في مخيم الأردن.. اللاجئون السوريون يستعدون لمنفى طويل الأمد

في مخيم الأردن.. اللاجئون السوريون يستعدون لمنفى طويل الأمد

عائلة الشرعة تستبعد جهوزية سوريا على استيعابها بعد سقوط النظام
الجمعة - 19 شهر رمضان 1437 هـ - 24 يونيو 2016 مـ رقم العدد [ 13723]
أطفال في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في المفرق شمال الأردن يحملون أواني محملة بالماء (رويترز)

غادر سلام الشرعة وأسرته سوريا في أوائل عام 2013، حيث لم يكن أحد يتوقع أن تمتد الحرب الأهلية في بلادهم لسنوات من دون أية إشارات على التهدئة، وخلق أسوأ أزمة للاجئين في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

كانت عائلة الشرعة من بين أوائل العائلات التي انتهى بها المطاف إلى مخيم الزعتري، وهو أول مخيمات اللاجئين الأردنية، وأكبر تلك المخيمات في الوقت الراهن، حيث يتسع لأكثر من 80 ألف لاجئي سوري. وقد اتسعت رقعة المخيم الأردني الشهير بمرور الوقت مع إرساء أسس حياة جديدة على أيدي اللاجئين وسط الغبار والأتربة المحيطة بهم من كل جانب واستعدادهم للمكوث لسنوات قادمة في هذا المنفى الإجباري. وتلك العائلة الصغيرة هي جزء من النزوح الجماعي للاجئين السوريين، حيث غادر أكثر من 4.8 مليون مواطن منازلهم ومنذ عام 2011، بما في ذلك 655 ألف مواطن استقر بهم الأمر في الأردن.

في الأثناء ذاتها، تعاني هيئات الإغاثة الدولية من العجز المزمن في التمويل والمساعدات. ونداء المساعدات الذي أطلقته الأمم المتحدة يسعى لتأمين مبلغ 4.55 مليار دولار لصالح اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لهم خلال هذا العام، ولكن بحلول شهر أبريل (نيسان) لم يتوفر من الأموال المطلوبة سوى ربعها تقريبا.

وتحاول الدول المانحة تحويل التركيز التمويلي من المساعدات الإنسانية العاجلة إلى المشروعات التنموية طويلة الأجل في البلدان الإقليمية المضيفة. وهو جزء من الجهود المبذولة لتثبيط اللاجئين عن الهجرة إلى أوروبا، غير أن برامج التعليم وتوفير فرص العمل تستغرق وقتا طويلا قبل أن تبدأ.

وفي مخيم الزعتري الأردني، تحاول أسرة الشرعة ذات الأفراد الثمانية، وهم الوالد سلام، والزوجة هدى وستة من الأطفال، بناء المنزل الجديد، بحسب تحقيق أجرته وكالة «أسوشييتد برس» مع العائلة، التي تعيش في مقطورتين سابقتي التجهيز متصلتين بخيمة من القماش المشمع. ولديهم فيها غرفتا نوم، وغرفة للمعيشة، ودورة للمياه، ومطبخ، أي ما يعد رفاهية نسبية بالنسبة لمخيم من مخيمات اللاجئين.

يمتلك سلام الشرعة متجرًا لبيع اللوازم المنزلية في سوق المخيم المزدحمة، وقد عمل ذات مرة كضابط شرطة في أحد أحياء المخيم. ويكتب المواطن السوري البالغ من العمر 43 عاما، الشعر، ويستخدم أبياته في الحفاظ على ذكرى سوريا حية في وجدان أطفاله. وأحد أشعاره كان بعنوان «العام السادس»، في إشارة إلى مدة الصراع السوري الحالي. يقول فيها:

«دخلنا عامنا السادس مفعمين بالحزن. وفي كل يوم يسألني ولداي، كم بقي لدينا من الوقت حتى نعود يا والدي؟ إنني أفتقد رفاق الشارع، وأفتقد مذاق مياهنا العذبة، ومناخ أجواء بلادنا الرائعة»، في إشارة منه إلى ولديه أيمن (13 عاما)، وصائب (11 عاما). وقد ولد كل أطفاله في سوريا باستثناء ابنه محمد البالغ من العمر عامين فحسب، ويأمل من أشعاره في أن تؤمن لهم ذكرياتهم عن الوطن.

شعر الشرعة كان قد أدخله السجن ذات مرة في سوريا. ففي عام 2012، تمكن أعضاء من «الشبيحة» السورية، وهي فرقة شبه عسكرية موالية للنظام السوري الحاكم، من اختطاف الشرعة من منزل عائلته في محافظة درعا السورية الجنوبية. يقول الشرعة إنه اعتقل بسبب أنه نشر أغان وأشعار يحتج فيها على نظام الأسد. وعندما أطلق سراحه بعد 4 شهور، تعرض منزل جيرانه لغارة جوية مدمرة من قبل طائرات النظام، عندها، قررت العائلة أن الوقت قد حان للرحيل ومغادرة سوريا. فحزموا حقائبهم وتوجهوا نحو الأردن، ودفعوا أموالا للمهربين من أجل أن يعبروا بهم بعيدا عن نقاط التفتيش العسكرية. ثم ساروا الكيلومترات الثلاثة الأخيرة من الرحلة الطويلة وهم يحملون أمتعتهم على أكتافهم.

في ذلك الوقت، كان الآلاف يفرون من سوريا، متجهين إلى تركيا، ولبنان، والأردن. أما مخيم الزعتري، والذي كان قبل الحرب لا يبعد سوى ساعة بالسيارة من محافظة درعا، فقد تأسس في صيف عام 2012، وتوسعت رقعة المخيم من بضعة خيام قليلة إلى مدينة واقعية تضم بين جنباتها أكثر من مائة ألف لاجئ. وانخفض تعداد سكان ذلك المخيم عندما افتتح مخيم الأزرق الجديد في عام 2014.

لا يتوقع الشرعة العودة إلى الوطن قريبًا، وهو يأمل أن يبقى أطفاله في المدرسة، وأن يتمكنوا من الزواج والازدهار داخل المخيم. يقول لـ«أسوشييتد برس»: «إذا ما سقط النظام السوري غدًا، فلن نتمكن من العودة قبل مرور عشرة أعوام أخرى. ولا أقل من عشرة أعوام بسبب أن ما سوف نواجهه في سوريا سيكون أسوأ بكثير مما يواجهه الناس الآن في ليبيا».

إنه يجلس في هدوء ممسكًا بكراسته ويبدأ في القراءة. في حين يتجمع أطفاله حوله يمنة ويسرة، وينظر أيمن إلى الكلمات المتدلية من بين شفتي الوالد، ويركز صائب على قسمات وجه الأب. يسمعونه وهو يقول: «فلتسمعوا صوت قريتنا، واسألوا أحبتكم عن أحوال المنفى».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة