بد سبنسر في السينما الإيطالية.. من «سباغيتي» الستينات إلى سوريالية التسعينات

بد سبنسر في السينما الإيطالية.. من «سباغيتي» الستينات إلى سوريالية التسعينات

حبه للتمثيل استبدل شغفه للمحاماة
الجمعة - 26 شهر رمضان 1437 هـ - 01 يوليو 2016 مـ رقم العدد [ 13730]
لوس أنجليس: محمد رُضا
بد سبنسر، الذي توفي قبل ثلاثة أيام عن 86 سنة، رسم لنفسه مساحة في سينما الوسترن الإيطالية تلقفها هواة النوع في الستينات والسبعينات بترحاب شديد. لم يكن ممثلاً عميق الدلالات ولا من أولئك الذين يستندون إلى تعاليم أي مدرسة فنية، بل كان شابًا ساعيًا إلى العمل، انطلق ممثلاً مغمورًا في مطلع الخمسينات وبقي على حاله إلى أن انتخبه المخرج غويزيبي كوليتزي للمشاركة في بطولة «الله يغفر، أنا لا» سنة 1968.
ولد في نابولي بإسم كارلو بيدرسولي ومثل تحت هذا الاسم في عشرات الأفلام التي لعب فيها أدوارًا تتراوح بين ظهور عابر (دور أحد حراس القصر في فيلم «كيو فاديس»، 1951) وظهور ثانوي («بطل زماننا»، 1957).
قبل ذلك، كان بطلاً في السباحة وألعاب «البولو المائية»، ودرس القانون وتخرج على أمل أن يصبح محاميًا. لكن حب التمثيل أطاح بذلك الأمل وتمثل بسعيه لإثبات جدارته طوال تلك السنين الأولى إلى أن جاءته الفرصة عندما ناداه المخرج كوليتزي، الذي حقق حفنة من أفلام الوسترن (أو الملقبة بالسباغيتي ويسترن)، وطلب منه أن يغيّر اسمه (أسوة بعدد سابق وآخر لاحق من الممثلين الإيطاليين) تمهيدًا لوضعه في دور بطولة.
‬* سينما السبعينات الإيطالية تحاكي الأفلام الناطقة بالإنجليزية
معه في ذلك الفيلم ممثل آخر في البطولة اسمه ترنس هِل، ولو أنه وُلد بإسم ماركو جيروتي (قبل 77 سنة). المعادلة كانت بسيطة: بد سبنسر بدين وطويل القامة وقوي البدن. عندما يجد نفسه أمام شريرين يريدان ضربه يأخذ كل منهما بياقته ويضربهما ببعضهما البعض. ‬
ترنس هِل كان الرشيق الضاحك والحذق والسريع في سحب المسدس من جرابه وإطلاق النار من قبل أن يرمش عدوّه. الاثنان معًا حققا نجاحًا كبيرًا في ذلك الفيلم الكوميدي ما دفعهما لقبول سلسلة عروض لأفلام مشتركة أخرى من النوع نفسه، من بينها «آس هاي» و«بوت هيل» و«ينادونني ترينيتي» و«ترينيتي ما زال اسمي»، هذان الفيلمان اللذان خرجا سنة 1970 و1971 على التوالي، ليسا فقط أنجح أفلام الوسترن الإيطالية بل من أنجح ما عرضته صالات السينما الإيطالية من أفلام في تاريخها حسب المجلة الرصينة «ذا هوليوود ريبورتر».‬
‬إنها فترة ثرية من فترات السينما الأوروبية التي أرادت محاكاة الأفلام الناطقة بالإنجليزية.
بداية، لم يكن الوسترن الإيطالي (أو السباغتي كما كان يُطلق عليه) هو النوع المحاكي الوحيد الذي انطلقت صوبه السينما في إيطاليا الستينات أو تلك الإسبانية أو الألمانية. عندما أشعل جيمس بوند فتيل سينما الجاسوسية غير التقليدية سارعت هذه الإنتاجات الأوروبية لطرح نسخ مختلفة تصوّر أبطالاً آخرين في المغامرات السريعة والخفيفة (والسخيفة غالبًا). تلك الإيطالية كانت الأكثر رواجًا بأبطال حملوا أرقامًا مثل «العميل 008» و«العميل 7 ونص» و«جيمس تونت».
أيضًا كان من بين التيارات الرائجة تقليد أفلام الخيال العلمي الأميركية، ولو أن تقنيات تلك الأفلام وميزانياتها المحدودة وإمكانيات سينمائييها الإبداعية المحدودة لم تستطع أن تماثل ما كانت هوليوود تصنعه من كلاسيكيات هذا النوع.
