في اليوم التالي لخروج بريطانيا.. حسابات ما بعد العاصفة

اسكوتلندا تكشر عن أنيابها.. وأوروبا تتكلم عن «عدوى خطيرة» * مفوض بريطانيا في الاتحاد يقدم استقالته

يافطة تقول: «نعم للاتحاد الأوروبي» أمام ساعة بيغ بن (أ.ف.ب)
يافطة تقول: «نعم للاتحاد الأوروبي» أمام ساعة بيغ بن (أ.ف.ب)
TT

في اليوم التالي لخروج بريطانيا.. حسابات ما بعد العاصفة

يافطة تقول: «نعم للاتحاد الأوروبي» أمام ساعة بيغ بن (أ.ف.ب)
يافطة تقول: «نعم للاتحاد الأوروبي» أمام ساعة بيغ بن (أ.ف.ب)

هناك تعبير إنجليزي يقول: «اليوم التالي لليلة الماضية»، لوصف حالة ما بعد تعرض بلد لزلزال أو أي حدث كارثي. إذ أجمعت الأكثرية الساحقة من مراقبين، إعلاميين وسياسيين، على وصف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بـ«الزلزال». وأريد في التشبيه هنا التعامل مع تداعيات الكارثة بعقلانية وواقعية وهدوء، لأنه لا يوجد خيار آخر سوى البدء في تنفيذ آلية الخروج. وبدأت كل الأطراف المعنية، البريطانية والأوروبية وحتى العالمية الأخرى، في محاولة الخروج من المأزق بسرعة وبأقل التكاليف. بريطانيا، أمس السبت، بعد يوم من التصويت في الاستفتاء التاريخي، الذي أخرجها من اتحاد صوتت في استفتاء على الدخول فيه قبل 40 عاما، بدأت تعد خسائرها أو ربما أرباحها (حسب المعسكر الذي تنتمي إليه). لكنها تبدو أكثر انقساما أكثر من أي وقت مضى.
وكشفت نتائج التصويت في المملكة المتحدة الانقسامات في هذا البلد، خصوصا في إنجلترا. فقد صوتت لندن التي تتسم بالتنوع مع البقاء في الاتحاد، بينما اختار الخروج الشمال الصناعي وجنوب شرقي البلاد، حيث تغلب الخطاب المعادي للهجرة.
واستيقظ سائحون بريطانيون يزورون نيويورك بعد 24 ساعة على أنباء مفاجأة النتيجة. اضطروا أيضا إلى محاولة التغلب على التكلفة التي ارتفعت على الفور لكل شيء مع هبوط قيمة الجنية الإسترليني.
ووصف غريج رولاند، 49 عاما، وهو من سكان جنوب لندن نتيجة الاستفتاء بأنها مثل «نهاية العالم»، وهو يحاول المرور في صخب ميدان تايمز سكوير.
ومن بين أكبر التأثيرات على المسافرين البريطانيين هو الهبوط الحاد الذي شهدته العملة البريطانية. وفي لحظة ما هبط الجنية الإسترليني بأكثر من 11 في المائة لأدنى مستوى له في أكثر من 30 عاما إلى 3228.‏1 دولار. وقال رولاند الذي صوتت منطقته بنسبة مرتفعة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي لوكالة «رويترز»: «من الجيد أنني دفعت تكلفة إقامتي في الفندق صباح الأمس». وقالت إيلينا فالينتينا، 25 عاما، وهي أيضا من جنوب لندن إنها تشعر بصدمة شديدة نتيجة زيادة التكاليف. وأضافت فالينتينا، وهي بريطانية من أصل روسي: «هذا أمر غريب وصادم.. كيف ستكون الحياة صعبة على الناس في المملكة المتحدة». وقالت فريا جيل، 34 عاما، وهي من شمال إنجلترا التي صوتت بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي إنها تشعر بالصدمة. وأضافت: «لم يؤثر ذلك علينا بشكل مباشر ونحن نقضي العطلة، لكننا نخشى على قيمة الإسترليني». بعد قرار الخروج أصبح وجود مفوض بريطاني في مفوضية الاتحاد في بروكسل لا داعي له. ومن هنا جاء قرار استقالته أمس. إذ أعلن ممثل بريطانيا مفوض الخدمات المالية، جوناثان هيل، أمس، أنه سيستقيل من منصبه. وقال هيل في بيان: «لا أعتقد أن من الصحيح أن أستمر في منصبي مفوضا بريطانيا. من ثم أبلغت رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أنني سأستقيل». وتابع في البيان أن هذا سيحدث خلال الأسابيع المقبلة، لأن عملية التسليم والتسلم يجب أن تجري بشكل منظم. ويشغل هيل المنصب منذ عام 2014. ويأتي إعلان هيل، 55 عاما، وهو زعيم سابق لحزب المحافظين في المجلس الأعلى للبرلمان وحليف وثيق لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون.
