فوضى سياسية بريطانية بعد الاستفتاء.. «انقلاب» عمالي وبوادر انفصال اسكوتلندي

كوربن يواجه مذكرة حجب الثقة وستورجن ترجّح إعاقة الخروج عبر «فيتو برلماني»

بريطانيون يرتدون أعلام المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وهم يعبرون جسر وستمنستر أمس في لندن (أ.ف.ب) - رئيسة الوزراء الاسكو تلندية نيكولا ستورجن تقود اجتماعا وزاريا طارئا أول من أمس في إدنبرة
بريطانيون يرتدون أعلام المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وهم يعبرون جسر وستمنستر أمس في لندن (أ.ف.ب) - رئيسة الوزراء الاسكو تلندية نيكولا ستورجن تقود اجتماعا وزاريا طارئا أول من أمس في إدنبرة
TT

فوضى سياسية بريطانية بعد الاستفتاء.. «انقلاب» عمالي وبوادر انفصال اسكوتلندي

بريطانيون يرتدون أعلام المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وهم يعبرون جسر وستمنستر أمس في لندن (أ.ف.ب) - رئيسة الوزراء الاسكو تلندية نيكولا ستورجن تقود اجتماعا وزاريا طارئا أول من أمس في إدنبرة
بريطانيون يرتدون أعلام المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وهم يعبرون جسر وستمنستر أمس في لندن (أ.ف.ب) - رئيسة الوزراء الاسكو تلندية نيكولا ستورجن تقود اجتماعا وزاريا طارئا أول من أمس في إدنبرة

