فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي المقيم في هولندا.. من مناجم الفوسفات إلى حقل الأدب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي
TT

فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي

استطاع فؤاد العروي، بعد «انعطافة حادة»، نقلته من عالم الهندسة والعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة خريبكة (وسط المغرب) إلى عوالم البحث الأكاديمي والكتابة والإبداع الأدبي، أن يتكرس كأحد أهم الكتاب المغاربة، المعروفين في الداخل والخارج، مراكمًا كتابات لها توقيع خاص ولمسة مميزة، كـ «أسنان الطوبوغرافي» و«أي حب مجروح» و«اليوم الذي لم تتزوج فيه مليكة» و«سنة عند الفرنسيين» و«احذروا من المظليين» و«قضية سروال داسوكين الغريبة» و«مِحَنُ السجلماسي الأخير»، مكنته من الحصول على عدد من أرفع الجوائز الأدبية، في جنسي الرواية والقصة، بشكل خاص، ومن ذلك فوزه بجائزة «ألبير كامي»، عن «أسنان الطوبوغرافي»، وجائزة «غونكور» للقصة، عن «قضية سروال داسوكين الغريبة»، وجائزة «جان جيونو»، عن «مِحَنُ السجلماسي الأخير». يتحدث العروي، في هذا الحوار، عن علاقته بلغة الكتابة، كما يتحدث عن تحوله من عالم الرياضيات والعمل مهندسا في مناجم الفوسفات بالمغرب، إلى عوالم الكتابة والأدب وأضواء الجوائز والشهرة العالمية. كما يقارن بين الحقل الثقافي الهولندي، حيث يقيم ويكتب، والحقل الثقافي في المغرب، ليقول بأنه ليس سهلاً أن تكون كاتبًا في المغرب، في ظل الأعطاب التي يعيشها حقله الثقافي، مشددًا على أنه إذا ما كتب لكاتب أن يتألق داخل المغرب، في ظل الأوضاع التي يعيشها حقله الثقافي، فإن أقل ما يوصف به هذا الكاتب أنه بطل، يقوم بعمل بطولي. كما تحدث عن الأدب المغربي في المهجر، فقال: «إنه يمنحنا، اليوم، في ظل تعدد لغات الكتابة وتنوع المهاجر، طرقًا كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه»، معتبرًا هذا المعطى دليل غنى ومصدر فرح ومدعاة للابتهاج. وفيما يلي نص الحوار:
> هل تجد ذاتك في اللغة الفرنسية، حتى تكتب بها أو، بالأحرى، حتى تبدو مرتاحًا وأنت تكتب بها؟
- هناك كثير من الكتاب المغاربيين، يقولون إنهم اختاروا الكتابة باللغة الفرنسية لهذا السبب أو ذاك. أنا لم أختر الفرنسية لغة للكتابة، من جهة أنه لم يكن بوسعي إلا الكتابة باللغة الفرنسية بحكم تكويني الفرنسي ودراستي في المدرسة الفرنسية. صحيح، أن لدينا مشكلا لغويا في المغرب، وقد كتبت، في ذلك، كتابًا تحت عنوان «الدراما اللغوية المغربية». فيما يخصني، كلما جلست لكتابة قصة أو رواية تأتيني اللغة الفرنسية بشكل طبيعي وتلقائي. وأنا أرى أن الكاتب يجب أن يكون له أسلوبه الخاص والتلقائي الذي لا يتم التفكير فيه أو التخطيط له. قد أكتب موضوعًا علميًا باللغة الإنجليزية أو الهولندية، ولكن أن أحكي رواية أو قصة تبقى اللغة التلقائية للكتابة، التي أرتاح فيها، هي الفرنسية. لا شك أن هذا المعطى يعبر عن وضعية غريبة بصدد المغرب الذي حصل على استقلاله منذ 1956. كما أن دستوره الجديد يتحدث عن العربية والأمازيغية كلغتين رسميتين، فيما الفرنسية ليست كذلك. ورغم ذلك، هناك كتاب كثيرون يكتبون مثلي باللغة الفرنسية، وأنا لست مسؤولا عن مثل هذا الوضع.
> بالنسبة للمثقف، قد لا يطرح إشكال المعضلة اللغوية، حيث يقاس الأمر من وجهة نظر إبداعية خالصة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بلغة الكتابة وليس بـ«استراتيجية» الكتابة وتوجهاتها، في ارتباط بسؤال الهوية، مثلا؟
- بالنسبة للإبداع، كل يبحث عن أسلوبه وطريقة رؤيته للعالم، وكيف يحكي عن العالم. راحة المبدع تتجسد في اختيار الكتابة في هذه اللغة وفي ذلك الجنس الأدبي. أنا درست في المدرسة الفرنسية، ولذلك أجدني مرتاحًا في اللغة الفرنسية، من دون أن أكون مخيرًا في ذلك. وعلى العموم، هناك لغة واحدة قد يجد فيها المبدع أسلوبه الشخصي وراحته؛ وبالتالي من الممكن أن يجدها، مثلا، إما في العربية أو في الفرنسية.