وطالب أعضاء في البرلمان الأوروبي بالفعل باستقالة هيل من منصبه الحساس الذي يكتسب أهمية في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بين بروكسل ولندن. ولعب هيل دورا محوريا في صياغة القواعد التي تتيح للقطاع المصرفي الضخم في بريطانيا دخول أسواق منطقة اليورو. وقال في بيانه إنه وصل إلى بروكسل «مشككا في أوروبا»، غير أنه بات مقتنعا بأنه «على الرغم من الإحباطات، فإن انتماءنا (إلى الاتحاد الأوروبي) جيد لمكانتنا في العالم ولاقتصادنا». وردا على استقالة هيل، أعلن يونكر استعداده للنظر في تعيين مفوض بريطاني جديد، مشيرا في بيان إلى أن المفوض الأوروبي للعملة الموحدة، فالديس دومبروفسكيكس، سيتولى في الوقت الحاضر مهام هيل.
وجاء في البيان الصادر عن المفوضية أن «الرئيس يونكر يبقى على استعداد للبحث سريعا مع رئيس الوزراء البريطاني أسماء محتملة لمفوض من جنسية بريطانية، فضلا عن مسألة تخصيص حقيبة محتملة».
زاد إعلان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الاستقالة من الغموض العام. ويبدو رئيس البلدية السابق بوريس جونسون، زعيم حملة الخروج، خيارا منطقيا ليصبح خليفته. لكنه وبعد أن كان يحظى بشعبية كبيرة عندما كان رئيسا لبلدية لندن، بات جونسون محط غضب قسم من سكان بريطانيا. لكنه ما زال يحظى بشعبية في داخل الجناح اليميني في حزب المحافظين الحاكم.
إلا أن عملية انتخاب زعيم جديد، ليصبح رئيسا للوزراء لن تكون بالأمر السهل، لأنه ستكون هناك منافسة شديدة على المنصب في المعسكرين المتناحرين في حزب المحافظين. كما أن رئيس الوزراء الجديد هو من سيقود المفاوضات مع أوروبا لخروج بريطانيا من الاتحاد. ولهذا فقد علق أحد أعضاء حزب المحافظين أمس خلال مناظرة لـ«بي بي سي»، قائلا: «قد يقرر الحزب الالتجاء للشعب مرة أخرى، وينظم انتخابات عامة في الخريف المقبل»، أي قبل أكثر من ثلاث سنوات من موعدها المحدد.
تعرض بوريس جونسون لهتافات معادية عند خروجه من منزله أول من أمس (الجمعة)، طالب بعض الأشخاص بغضب ودون قناعة فعلية باستقلال العاصمة التي أيدت بغالبيتها البقاء في الكتلة الأوروبية.
كما أن الوزيرة الأولى في اسكوتلندا نيكولا ستيرجن أعلنت أن الحكومة الاسكوتلندية سوف تبدأ على الفور مباحثات مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة إعلامية ذكية تحاول من خلالها تهيئة الظروف لاتخاذ خطوات دستورية لتنظيم استفتاء آخر قد يمنحها الانفصال عن المملكة المتحدة، ومن ثم انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. اسكوتلندا في استفتاء الخميس صوتت بقوة وبأكثرية ساحقة لصالح البقاء في أوروبا.
60 في المائة صوتوا في اسكوتلندا لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، مما استدعى البرلمان المحلي في أدنبره إلى عقد اجتماع طارئ السبت، للتباحث في عواقب التصويت الذي يمكن أن يؤدي إلى استفتاء جديد حول استقلال اسكوتلندا. كما تجد بريطانيا نفسها أمام شركاء أوروبيين يريدون خروجها بأسرع وقت. وبعد أربع وعشرين ساعة على صدور نتيجة الاستفتاء، يحاول البريطانيون والأوروبيون استيعاب القرار التاريخي الذي أدى إلى تراجع كل البورصات العالمية وكشف عن انقسامات عميقة. في المقابل، تجاوزت عريضة على الإنترنت موجهة إلى البرلمان البريطاني للمطالبة بإجراء استفتاء ثان حول الاتحاد الأوروبي عتبة مليون توقيع. وتطالب العريضة بإجراء استفتاء جديد بعد الاستفتاء الذي نظم الخميس وقضى بنسبة 51.9 في المائة من الأصوات بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في قرار أثار انقساما شديدا في هذا البلد. على شبكات التواصل الاجتماعي، عبر الشبان الذين صوتوا بشكل مكثف من أجل البقاء عن غضبهم ضد الناخبين الأكبر سنا الذين يتهمونهم بتعريض مستقبلهم للخطر. وتساءل البعض: «ماذا فعلنا؟».
