أسرى فلسطينيون يسعون لاسترداد حياتهم العادية بعد سنوات في السجون الإسرائيلية

الأسير صلاح سارع بعد الإفراج عنه إلى الزواج واستثمار تعويض مالي من السلطة

الأسير الفلسطيني مقداد صلاح وزوجته كفاية أبو عمر خلال زفافهما بنابلس في نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)
الأسير الفلسطيني مقداد صلاح وزوجته كفاية أبو عمر خلال زفافهما بنابلس في نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

أسرى فلسطينيون يسعون لاسترداد حياتهم العادية بعد سنوات في السجون الإسرائيلية

الأسير الفلسطيني مقداد صلاح وزوجته كفاية أبو عمر خلال زفافهما بنابلس في نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)
الأسير الفلسطيني مقداد صلاح وزوجته كفاية أبو عمر خلال زفافهما بنابلس في نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)

مقداد صلاح، رجل يسابق الزمن، فكل شيء في حياته يتسم بالسرعة، فهو يتناول الطعام في عجل، ويتوقع من زوجته، كفاية، أن تعيد ترتيب الغرفة في وقت قصير للغاية، ورغم زواجهما في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، فإنه يلح عليها للبدء في اللجوء لأدوية الخصوبة.
يقول صلاح (47 عاما) واحد من بين أقدم 78 سجينا فلسطينيا أطلق سراحهم من السجون الإسرائيلية في إطار محادثات السلام التي رعتها الولايات المتحدة والتي بدأت الصيف الماضي: «أريد ابنا أو ابنة.. أريد وريثا يحمل اسمي». وأضاف: «لقد حلمت كثيرا بذلك في السجن، رأيت هذا المنزل والأطفال يلهون باللعب. هذا الحلم يرادوني بصورة متكررة حاليا. أنا لا أريد عشرة أطفال؛ اثنان فقط يكفيان. أريد أن أمنحهم ما بقي لدي من العمر».
انقضت سبعة أشهر على إطلاق سراح صلاح، الذي استقبلته قريته التي يقطنها نحو أربعة آلاف شخص، والقريبة من مدينة نابلس، المحور المالي للضفة الغربية، بعد قضائه 20 عاما في السجون الإسرائيلية إثر إدانته بقتل مواطن إسرائيلي، تينيبايوم، 72 عاما، أحد الناجين من المذبحة النازية وحارس الأمن في فندق على الساحل يقع على بعد 20 ميلا من مدينة ناتانيا، عندما ضربه على جانب رأسه بقضيب معدني.
لكن إطلاق سراح صلاح، بالنسبة لابنة تينيبايوم، استي هاريس، يعيد لها سنوات من الألم بشأن معاناة والدها. وتساءلت هاريس: «هل رأى شخصا يحوم حوله؟ وهل تألم في تلك اللحظة الفاصلة؟ هذه الأفكار تراودني كل ليلة قبل أن أنام، تجاه ذلك الرجل الذي قتل والدي».
وقد تحول السجناء من أمثال صلاح الذين يوصمون بـ«الإرهابيين» من قبل الإسرائيليين، وبـ«المقاتلين من أجل الحرية» من قبل الفلسطينيين، إلى حجر عثرة في طريق محادثات السلام المتعثرة، التي يتوقف استمرارها على إطلاق سراح المجموعة الرابعة خلال الأيام القليلة المقبلة.
وسط هذه النقاشات المشحونة، بدأ هؤلاء الأشخاص، وغالبيتهم في منتصف العمر وأدين 69 منهم بالقتل و54 منهم نجوا من أحكام بالسجن مدى الحياة، في إعادة بناء حياتهم مرة أخرى، فسعى كثير منهم للحصول على رخصة القيادة الأولى بالنسبة لهم، مستفيدين من المنحة التي حصلوا عليها من السلطة الفلسطينية، 50.000 دولار لتوفير سكن لهم أو بدء شركات خاصة، أو للبحث عن زوجة والشروع في بناء أسرة.
زادت بهجة صلاح عندما حصل على أكثر من 100.000 دولار، التي ادخرت من رواتبه الشهرية التي كانت تمنحها السلطة الفلسطينية لعائلات السجناء، وأعاد بناء وتأثيث منزل والدته، وأزال المنحدر الصخري في الفناء الخلفي وبنى حظيرة على مساحة 2400 قدم مربعة للماشية، واستثمر المبلغ الباقي بمتجر في نابلس خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفي الشهر الماضي اشترى أول سيارة له.
