احتكمت تركيا أمس إلى صناديق الاقتراع، التي ستحمل معالم مستقبل البلاد ورئيس حكومتها رجب طيب إردوغان. ورغم أنها مجرد انتخابات محلية، فإن الاستقطاب السياسي الحاد الذي يحكم البلاد منذ الصيف الماضي حولها إلى ما يشبه الاستفتاء.
وفيما تتركز المواجهة، نظريا، بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبقية أحزاب المعارضة، فإن دخول جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن على الخط من شأنه الإضرار بنسب الاقتراع لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي كان حليفا أساسيا للجماعة في الانتخابات السابقة منذ عام 2002.
وإذا كان الحزب الحاكم يعد أي نتيجة تتراوح بين 38 في المائة، وهي النسبة التي حصل عليها في الانتخابات المحلية السابقة، و50 في المائة وهي النسبة التي حصل عليها في الانتخابات النيابية، ستشكل نصرا له، تبقى الأنظار تتجه نحو الفارق الذي ستحدثه الجماعة، في ظل توقعات بفوز أكيد للحزب الحاكم برئاسة إردوغان الذي دعا أنصاره في آخر خطاب انتخابي ليل أول من أمس إلى توجيه «صفعة عثمانية» لخصومه الذين قال عنهم إنهم «كلهم خونة».
ويرى خصوم إردوغان، خصوصا الجماعة، أن الأخير سيستفيد من أي نتيجة إيجابية في هذه الانتخابات لـ«تبييض سجله وإعلان براءته من كل اتهامات الفساد التي وجهت إليه في أعقاب عملية 17 سبتمبر (أيلول) 2013 التي أوقف خلالها عدد من المقربين منه بتهم فساد، أو من التسريبات التي صدرت في الفترة التي سبقت الانتخابات وتوحي بتورطه شخصيا في بعض هذه القضايا».
وأكد النائب عن حزب العدالة والتنمية، برهان كايا ترك، لـ«الشرق الأوسط»، أن نتائج هذه الانتخابات «ستكون أفضل من الانتخابات الماضية»، مشددا على أن الأحداث التي حصلت في تركيا أخيرا لن تؤثر على النتائج؛ «لأنها ليست حقيقية بل هي مفتعلة وهدفها زعزعة الحزب والحكومة، وكلها مؤامرات والشعب يعي جيدا هذا».
وعما إذا كان إردوغان سيترشح لرئاسة البلاد وفقا لنتائج هذه الانتخابات، قال: «رئيس الوزراء لم يعلن بعد هذه النية وهو إذا أراد أن يترشح فمن الأكيد أنه سيتشاور مع أعضاء حزبه وسيأخذ بعين الاعتبار رأي الشارع التركي، ولا أعتقد أن برنامج إردوغان تغير فإن كانت له النية للترشح فسيترشح ولكن كما قلت يقوم دائما باستشارة الحزب».
وتوقع الفوز ببلديتي إسطنبول وأنقرة «رغم وجود تحالف غير معلن بين حزب الشعب والحركة القومية وجماعة غولن». وقال: «هم يعملون معا من أجل التنافس معنا ولكن لن يفوزوا علينا في الكثير من المدن، ونحن سنفوز بـ16 مدينة كبرى من بين 30 مدينة كبرى».
ويرى المحلل السياسي التركي برزان أسو، أن نوعا من «العسكرة» موجود لدى الطرفين «فحزب الشعب الجمهوري وجماعة فتح الله غولن، يحاولان إدارة كوادرهما من أجل جمع الأصوات لمصلحة حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول والكثير من المدن التركية التي تحتوي على ألوف البيوت التي تحتوي على الطلبة. إذا رجعنا إلى أصول المشكلة في تركيا بين جماعة غولن وحزب العدالة والتنمية، أي بين الجماعة وإردوغان كما تعرفون أنه كان بينهم تقاسم في السلطة لغاية 2010، وبعدها بدأت المشكلات».
ويرى أسو أن الجماعة ليست حركة تصوف. ويقول: «ظاهريا هي حركة تصوف لكن تاريخهم في تركيا غير ذلك، ففي سنة 1980 تحالفوا مع الجيش في انقلابه، وكذلك في سنة 1997 في انقلاب ما بعد الحداثة، وفي عام 2000 أيضا تحالفت مع الجيش (..) ضد الشارع، فهي براغماتية أكثر من أنها آيديولوجية أو حركة تصوفية. من ناحية أخرى تركيا هي دولة بيروقراطية، المتحكم في البيروقراطية في تركيا يتحكم في الدولة. الجماعة لا تريد أن تكون حكومة ولا في البرلمان أو في الوزارة، بل الاهتمام الأكبر عند الجماعة هو كيفية التحكم بالبيروقراطية التركية».
