدخل القومي لدول البحر الكاريبي، وهي دول تعد من أكثر مناطق العالم اعتمادا على السياحة. ولا يقتصر الضرر على المنطقة الكاريبية فبعد انتشار الفيروس إلى انحاء أميركا اللاتينية، وخصوصا البرازيل التي تعقد فيها الدورة الأوليمبية هذا العام، طال التحذير بعدم السفر للسيدات الحوامل الكثير من الدول اللاتينية أيضًا.
ولكن الفيروس، الذي تم اكتشافه في أفريقيا في الأربعينات، لن يتوقف عند حدود مناطق معينة.
فأحدث الإحصاءات تشير إلى انتشار فيروس زيكا من المناطق الكاريبية إلى أنحاء أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى ومن المتوقع أن تتوسع دائرة الخطر لكي تشمل كل أنحاء الأميركتين ربما باستثناء تشيلي وكندا بسبب الطقس البارد الذي يمنع انتشار البعوض حامل الفيروس.
النصيحة الموجهة من وزارات الخارجية الأوروبية، ومنها الخارجية البريطانية، هي ضرورة أن تستشير السيدات الحوامل والسيدات المقبلات على حمل متوقع الطبيب الخاص بهن قبل السفر.
أما هيئات الصحة فتنصح بتأجيل مثل هذا السفر إلى المناطق المصابة كلما كان ذلك ممكنا. وإذا كان السفر ضروريا فيجب اتخاذ كل الاحتياطات لمنع لدغات البعوض عن طريق استخدام مضادات البعوض الرشاشة وارتداء ملابس تغطي كل أنحاء الجسم والساقين والقدمين واستخدام شبكات البعوض على الأسرة في غرف النوم.
وعلى الرغم من أن النصائح الطبية الرسمية تشير إلى أن أعراض الإصابة «بسيطة» في معظم المصابين ولا تستمر طويلا، فإن النشرة الطبية «لانسيت» نشرت في الشهر الماضي تقريرا يربط فيه بين إصابات زيكا وبين مرض عصبي مناعي اسمه غيلين - باريه (Guillain - Barré) وهي حالة نادرة ولا تقتصر على النساء الحوامل ويمكن أن تكون قاتلة. وتوصف الحالة بأنها مرض عصبي يهاجم فيه نظام المناعة في جسم الإنسان الجهاز العصبي ويؤدي إلى الشلل والعجز في 20 في المائة من الحالات وإلى الوفاة في خمسة في المائة منها.
أما الأعراض المعروفة عن عدوى زيكا فهي الطفح الجلدي والهرش والحمى والصداع وألم المفاصل والعضلات واحمرار العينين وألم الظهر. وتتراوح حدة هذه الأعراض أو بعضها بين شخص وآخر. وتنتقل العدوى بلدغات البعوض المصاب. وبخلاف البعوض الذي ينشر الملاريا فإن بعوضة زيكا تنشط فقط أثناء النهار وحتى المغرب. وظهرت عدة حالات لانتشار المرض بالاتصال الجنسي وان كانت هذه العدوى ما زالت نادرة الحدوث.
ووفقا لهيئة الصحة البريطانية فإن هناك ما يكفي من الأدلة على أن «زيكا» يسبب تشوهات خلقية في المواليد الجديد بما في ذلك حالة اسمها مايكروسيفالي (Microcephaly) وهي تعني مواليد برؤوس صغيرة الحجم بسبب ضمور المخ. ولهذا تشدد الجهات الصحية النصيحة للنساء الحوامل بتأجيل السفر غير الضروري للبلدان المصابة. كما تنصح باتخاذ احتياطات لعدم وقوع الحمل أثناء السفر في هذه البلدان مع استمرار هذه الاحتياطات حتى بعد 28 يوما من العودة لضمان عدم الإصابة بالعدوى. وتمنع السلطات الصحية البريطانية عمليات التبرع بالدم من هؤلاء العائدين من المناطق المصابة قبل 28 يوما من العودة. وحتى الآن لا يوجد علاج أو تطعيم مضاد لعوارض الإصابة بفيروس« زيكا»، ولكن النصيحة الطبية في حالات الإصابة هي شرب المزيد من الماء والسوائل وتخفيف الأعراض بأقراص باراسيتامول المهدئة.