لكنه لا يزال يستيقظ في الخامسة صباحا، كما اعتاد في السجن، ويعد القهوة في الإبريق الكهربائي كذلك الذي اعتاد استخدامه في زنزانته. وقبل يوم من زفافه، تلقى صلاح وأحد إخوته تهديدات بالقتل عبر الهاتف من رجل قال إن اسمه موشيه، كان يتحدث العبرية.
وقال أخوه محمد: «قال لي: سوف أقتله وأقتل زوجته وأقتلك أنت وجميع عائلتك. وقال لي أنا أعلم محل سكنك، في برقة. وبرقة قريبة من سبسطية».
في صباح اليوم الذي أطلق فيه سراحه، قام صلاح بجولة حول منزله يشم فيها رائحة أشجار الخروب، ثم صعد أعلى سقيفة حظيرة الأغنام ليشاهد القرية التي تغيرت. وسرعان ما شرع إخوته في البحث عن زوجة له.
خلال عملية البحث عن زوجة المستقبل، شرب صلاح القهوة مع ابنة صديق له، لكنه أحس أنها خائفة، ثم التقى كفاية أبو عمر، التي كانت في سن الثلاثين، والتي لم تفلح خطبتها. ويتذكر محمد أخو صلاح: «قلت لها إن شقيقي قضى فترة طويلة في السجن، وإذا قبلتيه زوجا لك، فيجب عليك أن تفهمينه، فهو ينام كثيرا، وليس اجتماعيا مع الناس. وطلبت منها مساعدته في تجاوز هذه الحالة».
خلال الاحتفالات التي سبقت العرس والتي أقيمت في ميدان القرية، وقف العريس على المسرح مذهولا، كانت الهدايا النقدية تتقاطر عليه ومئات الأفراد من الرجال والأولاد يرقصون ويرددون شعارات التحرير. في اليوم التالي استخدم الزوجان سكينا طويلا لقطع الكعكة التي كانت تنطلق منها الألعاب النارية.
وكان على صلاح، كحال باقي السجناء المفرج عنهم، المتابعة لدى مسؤولي الأمن الإسرائيليين، في بداية كل أسبوعين، والآن كل شهرين. ويقول إنه يتوجه كل صباح إلى نابلس للهرب من أقاويل القرية، لقضاء الوقت في المتجر أو لارتشاف القهوة مع الشخصيات العامة.
ويحظر على صلاح السفر خارج برقة ونابلس لمدة عام أو أن يترك الضفة الغربية لعشر سنوات.
وقال وهو يجلس في غرفة الصالون بشقته أسفل صورة له مرتديا زيا عسكريا يحمل رتبة عميد شرفي: «أنا أشعر بالملل، أريد أن أسافر.. أريد أن أرى الناس وأستنشق الهواء.. أريد أن أمشي».
وشكا السجناء الثمانية والسبعون المفرج عنهم للسلطة الفلسطينية من أن المنح (50.000 دولار) والرواتب الشهرية (صلاح يحصل على 1800 دولار) ليست كافية لشراء شقة.
ويغطي تأمينهم الصحي التخصيب في المختبر، الذي تنوي زوجة صلاح الاستعانة به، لكنه لا يغطي تأمين الأسنان، وأخيرا شكا صلاح الذين يدخن علبتي سجائر يوميا من ألم في الصدر.
أعيد اعتقال سجين واحد، لفشله في دفع ضرائب العقارات؛ القضية التي حلت سريعا، وحضر عدد قليل منهم ورشات إعادة التأهيل للتأقلم مع المجتمع في وزارة السجناء.
وقال منقذ أبو عطوان، الذي يعمل في الوزارة: «نستقبلهم كأبطال وطنيين، ونمنحهم الجوائز والنياشين، ثم نتركهم ليواجهوا مشكلاتهم بمفردهم. هل تستطيع أن تقول لبطل إنك بحاجة إلى طبيب نفسي، أو إنك بحاجة إلى حضور برنامج إعادة التأهيل؟».
صلاح، هو الأخ الثالث بين ستة إخوة، كان الأفضل بين إخوته، فقد ورث أرضا إلى جانب راتبه سجينا.
يفكر صلاح في شراء سيارة تاكسي، لكنه وصف صعوبة العثور على سائق أمين، وقال إنه فكر في افتتاح مصنع للبلاستيك، أو مخبز، لكنه قلق بشأن المواد الكيماوية والصراصير. ولذا فقد استثمر نحو 70.000 دولار في الشركة، التي يقول إنها أدرت عليه في فبراير (شباط) الماضي 1700 دولار. أما الحظيرة التي بناها في الخلف، فكان الهدف منها تربية الدجاج، لكنه الآن يرى أن الأغنام ربما تكون أيسر. وأضاف: «عندما غادرت السجن، قلت لنفسي: لقد خسرت 20 عاما من حياتي، والاكتفاء بالراتب ليس بالفكرة السديدة. سوف يعيش أبنائي، إن قدر أن يكون لي أبناء، فقراء.. أنا أريدهم أن يعيشوا حياة أفضل من تلك التي أعيشها».

