الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

في سياق حرب ضروس ضد الإرهاب

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»
TT

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

حقق الجيش الجزائري انتصارات متتالية كبيرة على الجماعات المسلحة المتطرفة، التي يحاربها منذ 1993 تاريخ اندلاع الإرهاب في الجزائر، وذلك بفضل عمليات عسكرية متفرقة لكنها مركزة استهدفت بالتحديد معاقل تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يظل ناشطًا في مناطق كثيرة من البلاد وفي بعض الدول المجاورة، حيث يلقى «منافسة» شديدة من طرف «داعش» الذي يبحث له عن موطئ قدم على تراب الجزائر.
الجيش الجزائري أعلن مطلع الأسبوع عن مقتل 18 إرهابيًا، بمنطقة الرواكش بولاية المديّة (100 كلم جنوب غربي المديّة)، وأفاد بأنه عثر في مكان العملية العسكرية على أسلحة حربية وذخيرة، كانت بحوزة المتطرفين الذين ينتمون إلى «القاعدة المغاربية»، التنظيم الذي يدوم منذ 25 سنة تحت أسماء كثيرة.
وكانت المديّة قد بعيدة عن الأعمال الإرهابية منذ 10 سنوات على الأقل. إلا أنها عرفت في منتصف تسعينات القرن الماضي بأنها «منطقة محرّمة على الجيش» نظرًا للسيطرة المحكمة على المنطقة من طرف «الجماعة الإسلامية» آنذاك، بزعامة جمال زيتوني. ويومذاك استفاد التنظيم الإرهابي من تضاريس ولاية المديّة، من جبال ووديان، فاستغلها للتحصن بها واتخذها منطلقًا لضرب أهداف عسكرية ومدنية. واقترفت الجماعة مجازر رهيبة في المديّة راح ضحيتها المئات من المدنيين العزل، كما قتلت عددًا كبيرًا من رجال الأمن.
* «القاعدة» بثلاثة أسماء
اللافت أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب، منذ أُسس مطلع 2007 على أنقاض تنظيم متشدد خرج من عباءة «الجماعة الإسلامية المسلحة»، لم يكن له وجود في هذه الولاية إلا في حدود ضيقة جدًا. ويرى متتبعو الشأن الأمني أن تنقّل عناصر منه إلى ولاية المدية دليل على أمرين أساسيين: الأول أن خناق الجيش اشتد على الجماعة في معاقلها الرئيسية، وهي تحديدًا مدن تيزي وزو وبومرداس وبجاية شرقي العاصمة. والثاني أن قيادة التنظيم كانت بصدد إعادة توزيع عناصره بنقلهم إلى مناطق جديدة تفلت من مراقبة الأجهزة الأمنية.
ويشار إلى أن الضربة الموجعة التي وجهها الجيش إلى «القاعدة» في المدية، تأتي بعد سنة بالضبط من عملية إرهابية استهدفت الجيش. ففي مطلع شهر رمضان الماضي، قتل 13 جنديًا من فرقة مشاة في كمين للتنظيم الإرهابي بمنطقة عين الدفلى (120 كلم غرب الجزائر العاصمة). ومنذ ذلك الاعتداء الإرهابي كثّف الجيش من عمليات تمشيط المناطق التي يُشك في أن «القاعدة» زرعت عناصرها فيها.
وحول عملية الرواكش العسكرية النوعية، قال أحدث تقرير لوزارة الدفاع، إن الجيش «تمكن من القضاء على 18 إرهابيًا وإلقاء القبض على 4 آخرين، واسترجاع 20 رشاشًا من نوع كلاشنيكوف وبندقيتين نصف آليتين من نوع سيمونوف ومدفع هاون عيار 60 ملم مع 10 مقذوفات، ورشاش عيار 12.7 ملم وبندقية مضخية و4 قذائف (آر بي جي – 2) وكمية ضخمة من الذخيرة من مختلف العيارات بالإضافة إلى 23 مخزن ذخيرة و20 قنبلة يدوية و3 أحزمة ناسفة ومعدات تفجير و7 نظارات ميدان و23 هاتفًا جوالاً».
