التكيف الروائي حسب أورهان باموق

الفائز بجائزة نوبل للآداب يتحدث عن تجربته

أورهان باموق
أورهان باموق
TT

التكيف الروائي حسب أورهان باموق

أورهان باموق
أورهان باموق

> حين يكتب روائي عن الرواية أو شاعر عن الشعر أو مسرحي عن المسرح، فلا شك أن الكتابة ستحتل، على الأقل في ذهن القارئ، موقعًا مختلفًا عما لو كان المتحدث عن أي من تلك الفنون ناقدًا عرف بدراساته وتنظيراته وليس بإبداعه في الفن الذي يتحدث عنه. سيبدو للبعض، وربما للكثير، أن الكتابة عندئذٍ تكتسب صدقية أكبر، ما قد يزيدها أهمية لا سيما لقراء ذلك الكاتب، روائيًا كان أم غير ذلك. وينبني ذلك على فرضية أن الكاتب «أدرى» بفنه من غيره، وأن تفسيره أو تحليله، إن هو فسر أو حلل العمل فإن لما يخرج به موقعًا خاصًا. وقد يكون ذلك صحيحًا، بل إن من المؤكد أن كتابة الكاتب عن تجربته تمتلك موقعًا خاصًا، تأسيسًا على مقولة أن المعنى في بطن الشاعر أو الكاتب بشكل عام فإذا أخرجه إلى الناس كان ذلك هو القول النهائي. شواهد التاريخ الأدبي لا تسند ذلك الاعتقاد، بل إن الكثير مما نشر من أعمال نقدية كتبها كتاب عن أعمالهم وفنونهم تؤكد أن الكثير من تلك الأعمال ليس بالأهمية التي يراها البعض. للكاتب رؤية مهمة ومميزة، دون شك، تجاه عمله وبشكل عام تجاه الفن الذي يكتب فيه أو يبدع في مجاله، لكن اللغة بإيحاءاتها والثقافة بحمولاتها والذائقة بجمالياتها أوسع من أن تحكمها رؤية فردية حتى لكاتب يعد خبيرًا بفن الكتابة.
خطر ذلك ببالي وأنا أقرأ ما كتبه الروائي التركي أورهان باموق حول الفن الروائي في كتاب بعنوان «الروائي الساذج والروائي الحساس» (2010). فطرحه حول الرواية ليس بمستوى ما كتبه نقاد كبار حول ذلك الفن الواسع الأرجاء المركب البناء. ليس بمستوى ما كتبه إدوارد سعيد أو الإنجليزي جيمس وود مثلاً، لكنه يحتفظ، كما يحتفظ كثير من الروائيين، بمسافة خاصة من تجربته تجعله الأفضل عند الحديث عن تلك التجربة، أي الجانب الشخصي المتعلق بظروف كتابة العمل والخلفية السيرية التي تشكل سياقًا مهمًا أحيانًا لاكتناه جوانب ليس غير الكاتب عارفًا بها أو عارفًا ببعض تفاصيلها الحميمة بوجه خاص. ولا ينقص ذلك من أهمية آراء باموق النقدية حول الرواية بشكل عام فهي آراء جديرة بالاهتمام ومن المتوقع أن تكون كذلك وقد ألقيت في جامعة هارفارد الأميركية ضمن سلسلة من المحاضرات التي يدعى لإلقائها نخبة من الكتاب والنقاد.
سأشير فيما يلي إلى رأي مهم لباموق حول الفن الروائي إجمالاً وموقعه في الأدب المعاصر، وهو رأي أتفق معه فيه وأجده جديرًا بالتأمل. لكني سأبدأ برأي لا اتفق معه فيه وأراه أيضًا جدير بالتأمل. يقول الكاتب التركي: «طوال الثلاثمائة عام الممتدة منذ ديفو [يقصد الإنجليزي دانييل ديفو صاحب (روبنسن كروزو) الذي يعد من رواد الفن الروائي]، حيثما تجذرت الرواية فإنها اقتلعت الشعر وتحولت بسرعة إلى الفن الأدبي المهيمن، ناشرة بالتدريج في مجتمعات حول العالم، مفهوم القص الذي نتفق عليه (أو نتفق ألا نتفق عليه)».
هل استطاعت الرواية حقًا وحيثما حلت أن تقتلع الشعر؟ أعتقد أن الرواية احتلت مكانة واسعة في الاهتمامات القرائية لدى الناس حيثما حلت، مجتذبة كتابًا وقراءً كثيرين، لكن هل أدى ذلك إلى الحلول محل الشعر؟ إجابتي هي: لا. صحيح أن الشعر لم تعد له المكانة السابقة حين كان سيد الموقف في كثير من الثقافات وأن دواوين الشعر اليوم تبيع أقل بكثير مما تبيع الأعمال الروائية. لكن الشعر ليس فنًا قرائيًا فقط، لم يكن دائمًا في دواوين تباع لتقرأ، بل كان وما يزال، وإلى حد بعيد، فن سماع وترديد، فنًا غنائيًا أو تأمليًا تحتفظ به الثقافات المختلفة بوصفه جزءًا أساسيا من تكوينها. الشعر فن فردي يزدهر في خلوة الإنسان بنفسه وليس بالضرورة حين يلتقي الآخرين، لكنه في الوقت نفسه فن شعبي واسع الانتشار يحفظ ويتناقل شفاهيًا. ربما يقل انتشار أنواع معينة منه، تلك التي تتطلب قارئًا ذا وعي ودربة خاصة (قصيدة النثر مثلاً)، لكنه يظل الفن الأكثر حميمية وإنسانية. ولن أفيض في هذا الأمر ففيه قول كثير قد يختلف فيه معي البعض وله مساحة قد أعود إليها لاحقًا. هنا أود أن أعود إلى المسألة الأخرى التي أتفق فيها مع باموق.
يقول الكاتب التركي الشهير، فهو الفائز بجائزة نوبل كما هو معروف، لمستمعيه في هارفارد وقرائه بعد ذلك إن قصة الرواية في البلاد التي اخترعتها معروفة، لكن قصتها حيث انتقلت وصارت فنًا شائعًا له شعبيته وقراؤه ليست معروفة بالقدر نفسه. يتحدث باموق هنا حديث الخبير بتجربته الشخصية وتجارب شبيهة بتجربته. النقطة أو المشكلة الأساسية تتمثل فيما حدث للرواية ولمفهوم القص تحديدًا وهو يدخل آفاقًا ثقافية مختلفة، كالأفق التركي، وهو بالطبع شبيه بآفاق غير غربية كثيرة أخرى. «في قلب تلك المشاكل والأصوات والأشكال الجديدة التي تولدت عنها تكمن عملية التكيف الإبداعية والتطبيقية التي مر بها المفهوم الغربي للقص المتخيل في الثقافات المحلية». ويشرح الكاتب التركي ما يقصد قائلاً: «إن الكتاب غير الغربيين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لمقاومة الممنوعات، والمحرمات، والاضطهاد من قبل دول سلطوية، اتكأوا على فكرة القص المتخيل المستعارة ليتحدثوا عن (حقائق) لم يكن بمقدورهم التعبير عنها صراحة – تمامًا كما كان حال الرواية سابقًا في الغرب».
ما يشير إليه باموق هو ما عرفه ليس الروائيون وحدهم في مناطق كثيرة من العالم غير الغربي بل معظم إن لم يكن كل الكتاب، وبالطبع لم تكن المشكلة كما يقول باموق مع دول أو أنظمة سياسية سلطوية وإنما وفي المقام الأول مع مجتمعات وثقافات تعج بالمحرمات والضوابط والموانع. في كثير من الأحيان تكون الأنظمة السياسية أكثر تسامحًا ورحابة صدر من فئات اجتماعية تعاني منها الأنظمة نفسها. لكن هذا ليس المهم هنا، بل هو أن الفنون بشكل عام تتكيف مع الظروف التي تولد وتنشط فيها وتتخذ لذلك أشكالاً وتتبنى أساليب غير تلك المألوفة في بيئات منفتحة، أو أقل تشددًا، ذلك أن الانفتاح والتشدد نسبيان ويستحيل أن تخلو ثقافة أو بيئة من محرمات. وقد أدى هذا دون شك إلى وضع الفن الروائي وغيره من فنون الكتابة في موضع يجعل من الصعب مطالبته بما يطالب به ذلك الفن وغيره في بيئات أخرى. ويقتضي ذلك تغييرًا في العادات القرائية وأفق التوقعات، كما يسميه نقاد التلقي واستجابة القارئ. هذا إلى جانب اختلاف الهموم التي تشغل الكتاب مقارنة بنظرائهم في أوروبا وأميركا. ومع أن بعض تلك الهموم لا يتغير من حيث هي هموم إنسانية، فإن طريقة التناول وكثير من التفاصيل ستختلف. قضايا مثل حرية الكاتب والهيمنة الثقافية اللتين تشغلان حيزًا واسعًا من اهتمامات روائي مثل باموق إلى جانب كتاب عرب وأفارقة، مثلاً، ليستا الهم الأول لروائيين بريطانيين أو فرنسيين.
لكن الاختلاف في الهموم سينعكس حتمًا، في الأعمال الجادة بالتأكيد، على الأساليب واللغة، على تقنيات السرد وبناء الشخوص، إلى غير ذلك. صحيح أن ذلك الانعكاس لن يؤدي إلى قطيعة بين الفن الروائي هنا وهناك لكنه سيتمثل في اختلافات من المهم ألا تغيب عن ذهن القارئ وأجزم أنها حاضرة وإن لم يجر تمثلها أو استيعابها بشكل واضح سواء في ذهن الكاتب أو القارئ.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.