* خدمة «نيويورك تايمز»



نشطاء يعلنون اعتقال إسرائيل مصريَّين شاركا في «أسطول الصمود»

متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
TT

نشطاء يعلنون اعتقال إسرائيل مصريَّين شاركا في «أسطول الصمود»

متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)

أعلن نشطاء أن إسرائيل احتجزت مصريين اثنين - دبلوماسي سابق وطالب - كانا على متن أسطول مساعدات يتجه إلى قطاع غزة، معروف باسم «أسطول الصمود»، بعد أن تم اعتراضه في البحر قبالة سواحل قبرص.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد أعلنت، مساء الثلاثاء، احتجاز 430 ناشطاً كانوا على متن أسطول المساعدات المتجه إلى غزة، قبل اقتيادهم إلى ميناء أشدود.

وأبحرت سفن الأسطول، البالغ عددها نحو 50 سفينة، من جنوب غرب تركيا قبل نحو أسبوع متوجهة إلى غزة، وعلى متنها مساعدات إنسانية وإغاثية حيوية تشمل الغذاء والمياه والأدوية.

وأفاد متحدث باسم «الخارجية» الإسرائيلية بأنه «تم نقل جميع الناشطين البالغ عددهم 430 إلى سفن إسرائيلية، وهم في طريقهم إلى إسرائيل؛ حيث سيتمكنون من مقابلة ممثليهم القنصليين».

وتحدث «أسطول الصمود العالمي»، في أكثر من إفادة على منصاته الرقمية، عن «اعتراض القوات الإسرائيلية قواربه التي تبلغ نحو 50 قارباً»، وأشار إلى «اختطاف النشطاء والمتطوعين المشاركين في القافلة»، وطالب بـ«الإفراج السريع عن المحتجزين، وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة».

وتحدث نشطاء مصريون عن احتجاز دبلوماسي مصري سابق وناشط مصري، ضمن المتطوعين الذين احتجزتهم تل أبيب في «أسطول الصمود»، وتداولوا عبر منصاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً للدبلوماسي السابق محمد عليوة، والطالب كريم عوض، على متن قوارب الأسطول.

وأشار النشطاء إلى أن الدبلوماسي السابق محمد عليوة، سبق وشغل مناصب في «الخارجية» المصرية، من بينها قنصل مصر لدى الأردن.

ولم تصدر أي إفادة رسمية من مصر بشأن «موقف المحتجزين المصريين لدى إسرائيل»، وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع وزارة الخارجية المصرية، إلا أنه لم يتسنَّ الحصول على رد حتى كتابة التقرير.

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة حربية إسرائيلية كما يظهر من مدينة أشدود (رويترز)

وتداول موقع «أسطول الصمود»، فيديو للناشط كريم عوض، الثلاثاء، على متن أحد قوارب الأسطول، أشار فيه إلى أنه «ذاهب إلى غزة»، كما دعا فيه إلى «التعبئة في الشوارع لدعم الفلسطينيين».