كذلك أفاد التقرير بأن العملية، التي انطلقت في 8 يونيو (حزيران) الحالي، واستغرقت 9 أيام كاملة، «مكّنت من تحديد هوية المجرمين الستة الآخرين، الذين تم القضاء عليهم مساء يوم أمس 19 يونيو 2016 بالمنطقة نفسها، ويتعلق الأمر بمحيي الدين ح. المدعو (موسى)، وم. بوعلام المدعو (أبو سفيان)، وب. الحاج المدعو (سامورة)، وع. قويدر المدعو (أبو محسن)، وب. إبراهيم المدعو (أبو عقيل)، وب. العياشي المدعو (أسامة)».
وأوضح التقرير أن «تحييد هذه الجماعة الإرهابية، يُعتبر ثمرة التدريب والتكوين الجيد والانضباط والتقيد الصارم بتعليمات وتوجيهات القيادة العليا للجيش، لا سيما خلال مختلف اللقاءات التي تجمعها بالإطارات والمستخدمين عبر النواحي العسكرية، وسيزيد حتمًا من إصرار وعزيمة قوات الجيش الوطني الشعبي على تكثيف مثل هذه العمليات النوعية، والقضاء على ما تبقى من هذه العصابات الإجرامية».
وهذا في إشارة إلى زيارات ميدانية مكثفة يجريها الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع، إلى النواحي العسكرية منذ مطلع العام، بهدف تفقّد جاهزية الجيش وقدرته على التصدّي لهجوم محتمل من طرف الإرهاب. وحث صالح في كل زياراته، الجنود على القضاء على ما سمّاه «بقايا الإرهاب»، وهو مفهوم يتداوله الخطاب الرسمي منذ سنوات طويلة للدلالة على أن الإرهاب في «ربع الساعة الأخير» من عمره.
* اهتمام أميركي مركز
وفي الـ18 من الشهر، نشر الجيش حصيلة عملياته منذ مطلع العام. إذ أعلن عن القضاء على 73 متطرفًا واعتقال 111 شخصا متهمين بدعم الجماعات المتشدّدة خلال خمسة أشهر الأولى من العام الحالي، حيث تمكن الجيش خلال 6 أشهر من وضع حد لنشاط 1117 مهرب سلاح ومواد محظورة بالحدود، بينما جرى اعتقال 2309 مهاجرين سريين و105 تجار مخدرات. وسمح نشاط الجيش، خلال الفترة نفسها، باكتشاف وتدمير 248 مخبأً في الجبال والغابات يستعمله المتطرفون، للتحصن ضد ضربات قوات الأمن. وتضمّنت الحصيلة المنشورة بـ«مجلة الجيش»، حجز 205 سيارات ذات دفع رباعي و120 شاحنة، و148 سيارة و70 دراجة نارية، وهي وسائل نقل درج المتطرّفون ومهرّبو السلاح على استعمالها في نشاطهم وتنقلاتهم بالحدود، وفي المساحات الشاسعة لا سيما بالصحراء الكبرى، حيث تبذل السلطات الجزائرية مجهودات كبيرة لتغطيتها أمنيًا.