عصف تأييد البريطانيين لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي برئاسة الوزراء وتماسك حزب المحافظين في اليوم الأول من الإعلان عن النتائج، فيما أعاد إلى الواجهة التصدعات القومية الداخلية مع اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية في اليوم الثاني. أما التداعيات المباشرة لليوم الثالث من الإعلان عن أول طلاق أوروبي في تاريخ الاتحاد، فكانت من نصيب جيرمي كوربن، زعيم حزب العمال، الذي ينظّم أعضاء حزبه مؤامرة للإطاحة به قبل نهاية الأسبوع.
وسحب ثمانية أعضاء من حزب العمال البريطاني المعارض تأييدهم لزعامة جيرمي كوربن، فيما وصفه مراقبون بـ«انقلاب عمالي» على كوربن الذي عزل هيلاري بن من منصبه كوزير للخارجية في حكومة الظل العمالية، بعد أن قال الأخير في تصريحات صحافية إنه «فقد ثقته في قيادة الحزب». في المقابل، سحبت غلوريا دي بييرو وزيرة الظل للشباب، وهيدي ألكسندر وزيرة الصحة، ولوسي باول وزيرة الظل للتعليم، وإيان موراي وزير الظل الاسكوتلندي، ووزيرة المالية سيما مالهوترا تأييدهم لكوربن واستقالوا من حكومة الظل. كما أكّدت قناة «سكاي نيوز» استقالة وزيرة النقل في حكومة الظل ليليان غرينوود، ووزيرة البيئة كيري مكارثي، احتجاجا على قيادة كوربن للحزب.
وكتبت ألكسندر لرئيس الحزب جيرمي كوربن، بحسب رسالة نشرتها على موقعها في «تويتر»: «بقلب يملؤه الحزن، أكتب إليك معلنة استقالتي». وأضافت أن «الذين سيتأثرون بالصدمة الاقتصادية الناجمة عن الخروج من الاتحاد الأوروبي، يحتاجون إلى معارضة قوية، على غرار الذين يتخوفون من تنامي التعصب والكراهية والانقسام». وأوضحت هايدي ألكسندر «أحترمك بصفتك شخصا.. لكني أعتقد أننا نحتاج إلى تغيير زعيم حزبنا إذا أردنا الوصول إلى الحكم في المرة (الانتخابات العامة) المقبلة».
وتضاف هذه الاستقالة إلى الإعلان عن قرار جيرمي كوربن إقالة مسؤول آخر في الحزب، هو هيلاري بن.
وذكرت «بي بي سي» أن كوربن أقال هيلاري بن، وزير الخارجية في حكومة الظل العمالية، بعدما قام بحضّ أعضاء في الحزب على الاستقالة في حال رفض كوربن التّنحي عن منصبه. وقال متحدّث باسم الحزب إن كوربن «فقد ثقته» في بن، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية.
بدورها، قالت وزيرة التنمية الدولية في حكومة الظل دايان أبوت إن «الانقلاب على جيرمي كوربن ليس نتيجة الاستفتاء، بل إنه كان منظما منذ أشهر لأن قيادات الحزب لم تقبل نتيجة الانتخابات الأخيرة»، وانتقدت أبوت النواب العماليين لاستغلالهم هذا الوقت العصيب للانقلاب على زعيمهم. وعما إذا كان كوربن سيخضع للضغوط ويقدم استقالته، قالت أبوت إنه يجب أن يقاوم ذلك.. وإن كان النواب مصرين على إقالته، فالطريق الديمقراطي لتحقيق ذلك يمر عبر انتخابات داخلية جديدة ومقنّنة.
وكان كوربن انضم إلى رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون للدعوة إلى بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، غير أن معسكر الخروج من الكتلة الأوروبية فاز بنسبة 51.9 في المائة في استفتاء الخميس. واستقال كاميرون في الساعات الأولى بعد إعلان النتيجة الجمعة، على أن يغادر منصبه في أكتوبر (تشرين الأول).
ومن المتوقّع أن تقدّم نائبتان عماليتان اليوم مذكّرة بحجب الثقة عن كوربن، في خطوة تعكس غضب الكثير من البرلمانيين الذين يتهمون زعيم حزب العمال بعدم بذل جهود كافية في الحملة لإبقاء البلاد في صفوف الاتحاد الأوروبي. ويلوم هؤلاء كوربن خصوصا على فشله في إقناع قاعدة الحزب الانتخابية بطرحه، حيث صوّت أكثر من ثلث الناخبين العماليين (37 في المائة) مع الخروج، مخالفين بذلك خط الحزب.
وبعد إقصاء بن، أعربت النائبة العمالية روبرتا بلاكمان - وودز عن خيبة أملها، وكتبت على موقع «تويتر» أنه «على حكومة الظل العمالية الآن أن تتحرك لإنقاذ الحزب ومن أجل مصلحة البلاد، وإلا فلن يغفر لنا أبدا».
وردّ كوربن على ذلك مؤكّدا أنه لا يخشى مذكرة بحجب الثقة، لكن الانتقادات الموجهة إليه ستكون في صلب اجتماع يعقده حزب العمال اليوم.
على صعيد متّصل، هزّت رئيسة وزراء اسكوتلندا، نيكولا ستورجن، أمس أروقة «وستمنستر» بتصريحات نارية هدّدت وحدة المملكة المتّحدة، بقولها إن «المملكة المتحدة التي صوتت اسكوتلندا في 2014 للبقاء فيها لم تعد موجودة». وأشارت ستورجن إلى أن البرلمان الاسكوتلندي سيبحث رفض التشريع بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: «إذا كان ذلك ضروريا لحماية مصالح الاسكوتلنديين».
وصوّتت اسكوتلندا التي يقطنها خمسة ملايين شخص لصالح البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، بنسبة 62 في المائة في الاستفتاء الذي أجري الخميس، ما وضعها على خلاف مع بريطانيا ككل التي صوتت بنسبة 52 في المائة لصالح الخروج من الاتحاد مقابل 48 في المائة للبقاء بداخله.
وبموجب ترتيبات بريطانيا المعقدة لنقل بعض السلطات لاسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية، فإن التشريع الذي يصدر في لندن لتفعيل التصويت على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيكون بحاجة لموافقة البرلمانات الثلاثة.
وردّت ستورجن في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عما إذا كانت تدرس مطالبة البرلمان الاسكوتلندي بإعاقة صدور القانون، قائلة: «بالطبع». وأضافت أنه «إذا كان البرلمان الاسكوتلندي يحكم على أساس ما هو في صالح اسكوتلندا، فإن خيار القول إننا لن نصوت لصالح شيء يتعارض مع مصالح اسكوتلندا بالطبع سيكون مطروحا على الطاولة». وتابعت: «لا تفهمونني بشكل خاطئ. يعنيني أمر بقية بريطانيا وتعنيني إنجلترا، لذلك أنا غاضبة للغاية من القرار الذي اتخذ على مستوى بريطانيا. لكن مهمتي كرئيس وزراء ومهمة البرلمان الاسكوتلندي هو الحكم على هذه الأمور، على أساس ما يحقق مصلحة شعب اسكوتلندا».
وقالت ستورجن، التي تتزعم حزبا ينشد استقلال اسكوتلندا عن بريطانيا وبقاءها داخل الاتحاد الأوروبي، مرارا منذ إعلان نتائج الاستفتاء إنها ستتخذ كل الخطوات المطلوبة لضمان احترام الإرادة الديمقراطية لاسكوتلندا. وأوضحت أن ذلك يعني أن استفتاء جديدا على استقلال اسكوتلندا أصبح «مرجّحا للغاية» الآن، لافتة إلى أن الانفصال عن بريطانيا قد يكون السبيل الوحيد لبقاء اسكوتلندا داخل الاتحاد الأوروبي.
وصوت الاسكوتلنديون ضد الانفصال عن المملكة المتحدة في استفتاء عام 2014. وأيّد الاستقلال 45 في المائة من الناخبين، في حين رفضه 55 في المائة بعد حملة استخدم فيها البقاء في الاتحاد الأوروبي كعامل جذب أساسي للبقاء داخل بريطانيا.
أما في معسكر الحزب الحاكم، فازدادت التكهنات أمس في الأوساط الإعلامية حول هوية رئيس الوزراء الجديد الذي سيتزعّم حزب المحافظين خلفا لديفيد كاميرون. ومن المتوقّع أن يتنحّى كاميرون رسميا عن منصبه قبل مؤتمر الحزب في أكتوبر المقبل، ويبدو أن أبرز المرشحين لخلافته حاليا هم عمدة لندن السابق بوريس جونسون، ووزيرة الداخلية تيريزا ماي، وووزير العدل مايكل غوف. وفيما لا يزال الوقت مبكرا للغاية للتنبؤ بهوية رئيس الوزراء البريطاني الجديد، إلا أن الحزب يسعى إلى تقديم أكثر المرشحين إرضاء للناخبين الذين لن يصوتوا على رئيس وزرائهم الجديد، وللقيادات السياسية التقليدية.



لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.


الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
TT

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)

تُجمع أحدث القراءات التحليلية والتقارير الحكومية في الجزائر على أن الدولة تواجه «منعطفاً أمنياً غير مسبوق»؛ جراء الوضع المتفجر في مالي؛ وهو واقعٌ يفرض بالضرورة صياغة مقاربة شاملة، تتجاوز الحلول العسكرية الصرفة لتشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية.

عساكر ماليون في الميدان لمواجهة تحالف المتطرفين مع المعارضة (باماكو بامادا)

شهد شهر أبريل (نيسان) 2026، وتحديداً يوم 25 منه، تصعيداً خطيراً في مالي، تمثل في هجمات منسقة قادها متطرفون إسلاميون ومعارضون طوارق، استهدفت مراكز حيوية ومواقع عسكرية تابعة للجيش المالي وحلفائه، واتسمت لاحقاً بتوسع رقعة الاشتباكات، وانتقال الثقل العسكري من أقصى الشمال نحو مناطق في الوسط وبالقرب من العاصمة باماكو. كما طرد المهاجمون القوات الروسية؛ التي تدعم القوات الحكومية، من بلدة كيدال الاستراتيجية بالشمال.

مشكلة في الفناء الخلفي

بالنسبة إلى الجزائر، لا تعدّ الأزمة المالية شأناً بعيداً؛ فهي تدور في الفناء الخلفي لحدودها الجنوبية، وفي فضاء هش يعاني منذ عشرات السنين من التهريب، والهجرة غير الشرعية، وتدفق السلاح. لذا؛ تتابع الجزائر هذه التطورات بحذر بالغ؛ خصوصاً أن خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب علّمتها أن أي أزمة تُترَك «لتتخمر»، فستنتهي حتماً بالانفجار وتجاوز الحدود، وفق ما جاء في تقارير حكومية جزائرية بشأن الأزمة المالية.

مسلحون من المعارضة «الطرقية» بمنطقة كيدال شمال مالي (أزواد نيوز)

بهذا الخصوص، يقول الخبير الجزائري في الشؤون السياسية، الكاتب الصحافي بشير جعيدر، إن 3 تهديدات رئيسية مرتبطة بالوضع في مالي وارتداداته بالمنطقة والجزائر، تلوح في الأفق: الأول «العدوى الأمنية»؛ ذلك أن أي زعزعة استقرار مستدامة في شمال مالي، الحدودي مع الجزائر، ترفع من خطر تحول المنطقة إلى «ملاذات مسلحة متنقلة»، قادرة على التمدد نحو النيجر، وموريتانيا وليبيا، وبالتبعية نحو الجزائر. كما يشير أيضاً إلى «التدفقات البشرية والإجرامية»، إذ نادراً ما تقتصر أزمات الساحل على نوع واحد من النزوح؛ «فمع اللاجئين المدنيين، قد يتسلل المهربون، وتجار البشر، وعناصر مسلحة تسعى لإعادة الانتشار»... وهذا هو التهديد الثاني في نظره، كما تتضمنه التقارير الحكومية نفسها، على سبيل أن احتمال مواجهته يحدده مدى تسارع التطورات في الميدان.

عناصر من حركة «أزواد الطرقية» المعارضة (أزواد نيوز)

ومن التهديدات المطروحة، حسب جعيدر، «التنافس الجيوسياسي»... ففي تقديره، «أصبح الساحل ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية، أبرزها: روسيا، والغرب، وتركيا، والفاعلون غير الحكوميين. وكل فراغ سياسي يجذب رعاة جدداً، أو مصادر تهديد جديدة».