وأشار والد الناشط المحتجز محمد فتوح عوض، في تدوينة على صفحته بموقع «فيسبوك»، الأربعاء، إلى أنه «تلقى اتصالات من وزارة الخارجية البريطانية، تفيد باحتجاز نجله ضمن الدفعة الأولى من المحتجزين، الذين وصلوا إلى ميناء أشدود الإسرائيلي»، وقال إن «هناك محامين حصلوا على تصاريح بالدخول إلى المحتجزين».

وانتقد والد الناشط المصري، الفيديوهات المتداولة لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وهو يعتدي على المحتجزين، وأشار إلى أن «مثل هذه الممارسات لن تمنع النشطاء من مواصلة دورهم في دعم غزة»، ونوه بـ«خروج مظاهرات في بولندا الأربعاء للاحتجاج على احتجاز تل أبيب للمشاركين في الأسطول».

وليس غريباً أن يشارك نشطاء مصريون في قافلة صمود لدعم غزة، حسب رأي رئيس الهيئة الدولية لدعم فلسطين صلاح عبد العاطي، الذي قال إن «الدعم المصري المستمر لغزة يتنوع ما بين إطاره السياسي والدبلوماسي والشعبي».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن احتجاز إسرائيل نشطاء «أسطول الصمود» يعد «جريمة قرصنة دولية، يجب أن تحاسب عليها دولياً»، وأشار إلى أن «الممارسات الإسرائيلية بحق نشطاء القافلة لن تقيد نشاطهم التضامني، بدليل زيادة عدد المشاركين في القافلة عما سبق».

ويُعد «أسطول الصمود العالمي» ثالث مبادرة خلال عام تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي يعاني من نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية والوقود، منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تطرق حديث رسمي مصري عن تضرر العلاقات مع تل أبيب، جراء سياساتها العدوانية بالمنطقة، بعد سلسلة انتقادات إسرائيلية في وسائل إعلام عبرية تجاه القاهرة وتسليحها ومواقفها، ما يعبر عن توتر في العلاقات مستمر منذ حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة.

الموقف المصري، بحسب دبلوماسيين سابقين، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يعد تأكيداً على ما وصلت إليه الحالة المصرية في تصورها للعلاقات مع إسرائيل، مؤكدين «أنها باتت على المحك، والتنبؤ بمستقبلها يتوقف على تراجع تل أبيب عن سياساتها في المنطقة، من دون أن يؤثر ذلك على اتفاقية السلام التي ستبقى مجرد نصوص قانونية بلا تطبيق كامل».

علاقات «متضررة»

وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في مقابلة مع شبكة «CNN»، الثلاثاء، إن القاهرة ملتزمة بتعهداتها مع إسرائيل بموجب معاهدة السلام، وإنها ستظل ملتزمة ما دام الجانب الإسرائيلي ملتزماً بتعهداته.

وأضاف أن علاقات البلدين تأثرت بالسياسات العدوانية الإسرائيلية، لا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، والهجمات على دول عربية أخرى.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، أن تصريحات الوزير المصري «دقيقة وتعبر عن واقع العلاقات، وعن موقف مصر صاحبة المبادئ والالتزام بالتعهدات، وتأكيد على الرفض القاطع للممارسات الإسرائيلية في مختلف الساحات، والتي تمس العلاقات وتضعها في موقف محرج للغاية».

ويشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إلى أنه «منذ حرب غزة وحتى اللحظة، العلاقات بين مصر وإسرائيل يشوبها توتر كبير، وأصبحت على المحك، خاصة إذا استمرت إسرائيل في سياساتها الحالية في غزة والضفة وجنوب لبنان».

ولا يستبعد هريدي أن يزداد التوتر بين مصر وإسرائيل في ضوء تداعيات حرب إيران، «وإصرار تل أبيب على تهديد أمن واستقرار المنطقة».

وأوائل مايو (أيار) الحالي، دعت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إلى «ضرورة أن تنظر إسرائيل بجدية نحو حدودها الجنوبية، وتستعد لاحتمال نشوب حرب مباشرة مع مصر، مع وجود تهديد متنامٍ من القاهرة»، زاعمة، أن «هناك حالياً، حرباً باردة مع مصر، وليس سلاماً بارداً».

