مثقفون مصريون: نعيش عصر المعارك السطحية

السجالات الفكرية والأدبية.. لماذا انحسرت في ثقافتنا المعاصرة؟ (2 من 2)

طه حسين - توفيق الحكيم - عباس محمود العقاد - الروائي إبراهيم عبد المجيد - الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي
طه حسين - توفيق الحكيم - عباس محمود العقاد - الروائي إبراهيم عبد المجيد - الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي
TT

مثقفون مصريون: نعيش عصر المعارك السطحية

طه حسين - توفيق الحكيم - عباس محمود العقاد - الروائي إبراهيم عبد المجيد - الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي
طه حسين - توفيق الحكيم - عباس محمود العقاد - الروائي إبراهيم عبد المجيد - الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي

لطالما كانت السجالات والمعارك الأدبية دليلا على حيوية الحياة الثقافية، سواء تلك التي كانت تدور رحاها في الصالونات الثقافية أو على صفحات المجلات والجرائد الثقافية، أما الآن فبين الحين والآخر تنشب السجالات على صفحات مواقع الشبكات الاجتماعية ولكن تتوارى خلف تلميحات مشخصنة... واختصرت المعارك في تراشق لفظي هنا وتلميح في وسائل الإعلام هناك، ولم يعد القارئ المستفيد الأكبر منها كما كان في السجالات التي نشبت بين الرافعي وكل من العقاد وزكي مبارك وطه حسين، أو بين محمد مندور ورشاد رشدي، ونجيب محفوظ ونزار قباني حول قصيدة «المهرولون»، أو بين نجيب محفوظ والعقاد حينما دافع محفوظ باستماتة عن فن القصة والراوية في مقابل مدح العقاد الشعر والدواوين.
ومن بين المعارك الكبرى التي عرفت في تاريخ الأدب العربي الحديث معركة قصيدة النثر التي خاضها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي مع العقاد، فاستطلعنا رأيه حول اختفاء المعارك الأدبية. يقول الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، رئيس بيت الشعر المصري، لـ«فضاءات»: «لا بد أن نعترف أن هناك خمولا شديدا في الحياة الثقافية عامة وتلك المعاناة ممتدة منذ فترة طويلة... وأرى أن تراجع الإنتاج الثقافي هو السبب الرئيسي لأنه بالضرورة يتبعه تراجع النقد وردود فعل القراء وبالتالي حالة الجمود التي نعايشها الآن. في الماضي كانت السجالات والمعارك الأدبية تنشب بسبب انتماءات النقاد إلى مدارس فكرية ما وتعصبهم لها، أما الآن فإن حالة الخمول تعود بالأساس لأوساط منتجي الثقافة وأيضا أوساط القراء».
ويعزي حجازي حالة الجمود الفكري هذه إلى صناعة النشر وتغاضي الناشرين عن القيمة في مقابل الربح، ويقول: «الأشنع من هذا وجود اهتمام الإعلام بأنصاف الموهبة» وهي الظاهرة التي يطلق عليها حجازي ظاهرة «الشويعر». ويوضح: «وإن كنت لا أعتقد بأن هناك شاعرا صغيرا أو غير موهوب فالشعر يستدعي وجود الموهبة الحقيقية، ولكن وجود مدعي الموهبة بكثرة تلك هي المعضلة الكبرى، لأن وجود هؤلاء يدعمه معارك سطحية يدعمها التفاف الإعلامين حول شخص معين بسبب المصالح، وبالتالي تكون المعارك مشخصنة ولا محاولات النقاد لفرض توجه معين يحول دون نشوب معارك أدبية لها جدوى». ويرى حجازي أن هناك عوامل تخلق مناخا صالحا لنشوب المعارك الأدبية وهي «تعدد الاتجاهات، وتعدد المواهب، ووجود جمهور يقرأ ونقاد يتسمون بالحيادية».
بينما يقول الشاعر المصري الشاب الشريف منجود، رئيس تحرير مجلة الخان الثقافية: «المعارك الأدبية علامة مميزة للحراك الأدبي في شتى الثقافات، من خلالها نستطيع أن نتابع تحولات الأدب من ناحية الشكل أو المضمون أو أسلوب التعبير عنها، فتصعد من ذلك اتجاهات فنية وتتعارك المذاهب الأدبية وتتشكل صحوة أدبية جديدة. هذا لن يحدث إذا لم يكن لدينا أديب على قدر كبير من الثقافة والمعرفة والاحتكاك، ومستقل». ويفسر منجود أسباب ظاهرة اختفاء المعارك بقوله: «نحن نشاهد بعضا من الأدب اليوم يسير على هيئة قطيع، إن جاز لنا التعبير، فإذا فازت رواية بجائزة