> يبدو مسارك «غريبًا» بعض الشيء، أنت الذي تكونت في حقل العلوم الحقة، وتخرجت من مدارس المهندسين، لتعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة «خريبكة» المغربية، قبل أن تغير الوجهة إلى حقل الأدب، لتصير أحد أشهر الكتاب المغاربة في العالم.. كيف تستعيد هذا المسار وتقيم هذه الاختيارات؟
- منذ طفولتي، عشقت القراءة والكتابة. حين درست في ثانوية «ليوطي» بالدار البيضاء، تم توجيهي إلى الرياضيات، حيث كنت متفوقًا، ولذلك وجدت نفسي أتابع مسارًا دراسيًا في هذا التخصص العلمي، قبل أن أشتغل مهندسًا في المكتب الشريف للفوسفات. في لحظة ما، غامرت، كما كل المغاربة المعروفين بحس المغامرة والمخاطرة. تساءلت، وقتها: لم لا؟. كنت كتبت رواية وأرسلتها إلى دار نشر فرنسية فتم قبولها، فنشرت. أرى أنه لم تكن هناك قطيعة أو تحول بين وضعية وأخرى، فقد كنت أحمل دوما، في داخلي، بذور الكاتب وبذرة الكتابة، أما العمل بعد التخرج فكان لكسب العيش.
> هل من السهل على الكاتب أن يكون كاتبًا في المغرب، أم أن الأمر يبقى أسهل حين يكون الكاتب مقيمًا في الخارج؟
- سؤال مهم. لدي إحساس قد أكون مخطئا فيه. على العموم، أرى أنه من الصعب جدا، مع الأسف، أن يكون المرء كاتبا في المغرب. لماذا؟ لأن الكاتب يحتاج إلى شبكة تتضمن ناشرين ومجلات ونقاد أدب حقيقيين يقفون على مؤهلات الموهوبين من الكتاب الشباب ويشجعونهم، فضلا عن جمهور ومؤسسات داعمة. أكون، الآن، قد عددت نحو ستة مساهمين ومتدخلين في حقل ثقافي معين. حين نمعن النظر في الشبكة أو الحقل الثقافي وطريقة اشتغاله في المغرب، سنجد أنه ليس لدينا الكثير، مع الأسف. هناك ناشرون يقومون بعملهم، كما أن هناك آخرين لا يقومون بالعمل الحقيقي المناط بالناشر، من حيث تشجيع الكتاب ودعمهم. فيما يخص النقاد، هناك، فعلا، نقاد، لكن أين المجلات التي يمكن أن تنشر آراءهم وكتاباتهم؟ من حسن الحظ أن هناك جرائد وملاحق ثقافية. إن شئنا القول، فالحقل الثقافي المغربي لا يعمل جيدا، وليس قويا أو فعالا. هناك شباب طموح له موهبة وإرادة، لكن أين الحقل الثقافي الداعم الذي ينتبه للمبدع الشاب، ويتعهده كالرضيع إلى أن يصير منتجًا وله حضور. لكي تكون كاتبا في المغرب عليك أن تقوم بعمل بطولي، وأن تكون بطلا، يتعارك مع الجميع، بحيث قد تنشر على نفقتك، وتصير موزعًا لكتبك، لذلك أسأل: أين النشر؟ أين التوزيع؟ أين القارئ؟ وأين التواصل بين المبدعين وإمكانية التعرف على ما يجري وينتج في هذه المنطقة أو تلك من المغرب؟ الحقل الثقافي في المغرب فيه أعطاب. وأنا أرى أن هناك مواهب كثيرة في البلد. كما أن المقارنة بين حالة المشهد الثقافي في المغرب والمشهد الثقافي في بلد كهولندا، مثلا، بإمكانها أن تبين الفرق. هناك أدباء مغاربة متألقون في هولندا، كثير منهم ينحدر من منطقة الريف بشمال المغرب. ماذا لو كانوا يعيشون بمنطقة الريف، أو غيرها من مناطق المغرب، ولم يهاجروا أو يولدوا في بلدان المهجر من آباء مهاجرين؟ كيف كان سيكون حالهم، اليوم، لو أن مواهبهم برزت في المغرب وليس في هولندا، مثلا، حيث وجدوا حقلاً ثقافيًا حيويًا، أوصلهم إلى ما هم عليه من تميز وحضور، حتى صرنا نسمع عن حفيظ بوعزة ونعيمة البزاز، مثلا؟ في هولندا، هناك حقل ثقافي قوي، ولذلك، وجدوا، مع نشر أول عمل، الاحتضان والدعم من الناشرين والموزعين والنقاد والقراء، على حد سواء.