مواجهة الأزمة بدم بارد

في هذا السياق، تملك الجزائر أوراقاً رابحة، وفق الخبير السياسي نفسه: «تجربة في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية مشهود لها في الساحل، ومعرفة دقيقة بالتوازنات القبلية والتشعبات العرقية في المنطقة، وقدرة على الوساطة. ورغم أنها لا تستطيع الحلول محل الدولة المالية، أو فرض حل بمفردها، فإنها قادرة على منع السيناريو الأسوأ، وذلك من خلال دعم حل سياسي شامل بين باماكو ومكونات الشمال، وتعزيز التعاون الإقليمي لتأمين الحدود، ومنع أي تدويل فوضوي للصراع، وترقية التنمية العابرة للحدود بوصفها ترياقاً ضد الاستقطاب المسلح».

الخبير السياسي بشير جعيدر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وأضاف جعيدر موضحاً أن ما يحدث في مالي «يذكرنا بحقيقة غالباً ما تُهمل: الإرهاب لا يزدهر على الدين بقدر ما يزدهر على الفراغ؛ فراغ الحوكمة، والفراغ الاجتماعي، والفراغ الاقتصادي، والفراغ الاستراتيجي. فحيثما انسحبت الدولة، تقدم الآخرون: الميليشيات، والمهربون، والدعاة المتطرفون، أو القوى الأجنبية».

وزير الثقافة سابقاً عبد العزيز رحابي (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ويقدم الوزير والسفير الجزائري السابق، عبد العزيز رحابي، قراءة للمشهد، قائلاً إن الأزمة في مالي «أدت إلى ازدياد عدد الأطراف الأجنبية على حدودنا مع منطقة الساحل، وحولت المنطقة ساحةَ مواجهة بين القوى العظمى... وهذه التدخلات المرخص بها، تجعل تسوية الأزمات أشد تعقيداً، كما هي الحال في ليبيا، حيث جرى تهميش الجزائر وتونس؛ الجارتين المباشرتين، في البحث عن تسوية للأزمة، لمصلحة عشرات الأطراف الأخرى».

وصرح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، للصحافة، الاثنين الماضي، بأن بلاده «تتعهد بدعم وحدة مالي؛ أرضاً وشعباً ومؤسسات»، مشدداً على رفضها «القاطع كل أشكال الإرهاب ومظاهره»، موضحاً أن «موقف الجزائر (حيال الأوضاع في مالي) ينبع من تجربتها المريرة مع آفة الإرهاب؛ إذ لا يمكن تبريرها، أو التسامح معها، تحت أي ظرف أو اسم»، داعياً إلى «ضرورة تعزيز الصف الداخلي في مالي الشقيقة، فذلك هو الرادع الحقيقي، والدرع المتين الكفيل بالتصدي للإرهاب وضمان النجاعة في مواجهته».

صراع النفوذ والحدود

تُشكّل الأحداث في مالي، وفق مصادر أمنية جزائرية، ما هو أبعد بكثير من مجرد حوادث أمنية عابرة؛ فهي «تعبر عن تحول عميق في أزمة منطقة الساحل، التي دخلت منذ الآن مرحلة جديدة. وتتجلى هذه المرحلة في مواجهة لم تعد تكتفي فيها الجماعات المسلحة بمهاجمة الدول من مناطقها المعزولة، والجيوب البعيدة، بل تسعى إلى إثبات قدرتها على تهديد المركز، وزعزعة استقرار السلطة، وفرض ميزان قوى على المستوى الوطني»، وفق المصادر نفسها.

مسلحون من تنظيم «أزواد الطرقي» (أزواد نيوز)

والمعروف أن علاقة الجزائر بالسلطة العسكرية في باماكو تدهورت بشكل مفاجئ في بداية 2024، إثر إعلان رئيس السلطة الانتقالية، العقيد عاصيمي غويتا، انسحابه من «اتفاق السلام» مع المعارضة الطوارقية الموقّع في الجزائر عام 2015. وعدت الجزائر هذه الخطوة موجهة ضدها، بوصفها الوسيط في الأزمة الداخلية، كما تترأس «اللجنة الدولية» المكلفة تنفيذ الاتفاق.

أحدث صورة للعقيد عاصيمي غويتا (باماكو بامادا)

وتصاعد الخلاف مع الجزائر في نهاية مارس (آذار) 2025، إثر تفجير سلاحها الجوي طائرةً مسيّرة مالية، كانت تتعقب تحركات المعارضة المسلحة بالحدود؛ مما خلف أزمة دبلوماسية حادة مع باماكو وجارتيها بوركينافاسو والنيجر، اللتين انحازتا إليها بحكم اشتراك البلدان الثلاثة في حلف سياسي وأمني، يطلَق عليه «تحالف دول الساحل».