أو صارت الأكثر مبيعا سترى بعدها عشرات الروايات التي تصاغ بالأسلوب نفسه والشكل والمضمون نفسهما لضمان نجاحها، أما معارك الشعر القديمة فلم تعد على بال أحد وصارت القصيدة مغتربة عن جمهورها ولا يعلم عنها شيء وبالتالي ليس هناك حراك بين المبدع المتلقي والذي من المفترض أن يؤدي أيضا إلى حراك أدبي. وأيضا حالة الصمت العامة بين بعض الأدباء فكل مبدع ينتظر مؤشر الأكثر مبيعا، أوالاحتفاء الإعلامي، أو الجوائز. ولم يعد هناك نفس قوي لممارسة العراك لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأصبحت هناك تربيطات وشللية بين الأدباء حتى يتبادلوا المصالح، فليست هناك قضية».
ويثير منجود نقطة مهمة وهي: «خلل منظومة الحراك الأدبي، وهي الظاهرة المرتبطة بسيطرة الجيل القديم على منابر النشر والمؤسسات الإبداعية؛ فما زال إلى اليوم جيل العجائز مسيطرا على المحافل الأدبية وبالتالي لن يحدث الحراك الناتج أساسا من تعاقب الأجيال ونقاشها الدائم، الذي كان موجودا بقوة في الستينات».
الروائية د. سهير المصادفة، رئيس تحرير سلسلة الجوائز التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب، تقول: «ترتبط المعارك الفكرية والثقافية الكبرى بمناخ تنويري حقيقي وسقف حرية مرتفع ومستوى تعليم راقي ومستوى ثقافي متطور ومواكب لأحدث منجزات المدارس الفكرية والفلسفية، وأخيرا نسبة قراءة لا يُستهان بها. لم يفرز الواقع الثقافي والأدبي والفكري هذه المعارك الكبرى منذ سنوات، بل تحولت جهود المثقفين الكبار إلى محاربة بعضهم بعضا، فأضحت كل المعارك الثقافية آنية وزائفة ومرتبطة بوقت الأزمات أو فض شجار أو سجالات شخصية».
وحول إمكانية عودة المعارك الثقافية الرصينة تقول: «أظن أن الواقع العربي لن يشهد مثل هذه المعارك الثقافية الكبرى قبل عودة التعليم إلى مجده، وقت كان مستوى الحاصل على البكالوريا القديمة أفضل من الحاصل على الدكتوراه الآن، أيضا عودة فكرة تجرد المثقف، وأخيرا محو أمية الشعب العربي التي أصبحت بالفعل عارا كبيرا».
ويقول الأديب منير عتيبة، رئيس تحرير سلسلة «كتابات جديدة» التي تصدر عن الهيئة العامة للكتاب: «قرأت عن المعارك الأدبية التي دارت في القرن العشرين، ووجدت أن بعضها كان متفقا عليه من قبل طه حسين ومحمد حسين هيكل وبعضها كان ناجما عن اختلاف المذاهب الفكرية والأدبية والسياسية وكانت تدور في مجتمع يحاول أن يتلمس هويته في إطار فكري وسياسي ليبرالي، فقد كانت معظم هذه المعارك محاولات للانتصار لمذهب ما ويرى كل طرف عبر هذا السجال أنه يخدم البلاد ويدفعها للتقدم». ويرى عتيبة أن «الحياة الثقافية المصرية لم تعد تفرز هذا النوع من المعارك وإن كانت لا تخلو منه ولكن بشكل مختلف، فلا يمكن أن نتصور مجتمعا إنسانيا دون خلافات ومعارك لكنها أخذت طابعا شخصيا ولا تستهدف القيم ذاتها التي قرأنا عنها في المعارك الأدبية القديمة. وهذا ليس في مجال الثقافة، فقط بل في مختلف المجالات».
وينتقد عتيبة إلقاء اللوم في اختفاء المعارك الأدبية على النقاد: «زيادة الإنتاج الأدبي ووجود كم كبير من مختلف الأجناس الأدبية أخل بقدرة النقاد على ملاحقته وبالتالي تأثر دورهم».
لكن الناقد الأدبي والشاعر سيد محمود، رئيس تحرير جريدة القاهرة الثقافية، يرى أن المعارك لم ولن تختفي وأن إيقاع العصر عليه عامل كبير في عدم إبراز أي منها أو إعطائها الفرصة لتختمر، ويعزي ذلك إلى «اختفاء المجلة الأدبية الرصينة التي تتيح المساحة لنشر بحث عن قضية فكرية ما أو فكرة تثير نقاشات عامة، فضلا عن أن هناك صراعا بين السلطة والجماعات الفكرية للسيطرة على المجال العام فحتى معارك مثل معركة (إسلام بحيري) حول تجديد الخطاب الديني أو معركة فاطمة ناعوت ما هي إلا معارك تمت جدولتها على جدول أعمال السلطة، فهي لا تصنف معارك فكرية».