* البداية من أوغندا
وقد يعتقد البعض أن ظاهرة فيروس «زيكا» حديثة أو أنه ظهر أولا في البرازيل، ولكن أصول الفيروس تعود اكتشافه في عام 1947 في أوغندا وسمي الفيروس باسم غابة أوغندية. وهو من مجموعة فيروسات الحمى الصفراء وحمى الدنغ التي تنتشر في منطقة غرب أعالي النيل. وظل الفيروس محصورا في منطقة استوائية ضيقة بين أفريقيا وآسيا، ولكنه بدأ في الانتشار شرقًا عبر المحيط الهادئ بداية من عام 2007. ووصل الفيروس في عام 2015 - 2016 إلى حد الوباء في منطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي.
وتشير المراجع الطبية إلى معرفة إصابات «زيكا» للإنسان منذ عام 1952 في أوغندا ونيجيريا وكشفت فحوصات طبية عن إصابة 84 شخصا منهم 50 شخصا كانت لديهم مناعة ضد الفيروس. وتعني هذه المناعة أن الأشخاص المصابين تعرضوا للإصابة بالفيروس على فترات مختلفة وأنهم تمكنوا من التأقلم عليه. وفي السنوات التالية تم رصد حالات إصابة بفيروس زيكا في كثير من الدول الأفريقية التي وصلت شمالا حتى مصر، بالإضافة إلى دول آسيوية منها الفلبين وتايلاند وفيتنام وباكستان. وخلال الفترة من بداية اكتشافه وحتى عام 2007 لم تتعد حالات الإصابة في أفريقيا واسيا 14 حالة مؤكدة. ولكن الفيروس انتشر فجأة في عام 2007 وظهر في جزيرة نائية في المحيط الهادئ اسمها جزيرة «ياب» وبلغ عدد الحالات المصابة نحو المائة وتأكد وجود فيروس زيكو ولكن لم تحدث وفيات من الإصابة بالفيروس. وبعدها استمر انتشار الفيروس بين عامي 2013 - 2014 في بقية جزر المحيط الهادئ، وانطلق بعدها في عام 2016 إلى الدول اللاتينية والكاريبية. وتقول منظمة الصحة العالمية إن الفيروس سوف ينتشر إلى كل أنحاء القارتين الأميركيتين على نهاية العام الحالي. وكانت أكثر الدول معاناة من الفيروس هي البرازيل التي أصيب فيها بفيروس زيكا نحو 1.5 مليون شخص. وتوجد 3500 حالة إصابة بين مواليد بظاهرة الرأس الصغير المشوه «مايكروسيفالي».
ودفع هذا الكثير من الدول إلى التحذير من السفر إلى البرازيل مما كانت له انعكاسات سلبية على السياحة هناك. وتخشى الأوساط الصحية من موجة انتشار أخرى مصاحبة لانعقاد الدورة الأوليمبية لعام 2016 في ريو دي جانيرو والتي قد يتعرض خلالها الرياضيون والزوار إلى الإصابة قبل العودة إلى بلادهم. وتشير التوقعات إلى معدل إصابة يصل إلى 3.2 من كل مائة ألف زائر.
وفي يناير (كانون الثاني) هذا العام أصدر المركز الأميركي لمنع الأمراض والتحكم فيها نشرة توعية للمسافرين إلى المناطق المصابة نصح فيها باحتياطات منها نصيحة للنساء الحوامل بتأجيل السفر. ونصحت دول لاتينية منها كولومبيا وجمهورية الدومنيكان وإكوادور والسلفادور وجامايكا جميع النساء بتأجيل الحمل حتى تتم دراسة هذا الفيروس ومعرفة المزيد عن مخاطره.
