الأزمة السورية أمام منعطف «خلط الأوراق» الدولية وخلافات الحلفاء

المعارضة تعول على التقارب التركي الروسي للوصول إلى حل سياسي

مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يمشي بين الصوامع والمطاحن في بلدة منبج بريف حلب بعد أن سيطرت القوات عليها قبل أيام (رودي)
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يمشي بين الصوامع والمطاحن في بلدة منبج بريف حلب بعد أن سيطرت القوات عليها قبل أيام (رودي)
TT

الأزمة السورية أمام منعطف «خلط الأوراق» الدولية وخلافات الحلفاء

مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يمشي بين الصوامع والمطاحن في بلدة منبج بريف حلب بعد أن سيطرت القوات عليها قبل أيام (رودي)
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يمشي بين الصوامع والمطاحن في بلدة منبج بريف حلب بعد أن سيطرت القوات عليها قبل أيام (رودي)

تقف الأزمة السورية أمام منعطف سياسي وعسكري، انطلاقا من خلط أوراق «التحالفات الدولية»، لا سيما لجهة علاقة تركيا مع روسيا وإسرائيل، وما سبقها من اختلافات بين النظام والموالين له، عبّر عنها بشكل واضح رئيس النظام السوري بشار الأسد، متهما حلفاءه إيران وروسيا بأنهما يحميان مصالحهما الخاصة في سوريا. وفي حين تعتبر المعارضة أن الخلافات التي ظهرت في الفترة الأخيرة في سوريا هي عابرة ولا يبنى عليها لتغيرات على الصعيد العام، فهي تعوّل وإن بحذر على الحراك التركي الأخير وما يرافقه من «تردّد عسكري» روسي ظهر في معارك الشمال السوري، عبر تراجع الدعم الجوي من قبل موسكو، مما أدى إلى تحقيق المعارضة تقدما لافتا في أكثر من موقع، وتحديدا في ريف حلب الجنوبي والرقة واللاذقية.
ويتّفق كل من المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات رياض نعسان آغا، والخبير الاستراتيجي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس خطار بودياب، على أن الحراك الدولي لا يزال في بدايته، مع تأكيدهما أنّ خلط الأوراق هذا يؤسس لمنعطف في مسار الأزمة السورية من المفترض أن تتضح معالمه في المرحلة المقبلة، فيما يتباين رأيهما لجهة أهمية الخلافات التي ظهرت أخيرا إلى العلن بين النظام وحلفائه. إذ إنه وفي حين يصف بودياب ما يحصل في سوريا بـ«أزمة زعامة» في معسكر الممانعة، يرى آغا أن هذه الخلافات «عابرة وموضعية»، رغم أنها تظهر تردّد موسكو التي يبدو أنها ماضية في اتجاه القناعة بأن الحل العسكري لم يعد مفيدا على عكس موقف إيران والنظام.
وهذه الأزمة أظهرتها، بحسب بودياب، بشكل واضح التباينات بين الحلفاء واختلاف أجندات كل منها، منطلقا في ذلك من وقائع عدّة سياسية منها وعسكرية، أهمها معركة ريف حلب الجنوبي التي مني بها «الحلف» بخسائر فادحة، ونتج عنها اتهامات متبادلة بين قوات النظام وما يسمى «حزب الله» بـ«التخاذل»، كما سجّل تراجع الدعم الجوي الروسي في بعض مناطق الشمال حيث تقدمت المعارضة. ويضيف: «وبرز الخلاف بشأن معركة حلب واضحا، إذ إنه بعدما أعلن أمين عام ما يسمى (حزب الله) حسن نصر الله أنها معركته الأساسية فإذا بالسفير الروسي في دمشق يعلن صراحة أن روسيا قررت ألا تخوضها».
من جهته، يربط الخبير العسكري السوري المعارض، عبد الناصر العايد، الخلافات الروسية مع النظام وإيران بالتفاهم التركي الروسي الذي أدّى إلى تراجع العمليات الروسية، لا سيما القصف الجوي في شمال سوريا ونجاح المعارضة في تحقيق تقدم، معتبرا أن هذا الأمر يمكن أن يكون محاولة من موسكو للضغط على الأسد للوصول إلى تسوية في سوريا.
ويوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن النظام وإيران يطلبان من موسكو تغطية جوية تبدأ من حدود درعا وصولا إلى حدود تركيا، وهو ما لا يمكن لروسيا القيام به حتى لو استخدمت كامل أسطولها الجوي. ويضيف: «قرار خوض معركة حلب جاء بقرار سياسي من إيران لكسر شوكة تركيا في المنطقة في وقت لم يعد هذا الأمر هدفا روسيا، وهو ما أدى إلى خلاف واضح بين روسيا من جهة وإيران والنظام السوري من جهة ثانية، والدليل على ذلك أيضا أن موسكو غائبة عن معركة اللاذقية في الساحل، حيث تحقق المعارضة تقدما ملحوظا».
وفي حين يرى آغا أن هناك اقتناعا لدى مختلف الجهات أن حلّ الأزمة السورية يجب أن يكون هذا العام إنما يبقى الاختلاف على كيفية إنهائها، يعبّر عن اعتقاده أن السياسة التركية الجديدة ستكون لصالح القضية السورية، وستخفّف من الاحتقان في المنطقة لتخفت الصراعات الكبرى وتنحصر في القضية السورية الرئيسية.
ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «من الواضح أن هناك تنافسا خفيا بين روسيا وإيران في سوريا إنما لا شك أنهم متفقون في الهدف البعيد، من هنا أعتقد أن خلط أوراق التحالفات سيجعل الجميع، لا سيما موسكو وطهران تتجهان للبحث عن المصالح الممكنة بدل المطلقة التي يسعون لها، وهو ما قد يمهّد الوصول إلى حل في سوريا».
ويؤكد: «عدم وجود أي شك لدى المعارضة من أي سياسة تركية جديدة أو تغيرات قد تطرأ عليها»، مضيفا: «كما أنه وبدل الوسيط الأميركي نتوقع أن تلعب تركيا دورا إيجابيا في سوريا، وهي التي باتت طرفا أساسيا في الصراع نتيجة الضغوط التي تعيشها الأزمة السورية». ويقول: «كذلك فإن من شأن هذا التقارب أن يخفّف حدة الصراع العسكري في الشمال، حيث من المتوقع أن لا تمضي روسيا بعيدا في دعمها الفيدرالية الكردية تفاديا لإزعاج تركيا أو القيام بأعمال استفزازية على حدودها».
لكن في الوقت عينه، يلفت آغا إلى المعلومات التي أشارت إلى نية تركيا السماح لموسكو لاستخدام قاعدة «إنجرليك» البحرية وهو ما عادت أنقرة ونفته، قائلا: «هذا الأمر إذا حصل سيخالف الآمال المعقودة على المصالحة التركية الروسية».
أمام كل هذه التغيرات، يعتبر بودياب أن خلط الأوراق يؤسس لمنعطف في مسار الأزمة السورية ستظهر نتائجه في الأسابيع القليلة المقبلة، مضيفا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «كما سقطت التحفظات أمام التطبيع التركي - الروسي قد تحصل المفاجأة وتسقط أمام الحل السياسي في سوريا، لا سيما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى لكسب الحل السوري قبل انتهاء ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما».
ويعتبر العايد أن «الروس فهموا قبل إيران والنظام، أن الحرب فرضت توازنات معينة، خصوصا أنه وبعد 9 أشهر من الدخول إلى سوريا لم تستطع تحقيق أي إنجاز كبير، وأدركت أن الحرب تحوّلت إلى حرب عصابات تستحيل على أكبر جيوش العالم أن يخوضها ويخرج منتصرا».
ويلفت بودياب إلى «التغيرات التي طرأت على العلاقات بين الدول المعنية بالملف السوري، انطلاقا من اختلاف أجندات كل منها، وهو ما حصل نتيجة التطبيع التركي - الروسي والمصالحة التركية الإسرائيلية، بحيث يتضح أكثر اختلاف الأجندات بين الفريق الواحد الذي يعوق بدوره الوصول إلى حل نهائي في سوريا». موضحا: «أفق موسكو هنا يختلف بالتأكيد عن أفق النظام السوري وإيران. فروسيا أصبحت عرابة الحل السياسي بعد اقتناعها باستحالة الحل العسكري، يهمّها الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية مع الاحتفاظ بشكل النظام السوري من دون التمسّك برئيسه بشار الأسد، وهي تسعى للوصول على المدى المتوسط إلى حلّ من دونه. لكن في المقابل تمنع طهران ذلك عبر إمساكها بالحلقة الأولى حول الأسد الذي تعتبر أن منظومته ضرورية لحماية مصالحه».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.