فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي المقيم في هولندا.. من مناجم الفوسفات إلى حقل الأدب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي
TT

فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي

استطاع فؤاد العروي، بعد «انعطافة حادة»، نقلته من عالم الهندسة والعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة خريبكة (وسط المغرب) إلى عوالم البحث الأكاديمي والكتابة والإبداع الأدبي، أن يتكرس كأحد أهم الكتاب المغاربة، المعروفين في الداخل والخارج، مراكمًا كتابات لها توقيع خاص ولمسة مميزة، كـ «أسنان الطوبوغرافي» و«أي حب مجروح» و«اليوم الذي لم تتزوج فيه مليكة» و«سنة عند الفرنسيين» و«احذروا من المظليين» و«قضية سروال داسوكين الغريبة» و«مِحَنُ السجلماسي الأخير»، مكنته من الحصول على عدد من أرفع الجوائز الأدبية، في جنسي الرواية والقصة، بشكل خاص، ومن ذلك فوزه بجائزة «ألبير كامي»، عن «أسنان الطوبوغرافي»، وجائزة «غونكور» للقصة، عن «قضية سروال داسوكين الغريبة»، وجائزة «جان جيونو»، عن «مِحَنُ السجلماسي الأخير». يتحدث العروي، في هذا الحوار، عن علاقته بلغة الكتابة، كما يتحدث عن تحوله من عالم الرياضيات والعمل مهندسا في مناجم الفوسفات بالمغرب، إلى عوالم الكتابة والأدب وأضواء الجوائز والشهرة العالمية. كما يقارن بين الحقل الثقافي الهولندي، حيث يقيم ويكتب، والحقل الثقافي في المغرب، ليقول بأنه ليس سهلاً أن تكون كاتبًا في المغرب، في ظل الأعطاب التي يعيشها حقله الثقافي، مشددًا على أنه إذا ما كتب لكاتب أن يتألق داخل المغرب، في ظل الأوضاع التي يعيشها حقله الثقافي، فإن أقل ما يوصف به هذا الكاتب أنه بطل، يقوم بعمل بطولي. كما تحدث عن الأدب المغربي في المهجر، فقال: «إنه يمنحنا، اليوم، في ظل تعدد لغات الكتابة وتنوع المهاجر، طرقًا كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه»، معتبرًا هذا المعطى دليل غنى ومصدر فرح ومدعاة للابتهاج. وفيما يلي نص الحوار:
> هل تجد ذاتك في اللغة الفرنسية، حتى تكتب بها أو، بالأحرى، حتى تبدو مرتاحًا وأنت تكتب بها؟
- هناك كثير من الكتاب المغاربيين، يقولون إنهم اختاروا الكتابة باللغة الفرنسية لهذا السبب أو ذاك. أنا لم أختر الفرنسية لغة للكتابة، من جهة أنه لم يكن بوسعي إلا الكتابة باللغة الفرنسية بحكم تكويني الفرنسي ودراستي في المدرسة الفرنسية. صحيح، أن لدينا مشكلا لغويا في المغرب، وقد كتبت، في ذلك، كتابًا تحت عنوان «الدراما اللغوية المغربية». فيما يخصني، كلما جلست لكتابة قصة أو رواية تأتيني اللغة الفرنسية بشكل طبيعي وتلقائي. وأنا أرى أن الكاتب يجب أن يكون له أسلوبه الخاص والتلقائي الذي لا يتم التفكير فيه أو التخطيط له. قد أكتب موضوعًا علميًا باللغة الإنجليزية أو الهولندية، ولكن أن أحكي رواية أو قصة تبقى اللغة التلقائية للكتابة، التي أرتاح فيها، هي الفرنسية. لا شك أن هذا المعطى يعبر عن وضعية غريبة بصدد المغرب الذي حصل على استقلاله منذ 1956. كما أن دستوره الجديد يتحدث عن العربية والأمازيغية كلغتين رسميتين، فيما الفرنسية ليست كذلك. ورغم ذلك، هناك كتاب كثيرون يكتبون مثلي باللغة الفرنسية، وأنا لست مسؤولا عن مثل هذا الوضع.
> بالنسبة للمثقف، قد لا يطرح إشكال المعضلة اللغوية، حيث يقاس الأمر من وجهة نظر إبداعية خالصة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بلغة الكتابة وليس بـ«استراتيجية» الكتابة وتوجهاتها، في ارتباط بسؤال الهوية، مثلا؟
