محمد القليني يسابق ظله في ديوانه «أركض طاويًا العالم تحت إبطي»

وضع الشعر على طاولة العائلة وفي «مخزن الملابس»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

محمد القليني يسابق ظله في ديوانه «أركض طاويًا العالم تحت إبطي»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

*يؤسس القليني وعيه بنصه على بديهيات الأشياء بكل مفارقاتها وحيواتها العادية البسيطة، يلتقطها من نثريات الواقع وعثرات الحياة، ويشتغل عليها في نصه
يفتتح الشاعر محمد القليني ديوانه الجديد «أركض طاويا العالم تحت إبطي» بعلاقة ملتبسة مع ظله تصل إلى حد تبادل الشفقة، فكلاهما متعب من ضغوط الحياة، يحتاج إلى مظلة تقيه انهمار الدموع، وإلى منديل يقيه رائحة الأحلام المحترقة، وأيضا إلى فنجان قهوة لا تتعثر أشلاؤه فيه.
لكن هذا الالتباس الفني الشيق الذي يتحول فيه الظل إلى قنبلة موقوتة مستعدة للتفجير في أي لحظة، ليس ابن مصادفة عشواء، وإنما يشي بوعي ثاقب، يحاول دائما أن يسبق الاثنين معا، الشاعر والظل، تاركا المسافة بينهما تتسع وتضيق بحيوية وتلقائية، وفي الوقت نفسه، مسكونة بسؤال الشعر بصفته ضرورة حياة ووجود.
الديوان الذي صدر حديثا عن دار العين بالقاهرة، وفاز به الشاعر بالجائزة الأولى في المسابقة الأدبية السنوية لصحيفة «أخبار الأدب» القاهرية، يطرح قضية أحسبها في غاية الأهمية، وهي: كيف يبني الشاعر وعيه بنصه أولا، ومن ثم وعيه بالعالم والواقع من حوله؟
يؤسس القليني وعيه بنصه على بديهيات الأشياء بكل مفارقاتها وحيواتها العادية البسيطة، يلتقطها من نثريات الواقع وعثرات الحياة، ويشتغل عليها في نصه، وكأنها طاقة حرية مستلبة، مقموعة ومعطلة، وأيضا طاقة حب، يجهل دائما الطريق إلى الحلم، الحلم بالمرأة، والوطن والجمال والسعادات الصغيرة. لذلك يحرص دائما على أن تبقى الصورة الشعرية هي حلقة الوصل والقطع بين مساحات الوعي واللاوعي، بين تراوحات ومراوغات الذات والظل والذاكرة والخيال.
فبومضة تأمل، تمتزج فيها إشراقات العقل، وحدوسات الروح يقبض الشاعر على صورته الشعرية، حريصا على ألا تسبق الفكرة الصورة المستدعاة، التي تمتح غالبا من غبار الواقع واللغة والتاريخ، وإنما جسد القصيدة هو الذي يشكل حركة الداخل والخارج، ويمنحهما ماهية مفارقة لنمط وجودهما وحياتهما التقليدية. يطالعنا هذا على نحو لافت في القصيدة الافتتاحية بالديوان، فالذات الشاعرة لا ترصد تحولات الظل ومفارقاته فحسب، ولا تكتفي بمساءلته بعين الشاعر، بل تمنحه ماهية أخرى مغايرة لوجوده وطبيعته المستقرة في الموروث المعرفي والوجدان العام، حيث يتوحد الظل بالحبيبة، متقمصا بشفافية روحَ الشاعر العاشق.. فها هو يخاطب ظله في القصيدة نفسها في حوار خاطف أشبه بالرجاء والمناجاة الداخلية قائلا:
«لا تقتربْ من حبيبتي التي تبكي
في السطر الأخير
أعرف أنك ستنتحب بشدة
حين تقص عليك حكايتها معي
وربما تفكر أن تقضي
بقية حياتك داخل القصيدة
لمجرد أن تجلس بجوارها وتواسيها!»
يرفد هذا الوعي الثاقب بالنص، خصيصة أخرى، تتناثر بتنويعات وحيل فنية مختلفة في أجواء الديوان، حيث يعمد الشاعر إلى الخلط بين فكرة المازحة والمفارقة، ليخفف أولا من ثقل الأخيرة وإيقاعها المباشر، وفي الوقت نفسه خلق صدى أشبه بالرنين لترديدات النص في الداخل، فإذا كانت المفارقة النابعة من فعاليات النص تضعه في أقواس من علامات الاستفهام والدهشة، فإن مزج كل هذا بأجواء من الممازحة، تشد حركة النص وبقوة من أقصى السطح إلى أقصى العمق، وتمنحه حيوية كثيرا ما تشارف الغرابة، سواء على مستوى التعامل مع اللغة بصفتها فعل حرية وطفولة، أو الخيال الجامح في فضائه الشعري المفتوح بألفة الغرابة نفسها على الداخل والخارج معا.
إن القصيدة تذهب إلى المطبخ، مثلما تذهب إلى الحب والحرب، تعبر بروح إنسانية مفعمة بالسؤال والرغبة الحميمة في المعرفة، كل حواجز التواطؤ والخيانة والقمع، لا سرير لها ووسائد سوى المقدرة على الحلم دائما، ولو على ساق زهرة شاردة.. هكذا يصرخ الشاعر في قصيدته «موسيقى ميتة فوق جدار مهشم» قائلا:
«أنا شاعر فقير جدا
حين يجوع أطفالي
أدس في حلوقهم قصائد طازجة
وحين تخاف زوجتي من المستقبل
أخبئها في هامش أحد النصوص الرديئة
لأني أعلم أن أعين الشياطين ملولة بطبعها
ولا تمر إلا على المتون».
هذه الصرخة الخافتة يؤكدها الشاعر بتنويعات مختلفة في عدد من نصوص الديوان، وكأنه يشير إلى أن حياته هي التي تحدد شكل الشعر ورائحته، بل أسلوب كتابته، كما أنه لا ينفصل عن هذه الحياة، لا يخجل من أن يعريها، ويحتفي حتى بلحظات ضعفها وهشاشتها، بل يرى في هذه اللحظات تحصينا للأنا، من السقوط في براثن والاغتراب والتشيؤ.. يقول الشاعر معرفا بنفسه، وكأنه يحتفي بنور الداخل وبراءته في مواجهة عتمة الحياة وصراعاتها القاسية:
«اسمي محمد القليني
أكتب الشعر
وأعمل في شركة ملابس
ليس بين الأمرين أي تعارض
فثمة مخزن كبير
أكدس فيه قمصانا مستوردة
يتهافت الناس على شرائها
وثمة قلب أكبر
أخزن داخله قصائد
لا تجد لها مشتريا».
وكما نلاحظ، يولي الشاعر اهتماما خاصا بعنصر المفاجأة، يغسله من غبار الشائع والمألوف، ليمتلك المقدرة على النفاذ فيما وراء الأشياء والعناصر، في أبسط فعالياتها الطبيعية، مكملا به أضلاع مثلثه الأثير، لنصبح إزاء ضفيرة شعرية شيقة ومغوية تجمع (المفارقة والممازحة والمفاجأة) في بوتقة جمالية شديدة النفاذ والجرأة والنبش في جسد الشعر والحياة معا؛ ما يجعل متعة الكتابة يتم تبادلها بشكل تلقائي فنيا وإنسانيا بين النص والقارئ، من ناحية، وبينه وبين الشاعر نفسه من ناحية أخرى.. بهذه الروح الشعرية العالية ينسج الشاعر هذا المشهد الخاطف على هذا النحو:
«مصمص خبراء الأرصاد خيبتهم
قالوا: غريب أن تمطر
في هذا الوقت من العام!
يا حمقى..
هذه دموع حبيبتي
تترجّى الطيار العودة!»
في هذا النبش في جسد اللغة وتداعياتها على أرض الواقع يجترح الشاعر ما يحبه وما يكرهه، فكلاهما إلى زوال، وتبقى القصيدة طافرة بالحرية والبحث الدائم عن السؤال بصفته يقينا لا يحد للمعرفة والحقيقة، مدركا أن نسبية الأشياء بكل مظاهرها الإنسانية تقاس دائما بمطلق الشعر؛ لأنه العطش الوحيد الذي يملكه، ويعرف جيدا كيف تكون العلاقة بين الإناء وما يحتويه.
فلا بأس إذن من أن يسخر حتى من الأصدقاء والشعراء.. «الشعراء الذين يضعون عقب كل علاقة حب فاشلة (،) ويستكملون الكتابة». ويمتد خيط الكراهية إلى الحرب والموت، إلى الشاعر نفسه، و«كرشه» الناتئ الطيب الذي ينمو كلص صغير في غفلة منه.. مثلما يقول مازحا في لطشة شعرية يمتزج فيها نزق الحسية بأناقة الخيال:
«دائما أحمل إبرة وخيطا
لأرقِّع قلبي كلما خرجت منه قصيدة
كرشي الصغير لا يمنعني من الاختلاط بالناس
وحدهم الشعراء يعايرونني به كثيرا
رغم أنه قد نشأ
بسبب التهامي لقصائدهم السمينة».
تمتد روح الممازحة الشعرية إلى عناصر حية من الطبيعة، كالبحر والسحب والقمر والشجر والماء والهواء، كما تمتد لمناخات الطفولة، حيث تتبلور قوة الوعي بالحلم والذاكرة، من خلال قدرة الشعر على أن يجعلنا نستعيد أشياءنا الجميلة في فضاء الأمكنة التي عشنا وولدنا فيها، مستثيرا مشاعرنا وعواطفنا تجاهها، وكأنها لم تنته بعد، بل لها زاويتها المستقرة ودبيبها الخاص في تقاطعات أحلامنا ورؤانا، وهواجسنا حول الماضي والحاضر والمستقبل.. من هذه الزاوية يشاكس الشاعر القمر في نص بعنوان «حكمة» قائلا:
«على عكس كل الشعراء
أنا لا أحب القمر
في صباي شاهدته
يكشف صدر جارتنا لمغتصبيها
ولا أحب السحب
فقد تقيأت إحداها على رأس جدي العجوز
وهو يهرول لشراء دواء
لأمي المسجاة على طاولة الموت.
لكنني أحب الله
وأعلم أن له حكمة في أن تمطر سحابة
في المكان الخطأ
ومن أن يضيء القمر
طريق أشخاص سيئين».
يبقى أن أقول في هذا المقال العابر، إن قصيدة محمد القليني تشبهه وتشبهنا في الوقت نفسه، كما أنها تؤكد شعرية المغايرة بوعي يدرك أن الشعر ابن الوجود الإنساني في كل حالاته وتقاطعاته، وفي مشهد قصيدة النثر التي أصبحت تجتر نفسها، أكثر من الحرص على التجديد والبحث عن الخصوصية، خصوصية الروح والمعرفة، وطرائق التشكيل والبناء.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».