ولكن حدود انتشار هذا الفيروس تنطلق الآن إلى أبعد من المناطق التقليدية المصابة في أميركا الوسطى والبحر الكاريبي، فقد وصلت إلى أميركا الشمالية وإلى مناطق أوروبية مثل جزيرة ماديرا وهولندا ومنطقة البحر الأسود في شرق أوروبا. والسبب هو انتشار السفر والسياحة والتجارة الدولية. كما وصل المرض إلى نيويورك حيث وضعت سيدة في مستشفى نيوجيرسي طفلة مصابة بفيروس زيكا الذي أثر على حجم الرأس، وهي أول حالة معروفة حتى الآن في أميركا الشمالية. وأصيبت الأم بعدوي فيروس «زيكا» أثناء رحلة سياحية إلى هندوراس في أميركا الجنوبية. وكشف الأطباء أن الطفلة الرضيعة مصابة أيضًا بتشوهات أخرى في الأمعاء وفي البصر من هذا الفيروس.
وهذه ليست حالة فردية، فهناك الآلاف من الحالات في الدول اللاتينية التي تتراوح فيها شدة الإصابة من ضمور المخ بنسبة بسيطة إلى إصابات بالغة تعيق المخ عن التحكم في الوظائف الحيوية التي تؤدي غالبا إلى الوفاة بين الأطفال.
ومنذ عام 2015، تم تسجيل 4700 حالة منها 404 حالات مؤكدة والبقية حالات ما زالت تخضع للتشخيص. وتعتبر منطقة شرق البرازيل هي بؤرة العدوى حاليًا حيث تقع بها معظم حالات الإصابة المؤكدة. ويساهم على انتشار رقعة المرض، تأقلم إناث البعوض الحاملة للفيروس على مناطق جديدة. وقد تم اكتشاف تعداد لهذا البعوض في بعض أنحاء العاصمة الأميركية واشنطن مع إثبات جيني أن البعوض تحمل شتاء واشنطن القارص لمدة أربع سنوات على التوالي.
ويجري العمل حاليًا تحت إشراف منظمة الصحة العالمية على تطوير مصل فعال ضد فيروس زيكا، خصوصًا وأن هناك أمصالاً فعالة ضد مجموعة الفيروسات التي ينتمي إليها هذا الفيروس ومنها الحمى الصفراء وحمى الدنغ. وتنظر منظمة الصحة العالمية إلى المرض على انه خطر عالمي المقاييس مثل إيبولا. وتجري الجهود الطبية حاليا على إثبات العلاقة بين زيكا وبين حالات ضمور المخ أو مايكروسيفالي. وأعلن مركز بارات الطبي في الهند أنه يعمل على استنباط تطعيم ضد «زيكا» باستخدام وسيلتين الأولى بالهندسة الوراثية بحيث يفشل الفيروس في التكاثر ولكنه يثير نظام المناعة في الجسم، والثاني بفيروسات خاملة تأتي بالمفعول نفسه. وتتوقع مصادر طبية أن يتم تطوير تطعيم مضاد لفيروس «زيكا» في غضون سنتين من الآن ولكن مراحل اعتماده للاستخدام العام قد تستغرق مدة قد تصل إلى عشر سنوات.
شبح «زيكا» يهدد السياحة الكاريبية واللاتينية
هيئات الصحة تنصح بتأجيل السفر إلى المناطق المصابة
تنصح هيئات الصحة الحوامل أو المقبلات على الحمل باستشارة الطبيب قبل السفر
شبح «زيكا» يهدد السياحة الكاريبية واللاتينية
تنصح هيئات الصحة الحوامل أو المقبلات على الحمل باستشارة الطبيب قبل السفر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