- بالنسبة للإبداع، كل يبحث عن أسلوبه وطريقة رؤيته للعالم، وكيف يحكي عن العالم. راحة المبدع تتجسد في اختيار الكتابة في هذه اللغة وفي ذلك الجنس الأدبي. أنا درست في المدرسة الفرنسية، ولذلك أجدني مرتاحًا في اللغة الفرنسية، من دون أن أكون مخيرًا في ذلك. وعلى العموم، هناك لغة واحدة قد يجد فيها المبدع أسلوبه الشخصي وراحته؛ وبالتالي من الممكن أن يجدها، مثلا، إما في العربية أو في الفرنسية.
> يبدو مسارك «غريبًا» بعض الشيء، أنت الذي تكونت في حقل العلوم الحقة، وتخرجت من مدارس المهندسين، لتعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة «خريبكة» المغربية، قبل أن تغير الوجهة إلى حقل الأدب، لتصير أحد أشهر الكتاب المغاربة في العالم.. كيف تستعيد هذا المسار وتقيم هذه الاختيارات؟
- منذ طفولتي، عشقت القراءة والكتابة. حين درست في ثانوية «ليوطي» بالدار البيضاء، تم توجيهي إلى الرياضيات، حيث كنت متفوقًا، ولذلك وجدت نفسي أتابع مسارًا دراسيًا في هذا التخصص العلمي، قبل أن أشتغل مهندسًا في المكتب الشريف للفوسفات. في لحظة ما، غامرت، كما كل المغاربة المعروفين بحس المغامرة والمخاطرة. تساءلت، وقتها: لم لا؟. كنت كتبت رواية وأرسلتها إلى دار نشر فرنسية فتم قبولها، فنشرت. أرى أنه لم تكن هناك قطيعة أو تحول بين وضعية وأخرى، فقد كنت أحمل دوما، في داخلي، بذور الكاتب وبذرة الكتابة، أما العمل بعد التخرج فكان لكسب العيش.
> هل من السهل على الكاتب أن يكون كاتبًا في المغرب، أم أن الأمر يبقى أسهل حين يكون الكاتب مقيمًا في الخارج؟
- سؤال مهم. لدي إحساس قد أكون مخطئا فيه. على العموم، أرى أنه من الصعب جدا، مع الأسف، أن يكون المرء كاتبا في المغرب. لماذا؟ لأن الكاتب يحتاج إلى شبكة تتضمن ناشرين ومجلات ونقاد أدب حقيقيين يقفون على مؤهلات الموهوبين من الكتاب الشباب ويشجعونهم، فضلا عن جمهور ومؤسسات داعمة. أكون، الآن، قد عددت نحو ستة مساهمين ومتدخلين في حقل ثقافي معين. حين نمعن النظر في الشبكة أو الحقل الثقافي وطريقة اشتغاله في المغرب، سنجد أنه ليس لدينا الكثير، مع الأسف. هناك ناشرون يقومون بعملهم، كما أن هناك آخرين لا يقومون بالعمل الحقيقي المناط بالناشر، من حيث تشجيع الكتاب ودعمهم. فيما يخص النقاد، هناك، فعلا، نقاد، لكن أين المجلات التي يمكن أن تنشر آراءهم وكتاباتهم؟ من حسن الحظ أن هناك جرائد وملاحق ثقافية. إن شئنا القول، فالحقل الثقافي المغربي لا يعمل جيدا، وليس قويا أو فعالا. هناك شباب طموح له موهبة وإرادة، لكن أين الحقل الثقافي الداعم الذي ينتبه للمبدع الشاب، ويتعهده كالرضيع إلى أن يصير منتجًا وله حضور. لكي تكون كاتبا في المغرب عليك أن تقوم بعمل بطولي، وأن تكون بطلا، يتعارك مع الجميع، بحيث قد تنشر على نفقتك، وتصير موزعًا لكتبك، لذلك أسأل: أين النشر؟ أين التوزيع؟ أين القارئ؟ وأين التواصل بين المبدعين وإمكانية التعرف على ما يجري وينتج في هذه المنطقة أو تلك من المغرب؟ الحقل الثقافي في المغرب فيه أعطاب. وأنا أرى أن هناك مواهب كثيرة في البلد. كما أن المقارنة بين حالة المشهد الثقافي في المغرب والمشهد الثقافي في بلد كهولندا، مثلا، بإمكانها أن تبين الفرق. هناك أدباء مغاربة متألقون في هولندا، كثير منهم ينحدر من منطقة الريف بشمال المغرب. ماذا لو كانوا يعيشون بمنطقة الريف، أو غيرها من مناطق المغرب، ولم يهاجروا أو يولدوا في بلدان المهجر من آباء مهاجرين؟ كيف كان سيكون حالهم، اليوم، لو أن مواهبهم برزت في المغرب وليس في هولندا، مثلا، حيث وجدوا حقلاً ثقافيًا حيويًا، أوصلهم إلى ما هم عليه من تميز وحضور، حتى صرنا نسمع عن حفيظ بوعزة ونعيمة البزاز، مثلا؟ في هولندا، هناك حقل ثقافي قوي، ولذلك، وجدوا، مع نشر أول عمل، الاحتضان والدعم من الناشرين والموزعين والنقاد والقراء، على حد سواء.