ورغم «اتفاقية السلام» المُوقَّعة عام 1979، فإنَّ القاهرة تعمل، حسب ادعاءات التقرير العبري، «مراراً ضد المصالح الإسرائيلية، لا سيما بمعارضتها الشديدة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى التدخل في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وكان ذروة ذلك، تنظيم مناورات عسكرية استفزازية تماماً على الحدود الإسرائيلية الشهر الماضي».

وآنذاك لم يستبعد الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال له، دخول إسرائيل في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي - المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية.

وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، زعم عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقَّعة منذ عقود مع إسرائيل «بشكل ممنهج، بإنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء، وتشييد جيش ضخم وحديث، وإجراء تدريبات على الحدود».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

مستقبل «محل شكوك»

وفي ضوء ذلك التحريض، فإن مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل يبقى «موضع شكّ»، حيث أكد السفير محمد حجازي أن ذلك المستقبل يتوقف على سياسات إسرائيل في المنطقة، «وإذا رغبت في التصعيد فلن يكون لها مكان في علاقات الشرق الأوسط ومستقبله».

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحاصل حالياً، خاصة بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 بوساطة القاهرة، ثم احتلالها محور «موراغ»، فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني، قبل القبول باتفاق في أكتوبر الماضي، تواصل خرقه يومياً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، وفي خضم أزمة افتعلها نتنياهو بشأن اتفاق الغاز بين القاهرة وتل أبيب، تطرَّق وزير الإعلام المصري ضياء رشوان (الذي كان وقتها رئيس هيئة الاستعلامات المصرية) إلى حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ووصفها بأنها كانت «نزهة»، مضيفاً: «الآن الأسلحة تطوَّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة؛ إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة».


هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، بدلاً من العمل على تثبيته، لا يشجّع لبنان، المتردد في المشاركة في اجتماع المسار الأمني، الذي يطغى عليه الحضور العسكري ويجمعه بالوفد الإسرائيلي، برعاية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن يوم 29 مايو (أيار) الحالي.

ويقف لبنان حالياً أمام خيارين؛ إما تعليق مشاركته، وإما حضوره، مشترطاً إدراج وقف إطلاق النار بنداً أول على جدول الأعمال التقني، لأن تعذّر وقفه يحرج، في آنٍ واحد، رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، بعدما كانا قد ربطا موافقتهما على بدء المفاوضات بوقف الأعمال العدائية، التي أخذت تتوسع، بدلاً من أن تتراجع، مع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية على البلدات الواقعة شمال نهر الليطاني.

فلبنان لا يبدي حماسةً لاستئناف المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار ورد «حزب الله» عليها، وهذا ما يضع الولايات المتحدة الأميركية أمام اختبار تعهدها بالضغط على تل أبيب لإلزامها بوقف النار على أن ينسحب تلقائياً على «حزب الله».

وفي هذا السياق، قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان تجاوب مع طلب الولايات المتحدة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، كما استجاب لاحقاً لرغبتها في رفع مستوى التمثيل وضم عسكريين إلى الوفد المفاوض، مقابل إصراره على أن تبدأ بتثبيت الهدنة.

وتساءل المصدر: ماذا قدَّم الراعي الأميركي للبنان؟ وما الأسباب الكامنة وراء عدم تجاوبه في تثبيت وقف إطلاق النار بما يُعزّز موقع الدولة اللبنانية في مواجهة «حزب الله»، الذي يرفض المفاوضات المباشرة، ويطالب باستبدال أخرى غير مباشرة بها، ويشن عليها أقسى الحملات السياسية، فيما يتباهى نوابه بالإنجازات والانتصارات التي حققها مقاتلو الحزب، ويدعون إلى استثمارها، ولكن عبر مفاوضات غير مباشرة؟

ولفت المصدر إلى أن لبنان كان قد اتخذ قراره بعدم ربط مصيره بإيران، خلافاً لإصرار «الثنائي الشيعي»، ومن ثم لا يجد ما يبرر لواشنطن عدم إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار. وقال إن لبنان شارك في الجلسة الثالثة من المفاوضات بوفد ترأسه السفير السابق سيمون كرم، وإن مشاركته جاءت في إطار إعلان نيته إنهاء حال الحرب مع إسرائيل التي لم تلتزم بوقف الأعمال العدائية. وأضاف أن لبنان كان، ولا يزال، يراهن على تدخل الإدارة الأميركية فور انتهاء الجولة، للضغط على إسرائيل وتهيئة المناخين السياسي والأمني الملائمين لانعقاد اجتماع يقتصر على العسكريين تحت سقف البحث في المسار الأمني، تمهيداً لاستئناف اجتماعات المسار السياسي يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل.