> روايتك الأولى التي وضعتك على سكة الشهرة.. لماذا لم ترسلها، وقتها، إلى ناشر مغربي؟ ماذا لو كنت أرسلتها إلى ناشر مغربي؟
- مستحيل. لا يمكن. هذا هو المشكل. هذا هو الفرق بين حقل ثقافي داعم للإبداع والمبدعين وآخر معطوب. لا يجوز أن ننكر أن هناك سياسة ثقافية قيد التشكل في المغرب، وأنا أقدر الجهود المبذولة، لكن الأمر يتطلب وسائل وموارد كافية. علينا أن نضع هدف أن يكون لدينا حقل ثقافي قوي. فيما يخص الكتاب المغاربة المقيمين خارج البلد، هناك عدد منهم حصل على جوائز مهمة، وكانوا محظوظين لأنهم أبدعوا في ظل حقل ثقافي داعم. لكن إذا قُدر لأديب ومبدع أن يتألق، هنا، في المغرب، وأن ينجح ويؤكد حضوره، فهو بطل.
> أي إضافة أسداها الأدب المكتوب في المهجر للأدب المغربي، بشكل عام؟
- أولاً لدي ملاحظة أرى من اللازم الانطلاق منها، تتعلق بأن الكتاب المغاربة ممن لهم غيرة على البلد، كيفما كانت اللغة التي يكتبون بها فهم مغاربة، كما أنهم سواء كانوا من الجيل الأول مع إدريس الشرايبي وأحمد الصفريوي، مثلا، ثم مع الجيل الثاني مع محمد خير الدين والطاهر بن جلون، مثلا، أعطوا حضورا للأدب المغربي في الخارج، فصار ينظر إليه بإيجابية ويتم التعامل معه بجدية، ليتم الاعتراف به من طرف المؤسسات الثقافية في الخارج. وبعد أن كان لدينا من يكتب بالفرنسية، على غرار الأسماء السالفة الذكر، أو بالعربية، على غرار محمد برادة أو عبد الكريم غلاب ومحمد زفزاف ومحمد بنيس، مثلا، صار لدينا، اليوم، مبدعون كبار يكتبون بالهولندية على غرار عبد القادر بنعلي وحفيظ بوعزة، أو ليلى العلمي التي تبدع بالإنجليزية، كما أن هناك من يبدع بلغات أخرى كالإيطالية والإسبانية، وحتى بالعربية، كما هو حال طه عدنان المقيم ببلجيكا. نحن، اليوم، أمام طرق كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه. لدينا اليوم أدباء يكتبون بكل لغات العالم، وأرى أن علينا أن نعتبر الأمر غنى وأن نفرح ونبتهج بهذا المعطى.
> لمن يكتب المبدع؟ بالنسبة لمبدع مغربي محسوب على «أدب المهجر»، هل يكتب لقارئ عربي، أم لقارئ غربي يحتاج إلى من يدغدغ خياله بعوالم «ألف ليلة وليلة»، أم لقارئ كوني؟
- سؤال مهم. وهذا إشكال حقيقي وأساسي، بالنسبة لأي كاتب. هناك مشكل يتعلق بطلب القارئ الغربي. هناك، فعلا، قارئ غربي جيد، كما أن هناك قارئا غربيا يرغب في دغدغته بعوالم «ألف ليلة وليلة»، وبالتالي أن تحدثه عن الحمام والحريم، وغيرها من المفردات التي تختصر الشرق في عالم أسطوري وعجائبي. أرى أن المبدع، إذا أراد أن ينشر، بشكل سهل، قد يجد نفسه في هذا الوضع الذي يبدع تحت سقف مثل هذه العوالم العجائبية. لكن يبقى من الجيد أن يكتب المبدع من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أسئلة القارئ وانتظاراته. ماذا عليه أن يكتب؟ أرى أن عليه أن يكتب من أجل خطاب كوني. مثلا، أنا حين أكتب عن بلدي، أكتب من دون أن أفكر أو أن أضع في اعتباري قارئًا معينًا. إذا طرحنا السؤال، في المنطلق، عن الحاجة الوحيدة التي ينبغي الأخذ بها، عندها سنتساءل عن «ماذا أريد أن أقول للقارئ؟». فيما يخصني، لدي خطاب ورسالة أرى أن أوصلها مع السعي نحو لذة القراءة التي تحبب القراءة في كتاب ما. علينا أن نعرف كيف نجلب القارئ ونغريه ليقبل على القراءة، لذلك، اخترت، مثلا، أن أتوسل السخرية والفكاهة في كتاباتي، من جهة أننا يمكن أن نمرر من خلالها أمورًا كثيرة ورسائل كثيرة، مع التشديد، هنا، على أن الإبداع كلما نبع وخرج من القلب كلما كانت فيه رسالة وخطاب، ومعنى.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».