> روايتك الأولى التي وضعتك على سكة الشهرة.. لماذا لم ترسلها، وقتها، إلى ناشر مغربي؟ ماذا لو كنت أرسلتها إلى ناشر مغربي؟
- مستحيل. لا يمكن. هذا هو المشكل. هذا هو الفرق بين حقل ثقافي داعم للإبداع والمبدعين وآخر معطوب. لا يجوز أن ننكر أن هناك سياسة ثقافية قيد التشكل في المغرب، وأنا أقدر الجهود المبذولة، لكن الأمر يتطلب وسائل وموارد كافية. علينا أن نضع هدف أن يكون لدينا حقل ثقافي قوي. فيما يخص الكتاب المغاربة المقيمين خارج البلد، هناك عدد منهم حصل على جوائز مهمة، وكانوا محظوظين لأنهم أبدعوا في ظل حقل ثقافي داعم. لكن إذا قُدر لأديب ومبدع أن يتألق، هنا، في المغرب، وأن ينجح ويؤكد حضوره، فهو بطل.
> أي إضافة أسداها الأدب المكتوب في المهجر للأدب المغربي، بشكل عام؟
- أولاً لدي ملاحظة أرى من اللازم الانطلاق منها، تتعلق بأن الكتاب المغاربة ممن لهم غيرة على البلد، كيفما كانت اللغة التي يكتبون بها فهم مغاربة، كما أنهم سواء كانوا من الجيل الأول مع إدريس الشرايبي وأحمد الصفريوي، مثلا، ثم مع الجيل الثاني مع محمد خير الدين والطاهر بن جلون، مثلا، أعطوا حضورا للأدب المغربي في الخارج، فصار ينظر إليه بإيجابية ويتم التعامل معه بجدية، ليتم الاعتراف به من طرف المؤسسات الثقافية في الخارج. وبعد أن كان لدينا من يكتب بالفرنسية، على غرار الأسماء السالفة الذكر، أو بالعربية، على غرار محمد برادة أو عبد الكريم غلاب ومحمد زفزاف ومحمد بنيس، مثلا، صار لدينا، اليوم، مبدعون كبار يكتبون بالهولندية على غرار عبد القادر بنعلي وحفيظ بوعزة، أو ليلى العلمي التي تبدع بالإنجليزية، كما أن هناك من يبدع بلغات أخرى كالإيطالية والإسبانية، وحتى بالعربية، كما هو حال طه عدنان المقيم ببلجيكا. نحن، اليوم، أمام طرق كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه. لدينا اليوم أدباء يكتبون بكل لغات العالم، وأرى أن علينا أن نعتبر الأمر غنى وأن نفرح ونبتهج بهذا المعطى.
> لمن يكتب المبدع؟ بالنسبة لمبدع مغربي محسوب على «أدب المهجر»، هل يكتب لقارئ عربي، أم لقارئ غربي يحتاج إلى من يدغدغ خياله بعوالم «ألف ليلة وليلة»، أم لقارئ كوني؟
- سؤال مهم. وهذا إشكال حقيقي وأساسي، بالنسبة لأي كاتب. هناك مشكل يتعلق بطلب القارئ الغربي. هناك، فعلا، قارئ غربي جيد، كما أن هناك قارئا غربيا يرغب في دغدغته بعوالم «ألف ليلة وليلة»، وبالتالي أن تحدثه عن الحمام والحريم، وغيرها من المفردات التي تختصر الشرق في عالم أسطوري وعجائبي. أرى أن المبدع، إذا أراد أن ينشر، بشكل سهل، قد يجد نفسه في هذا الوضع الذي يبدع تحت سقف مثل هذه العوالم العجائبية. لكن يبقى من الجيد أن يكتب المبدع من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أسئلة القارئ وانتظاراته. ماذا عليه أن يكتب؟ أرى أن عليه أن يكتب من أجل خطاب كوني. مثلا، أنا حين أكتب عن بلدي، أكتب من دون أن أفكر أو أن أضع في اعتباري قارئًا معينًا. إذا طرحنا السؤال، في المنطلق، عن الحاجة الوحيدة التي ينبغي الأخذ بها، عندها سنتساءل عن «ماذا أريد أن أقول للقارئ؟». فيما يخصني، لدي خطاب ورسالة أرى أن أوصلها مع السعي نحو لذة القراءة التي تحبب القراءة في كتاب ما. علينا أن نعرف كيف نجلب القارئ ونغريه ليقبل على القراءة، لذلك، اخترت، مثلا، أن أتوسل السخرية والفكاهة في كتاباتي، من جهة أننا يمكن أن نمرر من خلالها أمورًا كثيرة ورسائل كثيرة، مع التشديد، هنا، على أن الإبداع كلما نبع وخرج من القلب كلما كانت فيه رسالة وخطاب، ومعنى.