نوع ثالث أقدمت عليه السينما الإيطالية في لعبة محاكاة الرائج الأميركي هو أفلام العصابات التي كان من بين أهمها «أوراق فالاتشي»، ردًّا على «العراب» و«بورسالينو»، الذي تم تمويله فرنسيًا وإيطاليًا.
الوسترن الإيطالي ليس سوى جزء من إنتاجات إسبانية وألمانية أطلق عليها جميعًا اسم «سباغتي»، رغم اختلاف مصادرها. وهو بدأ عمليًا في أواخر الخمسينات عندما قام روبرتو بيانشي مونتيرو بتحقيق فيلم كوميدي - وسترن عنوانه «الشريف».
مع 1961، أصبح واضحًا أن المسألة أخذت منحى جديًا. الأفلام القليلة المنتجة ما بين 1958 و1959 نالت إقبالاً، وهذا أكد أن هناك جمهورًا واسعًا محتملاً، وما لبث أن تأكد هذا الاحتمال مع خروج أفلام بعناوين مثيرة مثل «داينمايت جاك»، و«مسدسات متوحشة»، و«ذهب الشمال الوحشي»، و«الرائعون الثلاثة»، و«رجلا مافيا في الغرب الموحش» و«الرصاص لا يجادل». إليها نسبة ملحوظة من الإنتاجات الأوروبية الأخرى: «الكنديون» كان بريطانيًا، «ليموناد جاك» كان تشيكيًا، «الملاك الأسود للمسيسيبي» إسبانيًا و«آخر غزو إلى سانتا كروز» كان ألمانيًا.
* ظهور أميركي على الشاشات الذهبية الإيطالية
كل هذا وسواه قبل أن يطأ المخرج سيرجيو ليوني أرض الوسترن قادمًا من أفلام هركوليس وماشيستي لينشأ أفضل ما أنتجته إيطاليا من أفلام وسترن. أول هذه الأفلام «حفنة من الدولارات» سنة 1964 تلاها «من أجل دولارات أكثر» (1965) و«الطيب والسيئ والبشع» (1966). هذه الثلاثية سبقت ثلاثة أفلام وسترن أخرى منفصلة الأحداث هي «ذات مرّة في الغرب» (Once Upon a Time in the West) سنة 1968 و«اختبئ أيها المغفل» (1971) ثم «اسمي لا أحد» الذي لم يشأ وضع اسمه عليه.
للأفلام الثلاثة الأولى جلب ممثلاً أميركيًا شاهده في مسلسل تلفزيوني عنوانه Rawhide. الممثل هو كلينت إيستوود الذي كان يبذل جهده للبقاء في الماء في تلك المسلسلات وشق طريقه صوب حضور أفضل. ليوني رمى إليه بدولاب النجاة ومنحه بطولة الثلاثية الأولى صانعًا منه نجمًا كبيرًا حتى إذا ما عاد إيستوود إلى هوليوود عاملته هذه كأحد أكبر ممثليها.
عدد لا بأس به من الممثلين الأميركيين ظهروا في أفلام الوسترن الإيطالية، بينهم هنري فوندا ولي فان كليف وإيلاي والاك وجاك بالانس وممثل الشر الأول جاك إيلام. لكن غالبية الأفلام الإيطالية عمدت إلى طواقمها من الممثلين وأفرزت نجومًا جددًا، من بينهم كان سبنسر ترايسي وترنس هل وتوماس ميليان وجوليانو جيما وفابيو تاستي.
كثر أولئك الذين غيّروا أسماءهم طمعًا في النجاح، خصوصًا إذا ما كانت الأدوار المعروضة هي أدوار بطولة، فوجدنا فجأة ممثلين إيطاليين وأوروبيين بأسماء أنغلو - ساكسونية مثل بول سميث وهورست فرانك وجورج هيلتون وتوم سكوت وتوني أنطوني (أسمه الحقيقي روجير بتيتو).
التغيير الأكبر كان في نمط سينما الوسترن ذاتها. هناك في أميركا كان الوسترن من تراث التاريخ الأميركي وعومل على هذا الأساس بصرف النظر عن وجود مئات الأفلام الروتينية غير المميزة. في أوروبا، بدا الغرب سورياليًا بالمقارنة. صحارى وعصابات مكسيكية وأبطال يطلقون عشرات الرصاصات من مسدسات بكرة يتسع كل منها لست رصاصات فقط. لكن مع عناوين من نوع «إذا قتلت.. تعيش» و«دجانغو» و«مسدس لرينغو» و«ساباتا» و«ساباتا يعود» و«إذا قابلت سارتانا صلِّ لروحك» و«اقتل الأحياء وصلِّ للموتى»، من كان يستطيع تفويت الفرصة أمام فوضاها وعبثها بالتاريخ وبالفن معًا؟

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة