حتمية الموت ورغبة الإنسان في الخلود وقلقه من التلاشي

فلاسفة ومدارس وأديان أجابوا عن أسئلتها.. والدين أكثرها طمأنة

حتمية الموت ورغبة الإنسان في الخلود وقلقه من التلاشي
TT

حتمية الموت ورغبة الإنسان في الخلود وقلقه من التلاشي

حتمية الموت ورغبة الإنسان في الخلود وقلقه من التلاشي

عندما يأخذ الإنسان مسيرة حياته، يتصرف، في غالب الأحيان، وكأنه سيخلد. فنجده يلهث وراء المشاريع، وينجز الأعمال، ويبني المنشآت، ولا يتوانى عن الدخول في رغبات جديدة مباشرة، بعدما يفرغ من أخرى. لكن تأتي عليه لحظات تكون كالصفعة تذكره بالمصير الحتمي، كونه سيؤول إلى زوال، من قبيل أعياد الميلاد، أو مداهمة مرض خطير لنا، أو موت عزيز، أو حين ينظر المرء إلى المرآة فيرى أثر السنين وقد انتشرت على وجهه التجاعيد واشتعل الرأس بالشيب، أو عند انتشار الأوبئة ووقوع الكوارث. ويضطر الإنسان إلى إعادة طرح الأسئلة وترتيب الأولويات من جديد. بل قد ينكمش ويحس بصغر حجمه، وبكل جبروته يسير نحو الصفر، وبغروره يضرب في الصميم، فيعترف بضعفه ويقلل من ادعاءاته. إلا أن العجيب في هذا الكائن اللغز أنه ينسى أو يتناسى هذه اللحظات المهماز، ليعاود السلوك من جديد، على أساس الخلود لا الموت، وكأن نوازع البقاء فيه أكبر من نوازع الفناء.
يعيش الإنسان عموما، وضعا مفارقا ومتأرجحا كبندول الساعة، بين رغبته في الخلود، التي تعطيه اندفاعته وشموخه، بل تبرر له حتى صلاحية الفساد والقتل في الأرض، وبين حتمية الموت التي تعطل له غروره وتذكره بعجزه وبأنه مهزوم لا محالة، وتدعوه لأن يكف من لعب دور «الإله» الذي لن يكون أبدا من نصيبه، فالربوبية محرمة عليه. ومن ثم الالتزام بالتواضع. فكيف حاول الإنسان مجابهة هذه الحتمية المريعة، والتخفيف من هذه النهاية غير المقبولة؟ ما هي أهم المقترحات التي تليّن وتلطّف على المرء فكرة زوال الأشياء المؤلمة؟
منذ أن وجد الإنسان، وهو يبحث عن إمكانات الخلود. فهو كائن لا يريد الفناء، ويتمنى لو عاش بشكل أبدي. ويكفي للمرء أن يقرأ تاريخ الطب، ليكتشف المجهود الجبار الذي بذلته الإنسانية لإيقاف الألم ومن ثم الموت. وكيف أن الطب ظل مثار احترام وتقدير على الدوام. ونحن نعلم أن العلماء المعاصرين، يغامرون في تعديلات وراثية لتحسين النسل، ويقومون بهندسات جينية على أمل ضبط مورث الشيخوخة. ولمَ نذهب بعيدا، فكم من الأموال تصرف على التجميل وكل ما يعيد الشباب! فحلم إكسير الحياة ما يزال يراود البشر، ولن يتوقف هذا الحلم ما بقي إنسان على الأرض. وما دام أن محاولاته لم تصل بعد إلى المبتغى المطلوب، وهو ما يقلق بال الإنسان، فسيبقى مضطرا للبحث عن الإغواءات الصغرى كصيغ بديلة للبقاء، كالبطولة، والحكمة، والجنس، والتكاثر، والطب، والمعرفة وغيرها.