«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو أسامة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
TT

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو أسامة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي، تتجاوز حدود جماليات النص وتوقع الشاعر في حبائل المعنى الوجودي، بحيث يصبحان معاً نصاً يعيش حياة خصوصية.

وقد كان شحاتة يتمثل معانيه الشعرية والنثرية في ذاته وكأنه بطل نصوصه، كحال ممثلٍ يكتب المسرحية، ثم يمثلها (كما كانت حال شكسبير). ولا يقف شحاتة عند ذلك، بل يتحول تمثيله للمسرحية إلى تمثلٍ لها، فيغير مسار حياته وفق شروط بطل المسرحية. ومحاضرة شحاتة الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» تحولت لتكتب سيرة شحاتة في سلوكه اليومي والحياتي، لدرجة أنه عزل نفسه عن الواقع المعيشي، ودخل في واقع افتراضي يتمثل فيه مستدعيات خطابه ومقولاته ويتخلق بها، وعاش غريباً ومختلفاً وغير قادرٍ على تقبل شروط الواقع.

وكذلك كان محمد الثبيتي الذي عاش حياة القصيدة وليس حياة الواقع البشري؛ فهو وُلد مسكوناً بالشعر، ولو لم يتعلم حسب نظم التعليم الحديثة لصار شاعراً نبطياً؛ لأنه ليس له من طريق للحياة إلا أن يكون شاعراً؛ ولذا عاش بوصفه كائناً شعرياً مشاغباً للواقع، ولا يقر له قرارٌ واقعي؛ فقد تورط بالقصيدة منذ عرفته الثقافة؛ أي حين خرج من رداء المجتمع الواقعي ودخل في خيمة النابغة. ولم تكن خيمة النابغة بعيدة عنه، فهو ابن مكة المكرمة، وعلى مد البصر هناك «سوق عكاظ» يستنشق محمد هواءه، وفُتن به وبذاكرة الشعر وخيمة القصيد. وحين شبّ شرع بكتابة الشعر حيث بدأ مع صيغة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، ولكنه في بدايات الشعر حيث حضرت القصيدة الرومانسية عبره، ولم يبلغ بعد شعر القصيدة الحداثية، ثم اقتحم النص الحداثي، وكانت قصيدته «التضاريس» مغامرة شعرية كبرى أحرقت تجاربه السابقة في ديوانه «تهجيت حلماً تهجيت وهماً»، فقد كره هذا الديوان.

وفي أول لقاء لي معه عام 1984 بعد عودتي من رحلتي العلمية في أميركا ومعي «الخطيئة والتكفير» الذي مثل لي تحولاً جذرياً أولياً تبعه تحولاتٌ كثرٌ؛ في ذلك اللقاء نطقت عنوان ديوانه الأول من باب كسر جهامة اللقاء الأول، فرد عليّ وكأنه يتبرأ من الديوان ذاك ويتعالى عليه، مما جعله يقفز قفزة عملاقة خارج سلطة ذاك الديوان. وتم نشر ديوانه «التضاريس» في «النادي الأدبي» حاملاً قصيدته تلك، وهي النص الذي ظل يحتل أمسياته الشعرية رغم طوله؛ لأنه كان يرى أن القصيدة تلك مطلوبةٌ ومتوقعةٌ من أي جمهور يقف أمامه. وفي ليلة من ليالي الشعر الحداثي التدشينية التي ضمت أربعة شعراء حداثيين عام 1985 في «النادي الأدبي» بجدة، وحضرها معظم أدباء المملكة من كافة مدنهم، خاصة جيل الحداثة حينذاك، وكان محمد الثبيتي في صدارتها، وكنت رئيس تلك الجلسة، وعن يساري الشعراء، وأولهم الثبيتي، حضرت قصيدة «التضاريس» وطوّقت كل أركان القاعة المكتظة بالحضور، من جمهور حداثي جاء مؤازراً للحداثة، وجمهورٍ آخر معارضٍ وناقمٍ على الحداثة. وكانت الجلسة في عهدتي ليلتها، وبذلت جهداً استثنائياً لحماية الأمسية من الانهيار بما أن الأجواء متوترة، وهناك من جاء بنية إفساد الجلسة، ولكني استخدمت كل ما في خيالي من حيل احتلت بها لتمرير الجلسة دون مشاكل، وتم ذلك رغم كل التوترات، وأصبحت تلك الليلة ليلة فارقة في مسار الحداثة الشعرية، ولم يماثلها إلا ليلةٌ أخرى بفارق خمس سنوات في النادي نفسه حيث تم إجهاض حفل تكريم محمد الثبيتي وتتويجه بجائزة النادي على ديوانه إياه (التضاريس)، وقد فاز بجائزة النادي متغلباً على كل المتسابقين، وهذا أول فوز تفوز به قصيدةٌ حداثية، ولكنّ حشوداً حاصرت النادي ومنعت تسليم الجائزة، وتم ليلتها تهريب الثبيتي من الباب الخلفي للنادي حفاظاً على سلامته التي كانت معرضة لاعتداء من جمهورٍ متوترٍ ومتربصٍ بالنادي، وبتلك الليلة، وبالثبيتي شخصياً.