وأوضحت «نشرية الجيش الشهرية»، أن الضباط والجنود المنخرطين في سياسة محاربة الإرهاب، نجحوا في عمليات متفرقة منذ مطلع العام، من حجز كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة. وهذا النشاط غير المسبوق للآليات العسكرية، دفع بالجنرال ديفيد رودريغز، قائد المهام العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى طلب زيارة الجزائر، فالتقى الأسبوع الماضي مع رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال وقايد صالح ومسؤولين في قسم محاربة الإرهاب بجهاز المخابرات. كما استقبله الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وأبلغت مصادر عليمة «الشرق الأوسط» أن رودريغز أبلغ محدثيه بأن «أفريكوم» تريد التعاون مع الجيش الجزائري من أجل التصدي لـ«دواعش ليبيا» فوق التراب الليبي. ونقلت المصادر عن المسؤول العسكري الأميركي أن تنظيم الدولة الإرهابي يشكل خطرًا كبيرًا على الأمن بالمغرب العربي وأوروبا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية في حال استطاعت الجماعة المتطرّفة أن تجد لها منفذًا، إلى بلدان غرب القارة السمراء التي تطل على المحيط الأطلسي. وإذا ما وصلت إلى هذه المناطق فإن الخطر سيكون قريبًا من السواحل الأميركية، بحسب ما نقل عن رودريغز في لقاءاته مع المسؤولين الجزائريين. كما استفسر قائد «أفريكوم» عن عودة «القاعدة» إلى النشاط في جمهورية مالي، على خلفية استهدافها المتكرر مواقع البعثة الأممية للسلام في مالي.
وأوضح المصدر ذاته بأن المسؤولين الجزائريين أبدوا لرودريغز تحفظًا شديدًا بخصوص نقل وحدات من الجيش الجزائري خارج الحدود لمطاردة عناصر «القاعدة» أو «داعش»، بحجة أن دستور البلاد يمنع ذلك، إلا إذا تعلق الأمر بمهام سلمية. وأكد المسؤولون، في المقابل، أنهم على استعداد للتعاون أمنيًا مع بلدان المنطقة لمساعدتها على مواجهة الإرهاب. وضرب محدّثو رودريغز، حسب المصدر، مثالاً بالأشواط الكبيرة التي قطعها التعاون الاستخباراتي بين تونس والجزائر خلال العامين الأخيرين.
* تأثير دواعش ليبيا
من جهة أخرى، يقدم خبير القضايا الأمنية والاستراتيجية، قوي بوحنية، لـ«الشرق الأوسط» قراءة في المشهد الأمني على ضوء العملية العسكرية الأخيرة، فيقول: «مقتل 18 إرهابيا بالمديّة ينبئ بأن خلايا الإرهاب النائمة ما زالت تملك القدرة على النشاط من جديد، وبالتالي إلحاق خسائر بالجيش». وتابع أن «نشاط الجيش خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يؤكد مدى جاهزيته لضرب جيوب الإرهاب الأساسية، وليس أدل على ذلك من القضاء على زعيم تنظيم (جند الخلافة)، الذي يُنسب له اغتيال متسلق الجبال الفرنسي هيرفيه غوردال عام 2014»، في إشارة إلى المتطرّف عبد المالك قوري، الذي سقط في كمين للجيش غرب الجزائر العاصمة، وكان معه مجموعة من عناصر التنظيم تم القضاء عليهم.
وأضاف قوي بوحنية أن «الجماعات النائمة والخلايا اللوجيستية الداعمة للإرهاب، لا تزال تجد مرتعًا لها في الجزائر، وتحديدًا، في مرتفعات مناطق القبائل والمدية وتيبازة وصولاً إلى ضواحي العاصمة والبليدة، حيث يقوم الجيش شهريًا وبصفة دورية بتفكيك العبوات واستهداف مجموعات إرهابية صغيرة تتربّص به لمباغتته. ولا يوجد شك في أن الجيش الجزائري اكتسب تجربة وخبرة كبيرتين خلال تسعينات القرن الماضي عندما كان الإرهاب في أوج قوته. يضاف إلى ذلك التنسيق الاستخباراتي العالي الدقة بين مختلف الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى التدريب الاحترافي الذي استفادت منه القوات المسلحة في مجال الأدلة الجنائية، وتفكيك خيوط الجريمة المنظمة وارتباطاتها بمهربي السلاح وتجّار المخدرات».
وتابع بوحنية، الذي نشرت له دراسات كثيرة عن الأوضاع الأمنية بأفريقيا، شارحًا: «الزحف الداعشي على مدن الساحل الليبي، مثل درنة وصبراتة - والثانية لا تبعد سوى كيلومترات عن الحدود التونسية - وتعاظم النشاط الميليشياوي المسلح في تونس، زاد من تعقيد عملية إعادة الاستقرار إلى المنطقة. وهذا الوضع تسبّب بدوره في متاعب أمنية إضافية للجزائر باعتبارها تشكل عُمق المنطقة، وهي أكبر قوة إقليمية. وما يستحق الإشارة هنا خطورة ما اعتبره الدولة الميليشياوية الأمنية التي تحاول السيطرة على مقاليد الدولة السياسية في ليبيا، وهو ما صعّب عملية الاستقرار في هذا البلاد».
وبحسب الخبير الأمني فـ«الامتدادات الحدودية للجزائر التي تزيد عن 6000 كلم، من شأنها أن تشكّل ضريبة جغرافية وأمنية إضافية عليها. خصوصًا أن تحرّك الخلايا الإرهابية في الساحل الأفريقي واستمرار تدفق السلاح على منطقة الساحل، تسبّبا في تفاقم الوضعية الرخوة للساحل، رغم الاستقرار النسبي الذي تشهده دوله منذ عام تقريبًا».
ولاحظ بوحنية أن «جماعات أنصار الدين وبعض الفصائل الأزوداية الانفصالية تناضل وفق رؤية تمكنها من أن تكون ضمن المشهد الأمني والتنموي في مالي. بينما جماعة بوكو حرام وبعض الجماعات الراديكالية في نيجيريا وبعض الدول المجاورة تعانق الآيديولوجية الداعشية. وكان «أبو بكر البغدادي» قد أعلن قبل سنة ونصف السنة تقريبًا عن مبايعة أكثر من 14 سريّة إرهابية من دول المغرب العربي له، وهو بذلك يسعى إلى استكمال عقد العمل المسلح العابر للقارات، والمهدّد للدول الأفريقية الهشّة والمحيطة بمنطقة الساحل.
وأوضح الخبير بأن الجزائر «ستبقى محل تهديدات أمنية، رغم الضريبة التي دفعتها خلال العشرية السوداء، وهي 200 ألف قتيل. ولقد مرّت عشر سنوات على إقرار ميثاق السلم والمصالحة، الذي حقق نتائج جيدة نسبيًا على صعيد إقناع المسلحين بالتخلي عن الإرهاب. غير أن العمليات الإرهابية ذات الحجم الصغير والمتوسط تبقى غير مستبعدة.. فالجماعات المتشددة تتغذّى من المحيط الإقليمي المتفجر في ليبيا ومالي. وبالتالي، لا حل للدول الأفريقية، برأيي، إلا تبني خطة عمل أفريقية متكاملة تركّز على محاور ثلاثة: المحور الأول أمني ويقوم على تعزيز التعاون الاستخباراتي بين الدول بشكل يمكنها من تفكيك الجماعات المسلحة والقضاء عليها. والمحور الثاني يتمثل في التنمية بتعزيز الحكم الراشد والتوزيع العادل للثروة. والمحور الثالث يتعلق بدعم الاستقرار السياسي في دول الساحل، خصوصا، تفاديًا لحركات انقلابية. وهنا يجب دعم خيارات المصالحة في ليبيا ومالي وأفريقيا الوسطى وساحل العاج».
* «المرابطون».. الخطر الداهم
وبإلقاء نظرة متأنية على الجماعات المتطرفة المسلحة النشطة حاليًا، وخريطة انتشارها، يتضح أن أخطرها فيما يخص الداخل الجزائري، يبقى تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يرأسه عبد المالك دروكدال الشهير بـ«أبو مصعب عبد الودود» منذ 2005. وحاولت أجهزة الأمن الإيقاع به في كمائن عدة مرات بمنطقة القبائل، حيث يتنقل بين شعابها ووديانها، من دون أن تتمكن منه.