ويشير أسو إلى أنه «بعد أحداث حديقة جيزي في يونيو (حزيران) 2013، حيث اندلعت مظاهرات مناوئة لإردوغان لأكثر من شهر، اختلف الوضع وأصبح حزب العدالة والتنمية هو المستهدف الأول. وخرجت الجماعة من قوقعتها. اليوم عندما تسرب الجماعة أي وثيقة مرتبطة بالحكومة تنشر في جريدة (صول) اليسارية التي هي على عداء مع الجماعة. وكذلك الصحف التابعة لحزب الشعب الجمهوري وأيضا في الصحف القومية».
وإذ أشار أسو إلى أن هذه الحرب سوف تكون «عنيفة جدا»، توقع أن يفوز بها إردوغان، لكنه أشار في المقابل إلى «نقص في الشرعية» عند إردوغان سببه تكبيله القضاء والشرطة «فكل القرارات أصبحت قرارات فردية وأصبحت معظم القرارات مختصرة على شخصية إردوغان فقط». ويضيف: «هذه المرة حتى إذا حصل إردوغان على 50 في المائة من الأصوات وهذا صعب طبعا، فهو لن يكون شرعيا لـ50 في المائة من بقية الشعب التركي».
كما، أظهرت النتائج الجزئية الأولية للانتخابات البلدية التي جرت في تركيا أمس تصدر حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء متقدما على المعارضة بحصوله على ما بين 48 و49,6 في المائة من الأصوات على المستوى الوطني بعد فرز نحو 18 في المائة من الأصوات.
لكن النتائج بدت متقاربة في إسطنبول وأنقرة، أكبر مدينتين في تركيا، واللتين ستكون نتيجتهما حاسمة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية أو منافسه الرئيس حزب الشعب الجمهوري (وسط يسار).
وشهدت مراكز الاقتراع حركة كثيفة للناخبين الذين توافدوا للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المحلية، التي زاد من كثافة الإقبال عليها الاستقطاب السياسي الحاد بين المعارضة والحزب الحاكم.
وأدلى رئيس الجمهورية عبد الله غل بصوته بصحبة زوجته، خير النساء، في لجنة انتخابية بمنطقة تشانكايا بالعاصمة التركية أنقرة. وقال غل خلال إدلائه بصوته: «إن على الجميع ترك انتماءاتهم جانبا من أجل المصالح العليا للدولة والشعب».
أما رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان، فقد أدلى بصوته في مدينة إسطنبول، برفقة زوجته أمينة، بالقرب من مقر سكنه في منطقة إسكودار في الجزء الآسيوي من المدينة، مشيرا إلى ارتفاع كبير في نسبة المشاركة. وقال: «برغم كل الخطابات والتصريحات غير المرغوب فيها التي ألقيت في الميادين؛ فإن شعبنا سيقول جميع الحقائق اليوم، وما سيقوله الشعب سيكون الحاسم. بالنسبة لي الكلمة الأخيرة هي للشعب».
كما أدلى وزير الخارجية أحمد داود أوغلو بصوته في ولاية قونيا، ونائبا رئيس الوزراء بشير أتالاي وأمر الله إيشلار ووزير الداخلية أفكان آعلا، ورئيس البرلمان جميل تشيتشيك في أنقرة، ووزير الدفاع عصمت يلماظ في ولاية سيواس.
وأدلى زعيم حزب الحركة القومية المعارض «دولت بهتشلي»، بصوته في أنقرة مثلما فعل زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كليتشدار أوغلو قائلا: «يجب دعم وتطهير ديمقراطيتنا، سنبني ديمقراطية نظيفة، وأنا واثق في بلدي».
وفي ختام حملة انتخابية حادة ترافقت مع أخبار الفضائح والجدالات والمظاهرات العنيفة، تحولت هذه الانتخابات المحلية إلى نوع من الاستفتاء على الرجل الذي يحكم تركيا بلا منازع منذ اثني عشر عاما.
ولا يزال إردوغان، وهو في الستين من العمر، الشخصية الأكثر جاذبية وقوة وحضورا لكنه بات الشخصية الأكثر إثارة للجدل. فالذين يرون فيه صانع النهضة الاقتصادية في تركيا يدعمونه بقوة أما الآخرون فيرون فيه «ديكتاتورا» إسلاميا.
وسيحدد حجم النتائج التي سيحققها حزب العدالة والتنمية ومصير أكبر مدينتين في البلاد إسطنبول وأنقرة الاستراتيجية التي سيتبعها مستقبلا إردوغان الذي تنتهي ولايته الثالثة والأخيرة على رأس الحكومة في 2015.