في المقابل، يواصل معسكر الخروج الاحتفالات التي استمرت طوال الليل بـ«يوم الاستقلال». وعرض زعيم حزب يوكيب المناهض لأوروبا الاحتفال بـ23 يونيو (حزيران) بوصفه عيدا وطنيا، بينما أشادت الصحف المشككة بأوروبا الصادرة (أمس)، وفي مقدمتها «ذي صن» و«ديلي ميل» بـ«شجاعة» الشعب البريطاني. وعكست عناوين الصحف البريطانية (أمس) الاختلافات بين آراء الناخبين. وكتبت صحيفة «ديلي ميل» الشعبية المشككة بأوروبا «إنه اليوم الذي نهض فيه شعب بريطانيا الهادئ أمام الطبقة السياسية المتغطرسة والبعيدة عن الواقع وأمام النخبة المتعالية في بروكسل». أما في معسكر مؤيدي البقاء فتساءلت صحيفة «ديلي ميرور»: «ما الذي سيحصل الآن؟». يرى خبراء أن الخيار التاريخي للبريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوروبي يعكس «تمردا للشعوب» على نخبهم. وقال دومينيك مويزي من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في تعليقات للوكالة الفرنسية: «إنه التفسير الرئيسي لما حدث: البريطانيون قالوا لا لنخبهم. إنه تمرد الصغار على السلطة».
وقال دومينيك مويزي إن «الخصوصية المتعلقة بالاتحاد الأوروبي هي رفض المشروع الأوروبي»، أي تأنيب الحاكمين على «استسلامهم لبروكسل». وأضاف أنه «في الولايات المتحدة لا يتهم ترامب أوباما ببيع وطنه إلى منظمة تطغى على القرار الوطني». وأكد نيكول فونتين أن «القادة لم يفهموا هذا الرفض المتزايد للشعوب لأوروبا لم يعودوا يرون أنفسهم فيها. بنيت أوروبا بلا شعوب، وكل شيء يجب أن يبنى من جديد».
وقالت ميلاني سولي، المحللة السياسية البريطانية التي تقيم في النمسا، إن «ثقة الناس في النظام زالت. الاتحاد الأوروبي أصبح منتجا يصعب بيعه في المملكة المتحدة وفي أي مكان آخر في أوروبا».
وتشير سولي التي تدير معهد الأبحاث «غو غوفرنانس» في النمسا إلى ازدهار حزب الاستقلال (يوكيب) البريطاني المشكك في أوروبا «وأحزاب مثله في دول أخرى بسبب غضب ناس. يتجاهلهم الموجودون في السلطة، على المستوى الوطني والأوروبي على حد سواء». وأضافت ملخصة الوضع: «يشعرون أنهم متروكون، ولا شيء يصنع من أجلهم، خصوصا في مجالي الهجرة أو الاقتصاد». وتؤكد الرئيسة السابقة المحافظة للبرلمان الأوروبي الفرنسية نيكول فونتين أنها «لم تفاجأ بتصويت هؤلاء السكان الذين يعانون من أوضاع هشة»، وترى أن السبب «أوروبا مريضة بعجزها الديمقراطي».
ورحب كل المشككين في جدوى الوحدة الأوروبية أول من أمس (الجمعة) بالانتصار على «النخب المؤيدة لأوروبا»، ودعوا إلى استفتاءات في بلدانهم حول خروج محتمل من الاتحاد الأوروبي، مثل زعيمي اليمين المتطرف في هولندا وفرنسا غيرت فيلدرز ومارين لوبن.
وقال فيلدرز إن «البريطانيين رسموا لأوروبا الطريق إلى المستقبل والتحرير». وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزبه يأتي في الطليعة في انتخابات التشريعية الهولندية في مارس (آذار) 2017. من جهته، قال جان لوك ميلانشون، وهو من شخصيات اليسار الراديكالي في فرنسا، إن «الدرس هو أن الاتحاد الأوروبي، أن نقوم بإصلاحه أو نتركه». خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو فعليا أهم نجاح للأحزاب الشعبوية. ويبدو تقدم هذه الأحزاب واضحا في هولندا وفرنسا البلدان المؤسسان للاتحاد الأوروبي، وفي النمسا، حيث أخفق اليمين المتطرف بفارق طفيف في الوصول إلى الرئاسة في مايو (أيار)، وفي إيطاليا حيث فاز حركة النجوم الخمس ببلدية روما. وصرح رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس بأن «خطاب سياسيي أوروبا الغروري يثير الشعوب»، داعيا إلى «تغيير السياسات والعقليات لوضع سد في طريق التشكيك في أوروبا».
وقال دومينيك مويزي: «قد تحدث عدوى خطيرة». ولا يعتبر هذا الخبير «مبالغة» تشبيه البعد التاريخي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بانهيار الاتحاد السوفياتي. وقد لجأ إلى صورة سينمائية لتوضيح فكرته، قائلا: «تذكروا في حرب النجوم: هناك الجانب المضيء للقوة وهناك الجانب المظلم. الجانب المضيء هو سقوط جدار برلين والجانب المظلم هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.