غير أن القوة الضاربة التي كان يتمتع بها التنظيم الإرهابي خلال سنوات 2006 و2007 و2008، تراجعت إلى حد كبير، وإن كان لا يزال يحتفظ بعامل المباغتة، وهو ما تدركه السلطات جيدًا. وللعلم، التنظيم خلال 2013 أحد أبرز عناصره، وهو صلاح أبو محمد الناطق باسم «القاعدة» والمروج لأعمالها عبر الإنترنت الذي وقع في كمين للمخابرات شرقي العاصمة. وتقريبًا لم يبقَ من «الوجوه البارزة» في التنظيم سوى «أمين المال» المكنّى «أبو أحمد الجيجلي»، وهو من أوائل الملتحقين بالتنظيم الإرهابي الذي نقل جزءًا كبيرًا من نشاطه إلى الصحراء الكبرى على الحدود مع مالي والنيجر.
أما ثاني التنظيمات التي تتوجّس منها السلطات الأمنية الجزائرية خيفة فهو «المرابطون»، بقيادة المطلوب دوليًا الجزائري مختار بلمختار المعروف بـ«خالد أبو العباس». وفي وقت كان فيه المسؤولون الأمنيون يعتقدون بأن الخلاف الذي وقع بين بلمختار وقيادة «القاعدة»، ثم طلاقه معها، أدخلاه في مرحلة ضعف ووهن، فاجأ الإرهابي الأكثر خطورة في منطقة الساحل الأفريقي الأجهزة الأمنية بعملية استعراضية مطلع 2013، تمثّلت بالهجوم على منشأة عين أميناس، التي هي المنشأة الغازية الأكبر في صحراء البلاد واحتجز العشرات من الفنيين الأجانب والمحليين. ويومذاك تدخّلت «القوات الخاصة» الجزائرية لفك أسر الرهائن، وانتهت العملية بمجزرة رهيبة إذ قتل 29 أجنبيًا ومعهم 28 من المعتدين، لم يكن بلمختار من بينهم، إذ كان العقل المدبّر للعملية التي نفّذها عناصر يتبعون له، يتحدّرون من 6 جنسيات: جزائرية وموريتانية ومصرية وتونسية ومالية وكندية. ويتحصًن «أبو العباس» حاليًا بقبيلة البرابيش في شمال مالي، التي تزوج منها. ويقال إن أعيان هذه القبيلة المسلحين على استعداد لخوض حرب إذا استدعى الأمر، ولن يفرطوا في «أبي العباس».
وفي حين لم يُعد يُعرف أي نشاط لما تدعو نفسها «جماعة حماة الدعوة السلفية» منذ 5 سنوات، بعدما كانت تنشط في تيبازة وعين الدفلى (غرب وجنوب غربي الجزائر العاصمة)، يتعاظم خطر «حركة أنصار الدين» منذ نهاية عملية «القط المتوحش» العسكرية التي شنها الطيران الحربي الفرنسي على مواقع التنظيمات المتطرفة بشمال مالي في مطلع 2013. ولئن كانت القوات الفرنسية بالتحالف مع عسكر النيجر قد نجحت في قتل قائد «القاعدة» الجزائري «عبد الحميد أبوزيد» في خضم «القط المتوحش»، فإن زعيم «أنصار الدين» المتطرف إياد آغ غالي ما زال يتحرّك بعناصره في المدن المالية الحدودية مع الجزائر. وبحسب أحدث تقارير الأمن، يبحث آغ غالي عن التوغّل إلى عمق التراب الجزائري لضرب مصالح غربية تتمثل أساسًا في مشاريع بترولية أميركية. وتخشى أجهزة الأمن الغربية التي تقتفي أثر هذا القيادي المتشدّد من قيام حلف بينه وبين «داعش» ليبيا.
أما «حركة التوحيد والجهاد» التي انشقت عن جماعة «أبي زيد»، في 2011 فقد «تخصصت» بخطف رعايا غربيين، خصوصًا الفرنسيين منهم، ومساومة حكوماتهم للحصول على فدية. ولقد تراجع نشاط هذا التنظيم منذ سنة، إلا أن خطره يظل قائمًا. ولوحظ أن عناصره في المدة الأخيرة يتحرّكون في منطقة الحدود الموريتانية - المالية.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.