* تجربة تولستوي مع تلاشي الزمن

حين يتحدث الإنسان عن الموت، يتجه مباشرة إلى الفناء البيولوجي، وينسى أن هذا مجرد جزء من كل. فليس الجسد هو الذي يفنى فقط، بل إن التلاشي يعم مشهد حياتنا كله. فمشروعي الذي أتعب من أجله، سينتهي ذات يوم لا محالة. والشيء نفسه ينطبق على المؤلف الذي نؤلفه، والعمل الفني الذي نبدعه، والنظريات التي تقدم لحل المشكلات، والتي قد تحدث ضجة وتصبح مثار حديث الجميع، لكنها ستخفت يوما ما وتخبو لتصبح أثرا بعد عين. بل هل يمكن للمرء أن يعيد لحظاته الحميمية ولحظات الفرح كما عاشها، سابقا، وبالتفصيل؟ أبدا. فاللحظات تموت وتصبح مجرد ذكرى. عد يوما بعد مرور سنوات إلى بيتك القديم، وتجول في أحياء حيكم، فلن تجد إلا صدى الماضي، إذ لا شيء يبقى كما كان. يجب أن نعترف، بأن هذا الإحساس هو جد مؤلم، ما يجعل المرء يبحث عن منافذ يفر من خلالها، هربا من فزاعة الزوال والاندثار الدائمين. وكم تعبر قصة حياة الروائي الروسي ليو تولستوي (1828 - 1910) عما نحن بصدده. فهو يقول: «إن اللاديمومة شيء مؤلم جدا». وحين بلغ تولستوي الخمسين من العمر، أي سنة 1878، كان قد حقق شهرة عالية، خاصة بعد روايتيه «الحرب والسلام» و«أنا كارنينا». بل كان قد عاش نجاحا أسريا أيضا، مع زوجة مخلصة أنجبت له تسعة أطفال، إضافة إلى الثراء البالغ الذي حققه، والعيش في ضيعة واسعة قريبة من موسكو. إلا أن تولستوي، سيعيش انقلابا كليا في حياته. إذ سيبدو له أن كل شيء يتهاوى ويتلاشى من حوله. وتسيطر عليه فكرة أن كل شيء باطل يسير إلى الزوال: الناس إلى فناء. الأشياء تتحطم. الشهرة تنتهي. الأوقات الرائعة تنقضي. يقول تولستوي: «إن أعمالي العظيمة مهما كانت، سوف تنسى عاجلا أم آجلا ولن تبقى. ما هذه الضجة المثارة حولها؟» إذن لقد وصل تولستوي إلى التشاؤم وإلى حال من اليأس، ووصلت حياته إلى العدم. قدمت تجربة تولستوي، كي أبرز كم تصبح الحياة من دون قيمة، إن لم يكن هناك شيء ثابت. وإذا كانت الفكرة التي سيطرت على تولستوي حقيقة لا مرد لها، فكيف درب الإنسان نفسه على مواجهة زواله الحتمي، وتقبل فكرة أنه سيموت؟ فلنتأمل بعض الأجوبة.

* الدين ووعد الخلود

يعد الجواب الديني، من أقوى الأجوبة التي قدمت لمشكلة الزوال. أما لماذا ما تزال الأديان طاغية، وتستمر في جلب الأتباع.، فذلك لأنها قدمت وصفة لحيرة الفناء الإنساني، تتسم بالسهولة، ويمكن أن يتفق عليها العالم والجاهل معا.
بداية، لا يجعل الدين من التغير والتبدل في العالم الأرضي مشكلا. بل يعتبره من صميم الأشياء. فلا كمال إلا للسماء، وما دون ذلك مصيره التلاشي. فعلى المرء أن لا ينزعج إذن، وأن يتقبل الأمر بصدر رحب، فالحياة مجرد قنطرة عبور لحياة أخروية أبدية تنتظرنا. فجواب الأديان عن سؤال الموت، شديد الإغراء، ويوفر الهناء والطمأنينة، من خلال تقديمه وعودا بالبقاء ما بعد الموت، وهو يلبي طموح الخلود.

* الأبيقورية: الموت أفضل

الأبيقورية مصطلح مشتق من اسم الفيلسوف أبيقور (341-271 ق.م)، وهي مدرسته المعروفة باسم البستان، وتقوم فلسفتها على الفكرة التالية: تمتع بالحياة، وابحث عن اللذة، واهرب من المعاناة، لكن بعد تفكير، أي القيام بعملية حسابية يتم فيها تدبير الرغبة، بين جلب اللذة واجتناب الألم. بعبارة أخرى، بينما يسلك المرء دروب الحياة، عليه أن يطرح السؤال التالي: هل أبحث عن لذة قوية وهائجة وآنية، مغامرا بالتعرض للمعاناة فيما بعد؟ أم أعمل على تأجيل اللذة الآن، بأمل الحصول على سعادة أطول مدة، فيما بعد؟ الجواب هو: علينا أن نزن الربح والخسارة للخيارات الممكنة. إن الشخص الأبيقوري، هو طالب للذة بالفعل، لكن بوعي وحيطة كبيرين في الحياة. لأن اللذة التي تكون تحت سيطرتنا، هي وحدها الضامن لسعادتنا. فالسعادة لا تكمن في التخلي عن كل الرغبات، بل في حساب الرغبة بحيث يتم تحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة وأقل قدر ممكن من الألم. فكل رغبة تحقق لذة، فهي جيدة ومفيدة. وكل لذة تجلب ألما، يجب التخلي عنها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، على المرء أن يدرب نفسه على التنازل عن ملذات آنية وسريعة، إذا علم أنها ستؤدي إلى آلام أكبر، وفي الآن نفسه، عليه أن يتحمل ويكابد المشاق والمتاعب، إذا علم أنها ستؤدي به إلى لذة أعظم.
إن هذه النظرة للسعادة هي التي جعلت الأبيقورية تجيب عن سؤال الموت بتفاؤل شديد، وتماش مع فلسفتهم. فما دام الموت يبعد الألم مرة واحدة، فهو إذن مطلب لا يجب خشيته، بل هو أفضل الأشياء على الإطلاق.

* الرواقية: الموت لحظة اندماج

هي مدرسة عاصرت الأبيقورية وكانت منافسة لها. وهي ترى أن الحياة الخيرة تكمن في العيش في وفاق مطلق مع الطبيعة. فإذا كان المرء غير قادر على تغيير سنن الكون، فهو قادر على أن يتقبل بكل رضا، جميع ما يحمله له القدر. فلا مرض أو موت سيحزنه. ولا مصائب يخبئها المستقبل ستنغص عليه عيشه.
إن السعيد من وجهة نظر الرواقية، هو ذلك المرء الذي يحاول الانسجام، بل الاندماج مع قوانين الطبيعة، حتى التي تبدو قاسية كالموت مثلا. إنه ناموس طبيعي وإن كان يظهر أنه شر. فمقاييسنا عاجزة عن فهم أنه خير. وهو ما يجعل الرواقية تؤكد أن الشر مجرد نقص في معارفنا. لذلك ليس على المرء أن يسير ضد تيار سنن الطبيعة وإلا واجه الشقاء. فالشيء في حد ذاته ليس شريرا، بل نحن من نفكر أنه كذلك. فالحكيم من الناس إذن هو من يعرف هذا الأمر ويسعى إلى تنفيذه. فالحياة مثل مأدبة عامرة ونحن مدعوون إليها، وعندما ينادي الموت يجب أن ننصرف منها بكل أدب ولطف وهدوء. فلا داعي للحزن أو الجزع، وليس علي تعذيب نفسي إطلاقا. فكل ما هو مولود يجب أن يموت. إنه القانون العام، إنها سنة الطبيعة. فيجب أن أقبل الأمر بهدوء. فلأمت بسلام.

تخفيف الموت بالانغماس في الحاضر

يرى نيتشه (1844-1900)، أن الحل المقترح لسؤال التلاشي، ينبغي أن يكون من صلب الأرض، وأن لا يعلو أبدا على الحياة. فعندما يعيش المرء لحظة قوية وبحرية قصوى، أو عندما يحب بجنون، أو يبدع عملا، أو يكتشف مجهولا من العالم، فإنه يكون متصالحا مع الواقع، ويحس بما يسميه نيتشه «خفة الراقص»، إلى درجة أن المرء يتمنى استمرار هذه اللحظات إلى الأبد. فالرجاء في دوام لحظات الذروة، باعتبارها توافقا كاملا مع الحاضر دون قيود الماضي أو هواجس المستقبل، قمة الخلاص الإنساني. إذ يصبح الحاضر مستحقا وليس مجهضا، ويعاش كأنه بذرة من الأبدية. وهنا بالضبط، تزول المخاوف والحيرة من الموت. إذن التصالح مع الحاضر وملامسة تلك اللذة الأبدية، التي تصبح كالمطلق الذي نرجو إحياءه وإلى الأبد، هو العود الأبدي عند نيتشه. إن نيتشه ينشد أبدية ليست مثالية تجري بعد الموت، بل هي أبدية محايثة يمكن بلوغها. إنها الجنة الموعودة في الأرض. وربما هنا بالضبط، يكون نيتشه قد رهن الفكر، وخصوصا الغربي منه، في مزيد من اللائكية، بحيث جرى الترويج لإمكانية انبعاث الحياة الطيبة في هذه الدنيا، وليس تأجيلا لما بعد الموت.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».