ومرت تلك الليلة ليس بسلام، وإنما بجرح عميق في ذاكرة الثقافة. أما هو فقد خرج من باب النادي الخلفي تحت ستر الظلام ليدخل الزمن من فوق شمس القصيدة، ولكنه عاش جو القصيدة بطريقته المبتكرة، وهي حال حمزة شحاتة. والشحاتية هنا ستتجسد في الثبيتي، الذي سار دون تقصّد منه مسار حمزة شحاتة؛ فكره الوظيفة كما كرهها حمزة شحاتة. وفرق بين الوظيفة والقصيدة، وقد اعتد الثبيتي بهذا الفارق كما فعل شحاتة، فتحول من معلم براتبٍ مجزٍ إلى موظف براتب أقل؛ لأن عمل الموظف أقل شروطاً من عمل المدرس. وترتب على ذلك أن ينتقل من مكة إلى الرياض بعد أن ترقى وظيفياً إلى مرتبة أعلى في الرياض، وهنا دخل في إشكال عملي بأن يترك أهله وبيته في مكة ليعيش في فندق في الرياض، وهذا ليس عبئاً مادياً فحسب، بل عبء نفسي كذلك بفرقة الأهل والولد. وفاتحني في هذه الحالة لعل لديّ حلاً لها، وقد وجدت الحل عند الدكتور ناصر الموسى الذي علم مني بوجود الثبيتي تحت إدارته، وعلم برغبته في العودة إلى مكة، ولكن النظام لا يسمح بذلك إلا بعد مرور سنة في عمله الذي ترقى إليه. وهنا تصرف الدكتور الموسى بتصرفٍ كريمٍ، وبتقدير خاص للشاعر؛ فأصدر قراراً بتكليف هذا الموظف بالعمل في مكتبة الوزارة في مكة. وهنا أحال الثبيتي للكتب والعيش مع الكتب، ولكنه عيشٌ مقيد يقيد طائر القصيدة، كما كانت حال شحاتة حين استقال من عمله وتفرغ لوظيفته الخاصة بالعيش حياة القصيدة، ومثله الثبيتي؛ إذ ضحّى بنصف راتبه لكي يتقاعد تقاعداً يسمى بالتقاعد المبكر حسب مصطلح النظام الوظيفي، وعاش بنصف الراتب، ولكن براتبٍ مضاعفٍ حسب شرط الشعر والكلمات والمعاني، كما هو جو حمزة شحاتة. ولم يطل به العمر ليمضي إلى ربه، ويترك لنا شعره ونموذجية الغرائبي الذي يستعيد حمزة شحاتة، ومن قبل كان المعري الذي حبس نفسه في محبسين. وهذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة، ويعيش حياة القصيدة، ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة بما أنهم «قصيدة».

وفي كل مرة قابلت فيها محمد الثبيتي كان يبدو حيياً وهادئاً، لكني كنت أرى في داخله بركاناً قابلاً للانفجار في أي لحظة، لكنه ينفجر بالحمم الشعرية، وينفجر شعراً، مما يعني أني لم أكن أراه بشخصه، وإنما كنت أرى القصيدة التي تختمر فيه وترعد لتمطر.

وهكذا مرّ الثبيتي على الحياة مرور المعنى الشعري بمزاياه المجازية في التحول والانزياح؛ أي إنه كائنٌ مجازي لا يقر ولا يسكن إلا بإيقاعه المختلف، لكنه كان راضياً باختلافه وعاشقاً لتحولاته. ومن هنا كان يبدو الهدوء الظاهري في كلماته وسمته، غير أنه ما إن يشرع في إلقاء قصيدته حتى يتفجر صوته ويملأ القاعة، لدرجة أن مكبر الصوت تعطل مرة في قاعة النادي، واضطررنا لتوقيف الإلقاء من أجل معالجة الخلل الصوتي، لكن محمد طلب الاستمرار في الإلقاء؛ لأنه لم يقبل أن يهين قصيدته بقطعها. وكان حماسه في الإلقاء والتماهي مع القصيدة يغني عن كل وسائط الأجهزة الصناعية؛ فالقصيدة أعلى صوتاً، وكأنه صنّاجة العرب القديم يعود، ولكن في ثياب قصيدة حداثية، وفي سيرة مجاز شعري تتحد فيه صورته بين بشريته وشعريته. وهكذا كان الثبيتي كما كان شحاتة بوصفهما كائنين مجازيين ونموذجين متميزين بسلوكهما كما بمنتجهما.

وبقي أن أشير هنا إلى معلومة سبق أن ذكرتها في كتابي «الخطيئة والتكفير» عن حمزة شحاتة، وهي أن في ملفه الوظيفي نجد عدد خطابات الاستقالة يفوق عدد خطابات التعيين، ومثله الثبيتي الذي ظل يتخلص من الوظيفة واحدة تلو أخرى.

وهذه صيغة علاقتهما المتوترة ما بين شروط المعاش وشروط الحالة المجازية. وكلاهما فرّ من الوظيفة إلى القصيدة، ومن الواقعي إلى المجازي. هذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة ويعيش حياة القصيدة... ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة.


موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت
TT

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً، لأن هذا الناقد ليس بعيداً عن تشكيل هوية المشهد الثقافي الذي تقوض كثير من أبنيته وأطروحاته ومرجعياته، حتى يبدو الحديث عن «موت الناقد» مسوغاً ومقبولاً في التداول.

ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، الصادر في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، يثير أسئلة مفتوحة عن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا الموت، مقابل الدعوة إلى حضور القارئ الذي سيملأ فراغات النصّ، بوصفه البديل الأكثر حيوية في تمثيل صانع القوة المعرفية الجديد، أو بوصفه القارئ الفائق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جرّ القراءة إلى رهانات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نيتشه ورولان بارت وفوكو، وأخيراً رونان ماكدونالد الذي ربط موت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي».

التصريح بموت الناقد لا يعني الحديث عن غيابه، بقدر ما يعني الحديث عن أزمة مساءلة الخطاب النقدي، على المستوى الأكاديمي أو المنهجي، حتى المستوى الآيديولوجي، لأن الناقد سيظل شخصية مشاغبة، في سياق وظيفته، أو في سياق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخرى لمواجهة ما يخفيه المؤلف، خوفاً أو تورية، أو مكراً، وهذا ما يدفع الناقد لأن يكون «خبيثاً» أو فضائحياً، عبر جرّ النص إلى التأويل، وهي محاولة في الذهاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفاً قد يتقاطع مع المؤلف الآيديولوجي، ومع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية.

الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الحديث عن شبح يمكن استئجاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مضادة، أو يمارس نوعاً من الاستبداد النقدي، بقدر ما يحضر كون القارئ الفاعل، الذي يدرك أن لعبة القراءة مفتوحة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً عبر صناعة نصٍ موازٍ، أو عبر ما تقيمه من حوار مع المؤلف، الحوار الذي يشبه «العصف الذهني» المهيج لحوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخل مجتمع القراءة، لذا لا أحسب أن هذا الناقد سيمارس وظيفة «احتكار المعنى» أو أدلجته، بقدر ما سيكون أركيولوجيّاً يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيداً عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيديولوجيا، وأحسب أن كثيراً من المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عن ذات المؤلف، أو من مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية.

السرد وغواية الناقد

القاصة الكبيرة لطفية الدليمي من أكثر الكتّاب الذين انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها السردي، الذي استغرق عوالم غامرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مع واقع غرائبي، ومع تحولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فهي لم تكن ساردة جندرية، بقدر ما أنها جعلت قصصها ورواياتها أسئلة فضاءات مفتوحة للقراءة والترميز النفسي والإنثربولوجي، ولا سيما ما يتعلق بشخصية البطل الثقافي - الرجل والمرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الحرية والحب والسلطة والعنف، وهناك من جعل من سردياتها وثائق لمقاربة «صدمة العراق السياسي» عبر شخصيات جعلت منها الدليمي أقنعة اغترابها، وتعقيدات مأزقها الوجودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى.

هذه الكشوفات ليست بعيدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئاً استثنائياً، الذي وجد في سرديات الدليمي، مرجعاً لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض التاريخ عبر السرد، وربما للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيراً ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بالتحوط والتحول إلى كائن مهووس بالأحكام، أو ربما بتأويلات يخشى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة.

عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلاً لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمن النص أصبح مكتفياً بذاته، وسلطة القارئ تعمد إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك المعرفي، وممارسة وظيفة سدّ الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع.

أحسب أن هذه المفارقة الوظيفية لا تعني تبادل أدوار، ولا خرقاً لبداهات جعلتها الواقعية النقدية جزءاً من مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعادت التموضع على وفق تحول القارئ، بوصفه ناقداً، لأن هذا القارئ ليس هامشياً، وحيازته لأدوات القارئ المعرفي تعني أيضاً تبديلاً في عنوانه الإجرائي، وأنه سيكون مشاركاً، ليس في صياغة أخرى للاستبداد النقدي، بل في أن يكون المشارك والمؤوِل الذي يجعل من النص مفتوحاً على قراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مع تجدد تلك القراءات، عبر تعدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتماً بالكشوفات الجديدة، ما سيعزز من فاعلية القراءة، بعيداً عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي.

إن تغيّر النصوص، وتنوع اشتغالاتها، وتعدد قراءاتها، وانفتاح سرودها على زمن متشظٍ، لا يبرر عزل الناقد، أو الدعوة إلى إماتته، بقدر ما يعني دعوته لتجديد أدواته، وإلى التخلّص من ذاكرة «الناقد الانطباعي» و«الناقد الآيديولوجي» و«الناقد المسلكي» والانهمام بصياغة «قواعد اشتباك» فاعلة، وحيوية تتسق مع سرعة تشكل وتغاير الأفكار والمناهج، حيث تكون «ديمقراطية التأويل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومنافسة المؤلف على حيازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد.

ما طرحه رولان بارت عن «موت المؤلف» لا يعني سوى موت المؤلف الآيديولوجي الذي صنعه اليسار التقليدي الستاليني، وأن موته يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية ترياقاً للخصب والقوة والاكتفاء، ولأن هذا الموت البنيوي كان خدعة، فإنه سرعان ما تخلى عنه مؤسِّسوه الذين جعلوا من «ما بعد البنيوي» مجالاً لصياغة مفاهيم مضادة، تخصّ الفردانية، و«ما بعد حداثية»، والعودة إلى الكائن المراقب، والعيادي، وصانع الأساطير الصغيرة.

الناقد قد يكون شبيهاً بكائن ميشيل فوكو، الذي يجد هوساً بالرقابة، وبأن النص الذي يكتبه مجالٌ عيادي يحتاج دائماً إلى المشفى، وإلى الجراح كنظير لاستدعاء القارئ والمؤول والباحث الحرّ الذي يجعل من القراءة، أو من القراءات، ممارسة في الحثِّ على التوليد والإغواء والإثارة، وإلى إعادة النظر بسلطة المؤلف ذاته.

موت الناقد... موت القارئ

أجد في هذه الثنائية تلازماً في تغويل إشاعة فكرة الموت الرمزي، وفي زحزحة وظائفهما، لأن موت الناقد أو عزله سيكون باعثاً على موت القارئ الذي يتقنع به، وعلى تجريد النص من مريديه، وتحويل المؤلف إلى كائن مستبد، يروّج لتفوقه، ولسلطته بعيداً عن شغف اللذة التي تستدعي الآخرين إلى ما يحمله النص من إيحاءات، أو من انساق مضمرة، أو من رثاثة لن تكون بعيدة عن المؤلف الذي يرى نفسه وحيداً في المرآة المقعرة، أو المنحنية.

الناقد العمومي ناقد صنعته الصحافة والموضة وأنظمة الاتصال، لكن الناقد المتخصص هو الناقد الذي صنعته «الأكاديميات»، والذي يملك منهجية وفاعلية التجاوز، ويمنح خطابه قوة للتعالي، وللكشف. وأحسب أن من كشف بودلير في «حداثته» وفي نظرته للنص العابر هم النقاد الفاعلون، ومن كشف نيتشه وخرقه الفلسفي هم النقاد الذين خرجوا من زمنه إلى زمن نصوصه، حتى كافكا الذي تحول إلى ساحر سردي كان جزءاً من لعبة النقاد الذين قرأوا نصوصه الغريبة بعد رحيله، بعد أن اتسعت مساحة قراءتها لنقاد آخرين أكثر وعياً بما تحمله من جدة وحساسية وخرق للمألوف السردي.

ما طرحه رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» يعيد طرح السؤال حول هوية الناقد، وحول الوعي والصلاحية التي يمكن لهذا الناقد أن يملكها بوصفه قارئاً متعالياً، وليس بوصفه حارساً أو صاحب دكان، بل بوصفه عارفاً بالمقروء، وكاشفاً عن المخبوء، وفاعلاً في تحويل القراءة إلى خطاب مجاور، وإلى دليل يعزز من كشوفات النص، ومن محمولاته المعرفية والجمالية حتى القبحية، كما يقول أصحاب النقد الثقافي.