وأكد أن لبنان بدأ التحضير لاجتماع المسار الأمني، الذي يغلب عليه الطابع التقني، مستغرباً ما روّج له البعض عن أن عون، بالتوافق مع سلّام، يدرسان تشكيل لواء خاص بالجنوب استجابة لطلب واشنطن. وأوضح أن هذا الطرح لم يُدرج على بساط البحث خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وأن ما جرى تداوله استند، بصورة غير مباشرة، إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإحدى المحطات الأميركية.

عناصر في الدفاع المدني يبحثون عن ضحايا عالقين تحت أنقاض منزل استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة دير قانون النهر يوم الثلاثاء (أ.ب)

واستغرب المصدر الحملة التي شنّها نواب «حزب الله» في هذا الخصوص، وقال إنهم كانوا في غنى عنها لو استمزجوا رأي عون فيما يجري التداول به عبر الوسيط الرئاسي الذي يتواصل مع النائب حسن فضل الله، والمقصود به العميد أندريه رحال. وأكد أن تشكيل لواء خاص مقاتل من الجيش ليس مطروحاً؛ لأنه لا وجود لدى قيادته لأي تمييز بين لواء وآخر، ولا فرز لألويته إلى فئة «أ» و«ب». إضافة إلى أن موقف عون لا جدال فيه في هذا الشأن. ولفت إلى أن «حزب الله» يفتعل معركة لا وجود لها لصرف الأنظار عن مطالبته بحصرية السلاح بيد الدولة لبسط سلطتها على كل أراضيها تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي يؤيده وبدأ يستحضره في جميع المناسبات.

وأوضح المصدر أن تشكيل الوفد العسكري إلى اجتماع المسار الأمني لا يزال موضع تداول وتشاور بين عون وسلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتوقّع أن يضم الوفد، إضافة إلى الملحق العسكري في سفارة لبنان في واشنطن العميد أوليفر حاكمة، عدداً من الضباط ذوي الاختصاص والخبرة الميدانية، ولم يستبعد أن يكون من بينهم قائد عمليات منطقة جنوب الليطاني العميد نيقولا تابت، الذي يمثّل لبنان في اجتماعات لجنة «الميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية. كما توقّع أن تستجيب واشنطن والمجتمع الدولي لاحتياجات الجيش من التجهيزات على مختلف المستويات، بما يُتيح له تعزيز انتشاره في الجنوب.

ولم يستبعد بأن يلتحق بالوفد ضباط من مديرية الشؤون الجغرافية وغرفة العمليات في وزارة الدفاع، وقال إن اجتماع المسار الأمني هو لوضع اتفاق الإطار الذي يتمسك به الوفد المفاوض، ويكون بمثابة خريطة الطريق لنشر الجيش في جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيل منه طبقاً لجدول زمني يُتفق عليه برعاية أميركية وبواسطة لجنة ارتباط ثلاثية، تضم ضباطاً عن الأطراف الثلاثة، يوكل إليها مراقبة تنفيذ الاتفاق الأمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين والتدخل لمعالجة الخروق في حال حصولها.

ورأى المصدر أن هناك ضرورة لوجود ممثل عن مديرية الشؤون الجغرافية، للتحقق من انسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية، تطبيقاً لما نصّت عليه اتفاقية الهدنة المعقودة بين البلدين عام 1949. وأضاف أنه يمكن تقسيم الجنوب إلى قطاعات أمنية للتأكد، بشكل ملموس، من عدم وجود أي سلاح غير شرعي. ورجّح أن يبحث المسار الأمني مرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات «يونيفيل» في مطلع العام المقبل، بهدف إيجاد بديل لها، وقد يقع الخيار على تفعيل دور هيئة المراقبين المنبثقة عن الهدنة مع زيادة عددها، علماً بأنها تنتشر حالياً على جانبي الحدود، ولها مقران رئيسيان في محلة بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي القدس.

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)