وفي هذا المناخ الشديد التوتر، توافد الناخبون الأتراك الذين يزيد عددهم عن 52 مليونا منذ ساعات الصباح الأولى على مكاتب الاقتراع بكثافة ولكن وسط حالة من الانقسام الشديد، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وقالت نورجان جليشكان «نحن هنا لنؤكد بأصواتنا أن إردوغان قادر على مواجهة كل الهجمات». وأضافت ربة المنزل التي تبلغ الثامنة والثلاثين من العمر بينما كانت تدلي بصوتها في حي سيسلي بإسطنبول «لا أعتقد أنه سرق أموالا. وحتى لو كان فعل، فأنا على ثقة أنه فعل ذلك من أجل مصلحة البلاد».
في المقابل قال عارف دوكوماتشي وهو طالب في الثانية والعشرين «إردوغان أثبت أنه على استعداد لأي شيء من أجل البقاء في السلطة» مضيفا: «اليوم لدينا فرصة لنقول وداعا للاستبداد، لكنها قد تكون الأخيرة».
وقالت غونجا غورسيس التي صوتت في الحي نفسه بأن «كل صوت ضد إردوغان وحزبه هو صوت من أجل تركيا أفضل». وأضافت هذه المديرة المالية التي تبلغ الثامنة والعشرين من العمر «لقد أساء إلى الديمقراطية وكذلك إلى حرية التعبير». وقالت: «لو كان حريصا فعلا على مصلحة الأتراك لكان استقال منذ فترة بعيدة».
وقبل سنة وهو في أوج قوته تلقى إردوغان: «الرجل العظيم» كما يسميه أنصاره أو «السلطان» كما يلقبه خصومه ساخرين، أول إنذار في يونيو (حزيران) 2013 عندما نزل ملايين الأتراك إلى الشارع مطالبين باستقالته. وازدادت عليه الضغوط منذ أكثر من ثلاثة أشهر مع اتهامات خطيرة بالفساد طالت جميع المحيطين به. وردا على ذلك شن إردوغان هجوما مضادا مشددا نبرة خطابه لحشد أنصاره. وأعلن الحرب على حلفائه السابقين أعضاء جمعية فتح الله غولن «الخونة» الذين اتهمهم بإقامة «دولة موازية» وبث تسريبات هاتفية على الإنترنت لتشويه سمعة نظامه.
هذه الحرب بين الحليفين السابقين بلغت أوجها الخميس بعد تسريب تسجيل لمضمون اجتماع «سري للغاية» تحدث فيه أربعة مسؤولين كبار منهم وزير الخارجية أحمد داود أوغلو ورئيس جهاز الاستخبارات حقان فيدان عن مبرر لتدخل عسكري في سوريا دون إخفاء أهدافهم الانتخابية. وردت الحكومة ورئيسها اللذان شعرا بالحرج لهذا التسريب، بحملات تطهير وإجراءات استبدادية وخصوصا حجب موقعي التواصل الاجتماعي «يوتيوب» و«تويتر»، مما أثار موجة انتقادات حادة وخاصة في الخارج. وتظاهرت أمس اثنتان من حركة فيمن النسائية ضد هذه القيود التي فرضت على شبكات التواصل الاجتماعي وكشفتا أمام مكتب اقتراع في إسطنبول عن صدريهما عاريين وقد كتب عليهما «احجبوا إردوغان» قبل أن يتم اعتقالهما.
ويرى الكثير من المحللين أن انتخابات أمس لا تعني نهاية الأزمة السياسية في تركيا. وقال الصحافي الشهير حسن جمال بأن «شرعية إردوغان ستبقى موضع شك بعد الانتخابات أيا كانت النتائج».
وقد يدفع فوز كبير إردوغان إلى الترشح للانتخابات الرئاسية في أغسطس (آب) المقبل التي ستجرى للمرة الأولى بالاقتراع العام المباشر. أما تقلص الفارق مع المعارضة فسيقنعه بالعمل على البقاء على رأس الحكومة في الانتخابات التشريعية في 2015 مع تعديل في النظام الداخلي لحزبه يسمح له بالترشح لولاية رابعة.
وقال برينتي ساسلي الباحث في جامعة تكساس «سواء بقي إردوغان بعد 2015 أو لم يبق، الأضرار التي نجمت عن هذه الأزمة هائلة ولا يمكن إصلاحها بسهولة». وأضاف أن «سياسة الخوف والتآمر تبدو راسخة في الحياة السياسية التركية اليوم أكثر من أي وقت مضى».