التسمية لا تهم في هذا السياق، لأنها قد تكون مخادعة، فـ«المشغّل» هو الناقد، و«القارئ العمدة» هو الناقد، ومشغله النقدي لن يكون بعيداً عن النص ومرجعياته، وعن إحالاته التي يتحول الدرس والحفر فيها إلى اجتهاد ثقافي معرفي، له قاموسه ومنهجه، وله أدواته التي تجعله فاعلاً في إثراء النص وفي تأهليه للقراءة الفاعلة.


جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
TT

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

وضمت القائمة القصيرة: أماني سليمان داوود عن مجموعتها القصصية «جبل الجليد» (الأردن)، الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وشيرين فتحي «عازف التشيلّو» (مصر)، ومحمود الرحبي «لا بارَ في شيكاغو» (عُمان)، «دار الشروق»، وندى الشهراني «قلب مُنقَّط» (قطر)، «دار جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وهيثم حسين «حين يمشي الجبل» (سوريا - بريطانيا)، «منشورات رامينا».

وأطلقت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، على الدورة الثامنة، اسم: دورة الأديب الكويتي فاضل خلف، أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955.

وقالت جائزة «الملتقى»، في بيان: «يواصل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (في الكويت)، أنشطته احتفاءً بالكويت عاصمةً للثقافة العربية والإعلام العربي لعام 2025، وفي تعاون مشترك بين المجلس الوطني وجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورتها الثامنة 2026 - 2025، فإنّ المجلس الوطني سوف يحتضن في مكتبة الكويت الوطنية احتفالية الجائزة في الكويت بداية الشهر المقبل».

المجموعات القصصية المؤهلة للقائمة القصيرة (الشرق الأوسط)

وأضافت أن لجنة تحكيم الجائزة ستجتمع لاختيار الفائز لهذه الدورة، واللجنة برئاسة الدكتور: محمد الشحّات، وعضوية كل من: الدكتور عبد الرحمن التمارة، والدكتورة عائشة الدرمكي، وسميحة خريس، وإستبرق أحمد.

وقد تم فتح باب الترشّح للدورة الثامنة بتاريخ الأول من مايو (أيار) حتى نهاية يونيو (حزيران) 2025. وبعد فرز الأعمال المتقدِّمة، وتحديد الأعمال المستوفاة لشروط الترشّح، تبيَّن أن العدد الإجمالي للمترشِّحين لهذه الدورة هو 231 مترشّحاً من جميع الأقطار العربية والعالم، من 28 بلداً.

وقالت الجائزة إن لجنة التحكيم وضعت جُملة من المعايير الإبداعية والنقدية الدقيقة شملت: «تحديد الثيمة، وتشمل: الجِدّة في التناول، وزاوية الرؤية، وحضور الخيال، ودقة العناوين. وتوظيف اللغة، بما يشمل: التجريب اللغوي، وانتقاء المفردات أو بناء الجملة السردية أو الأسلوب. وجماليات البنية السردية (الحبكة)، وتشمل: بناء الشخصية، والحدث، والزمكان، ومناسبة اللغة مع تقنيات السرد أو الحوار. ومنظومة القيم العُليا (الحق والخير والجمال)، وتشمل: الأبعاد الرمزية في القصص، وحُسن توظيفها لخدمة الرؤية الجمالية.

وكذلك الرؤية الجمالية والثقافية، وتشمل: تمثيلات القصص لقضايا الإنسان (العربي) المعاصر، وروح العصر، ومتغيِّرات الواقع المعيش. ومدى الإضافة النوعية للقصة القصيرة العربية، سواء في انتقاء الموضوعات أو الأساليب الفنية أو طرائق السرد والحوار».

وستُصدِر الاحتفالية كتاباً تذكاريّاً بعنوان «مُختارات من القصّ العربي»، إضافةً إلى مجموعة «أحلام الشباب» للكاتب الراحل فاضل خلف، وبمقدّمة من الدكتور سليمان الشطي، وكتاب تذكاري عن الأديب فاضل خلف.

الأديب طالب الرفاعي مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة (الشرق الأوسط)

وفي كلمة للأديب طالب الرفاعي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة، أشار إلى اعتزاز الجائزة بالشراكة المتينة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعبَّر عن سعادته بأن تبقى دولة الكويت، ممثّلة بجائزة الملتقى، مكاناً مضيئاً للقصة القصيرة العربية، وأنها ما زالت منذ عشر سنوات تقدّم سنوياً أسماء لقصاصين مبدعين يقدّمون أعمالهم القصصية للوطن العربي عبر الترجمات إلى مختلف اللغات العالمية.