ويشير محمود إلى معضلة غياب النصوص التي تطور السياسة الثقافية أو التي تطور معايير جائزة. «هناك خلل في الأداء في المنظومة الثقافية والفكرية سببها وسائل التواصل الاجتماعي بإيقاعها السريع الذي حول نمط المعارك من كونها تثير النقاش العام إلى مجرد تعليقات تدور في إطار الشخصنة».
ولا يتفق محمود مع الآراء السابقة بأن المعارك الأدبية في القرن العشرين كانت منزهة عن الشخصنة بل يؤكد: «هي ليست ذهبية كما يتصورها البعض بل بالعكس كانت تتضمن ألفاظا وهجاء شخصيا بل وتعبيرات نابية مثل ما كان بين الرافعي وطه حسين، حتى معركة عابد الجابري وجورج طرابيشي عن (بنية العقل العربي) فلم يفلت الجابري من فخ الشخصنة واتهم طرابيشي بأنه مسيحي». ويتفق الروائي إبراهيم عبد المجيد مع سيد محمود في نقاط كثيرة حول دور الدولة في اختفاء تلك المعارك مسلطا الضوء على عامل بالغ الأهمية وهو «انتهاء المعارك الفكرية التنويرية إلى ساحات المحاكم، ما بين قضايا الحسبة وازدراء الأديان، وهو ما يقطع طريق المساجلات الفكرية والأدبية» لافتا إلى اختفاء المعارك الفكرية الحقيقية منذ الثمانينات وتحولها إلى معارك للنيل من الأشخاص بعيدا عن فكرهم، قائلا: «توارت تلك المعارك من بعد عام 1954 حينما ظهرت الدولة المركزية وظهور وزارة الثقافة مما خلق ثقافة لا ينسجها المواطن العادي بل تنسجها مؤسسات، فضلا عن اختفاء الأفكار الكبرى لتطوير المجتمعات والحياة كما كان في عهد سلامة موسى، وتوفيق الحكيم وغيرهم، فكانت نوعية السجالات الدائرة حول الفن للفن أم الفن للمجتمع وكانت القضايا من هذا القبيل يشارك فيها المجتمع». ويضيف: «حضرت بعض معارك الستينات حول الكتابة الجديدة ولاشك أنها كانت فترة ثرية ساعدت كتاب ذلك الجيل في تكوين صوتهم الروائي وأنا منهم، أما الآن فكل المعارك تحاول النيل من الأشخاص وسبهم دون نقد لفكرهم أو أدبهم».
وبوجهة نظر مغايرة، يرى الشاعر شريف الشافعي، رئيس القسم الثقافي ببوابة الأهرام الإلكترونية، أن المعارك والسجالات الأدبية حاضرة في جميع البيئات والمناخات الثقافية، على امتداد الزمان والمكان، فهي لازمة من لوازم الكتابة، وشأن من شؤون التفاعل بين حملة الأقلام. ويقول: «ما يختلف، ربما، بين عصر وآخر، ومكان وغيره، طبيعة تلك المعارك والسجالات، ففي المناخات الثقافية الجادة والزاخمة تتمحور تلك المعارك حول قضايا جوهرية وأطروحات متعمقة، وتنصب حول ما هو موضوعي، وتنأى لغتها عن التراشق والإسفاف. والعكس في مناخات البلادة والتكاسل، إذ تدور حول أمور هامشية ومجالات ثانوية، وتنشغل بما هو ذاتي، وتمتلئ لغتها بمغالطات واتهامات بغير أسانيد، فضلاً عما قد يعتريها من بذاءات».
ويلفت الشافعي إلى أن هناك عوامل أخرى تؤثر على طبيعة تلك المعارك الأدبية، منها: «مثلاً سيولة وسهولة أوعية النشر في العصر الراهن، عصر الإنترنت، إذ احتلت (السرقات الأدبية) مجالاً واسع النطاق من مجالات اهتمام المعارك الأدبية، وهي معارك ذاتية وصغيرة أيضًا بطبيعة الحال. على جانب آخر، تنشغل وسائل الإعلام، أكثر ما تنشغل، بما هو لحظي، وانتفاعي، ومن ثم فالمعارك التي تحتل مكانًا أبرز من تكثيف الضوء حولها في الوقت الراهن، هي تلك المتعلقة بأمور براقة، كالجوائز الأدبية مثلاً، ومصادرات بعض الكتب، ومقاعد موظفي ولجان الكيانات الثقافية الكبرى كوزارات الثقافة وهيئاتها واتحادات الكتاب، والمشاركات في المهرجانات الدولية، وما نحو ذلك من خلافات تصدرها وسائل الإعلام بوصفها معارك الساحة».
ويلفت الشافعي إلى وجود معارك غير ظاهرة «مع ذلك، تبدو للمختص في المشهد الثقافي الراهن معارك ثقافية وفكرية من العيار الثقيل، الجاد، لكنها قد لا تأخذ مداها اللائق من البزوغ، لكونها لا تشغل العامة بقدر وقوعها في دائرة التخصص. منها، على سبيل المثال، السجال الدائر حول العلاقة بين (الثقافي) و(السياسي) (أدونيس نموذجًا)، والخلاف بين أبجديات النقد المشرقي والمغاربي في العالم العربي، وغيرها».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».