انطلاق الدورة 38 من مهرجان «أنيسي» للرسوم المتحركة

قطة تركية ناجحة وحكاية تسجيلية عن طبيب مخادع

لقطة من فيلم بَـني لاين - من الفيلم الكندي «كليو» للصغار مع الحب
لقطة من فيلم بَـني لاين - من الفيلم الكندي «كليو» للصغار مع الحب
TT

انطلاق الدورة 38 من مهرجان «أنيسي» للرسوم المتحركة

لقطة من فيلم بَـني لاين - من الفيلم الكندي «كليو» للصغار مع الحب
لقطة من فيلم بَـني لاين - من الفيلم الكندي «كليو» للصغار مع الحب

للوصول إلى كل من مدينتي لوكارنو وأنيسي عليك، إذا ما كنت في سويسرا أو في فرنسا، أن تغادرهما ثم تعود إليهما.
يتجه بك القطار من جنيف إلى لوكارنو ليدخل الحدود الإيطالية. يتوقف في إحدى المحطات ثم تنتقل إلى قطار آخر يعود بك إلى ذلك الركن الساحر من الألب حيث تكمن المدينة.
للوصول إلى أنيسي عليك، إذا ما انطلقت من باريس أو من أي مدينة فرنسية، أن تدخل سويسرا أولاً ثم تعود أدراجك إلى المدينة الفرنسية.
الرحلة جميلة والأجمل منها عندما تحط في مهرجان لوكارنو أو في مهرجان أنيسي. كلا المهرجانين يقام في فصل الصيف. لكن كل منهما مختلف. أولهما هو «أنيسي» الذي انتهت أعماله في الثامن عشر من هذا الشهر والمتخصص في سينما الرسوم المتحركة.
إنها الدورة الثامنة والثلاثون لمهرجان تخصص في هذا اللون من السينما منذ عام 1960 عندما كان يقام مرّة كل سنتين. واستمر على هذا الوضع حتى عام 1997، عندما تقرر أن يصبح حدثًا سنويًا. ليس أنه المهرجان الوحيد من نوعه في العالم، لكنه أشهرها وأكثرها صمودًا في وجه المتغيرات.
2600 فيلم قصير وطويل ومن مختلف أنماط سينما «الأنيميشن» تم إرساله إلى إدارة المهرجان بغية الاشتراك في أي من أقسامه الاثني عشر. أهم هذه الأقسام نسبة إلى المشتركين هي قسم مسابقة الفيلم الطويل وقسم مسابقة الفيلم القصير والمسابقة الخاصة بأفلام الأنيميشن المنتجة تلفزيونيًا. وهناك «عروض خاصة» و«عروض السوق» وأفلام طويلة وقصيرة مبرمجة للعرض الرسمي إنما خارج المسابقة.
‫‬* الطبيب المخادع‬
الفيلم الأول الذي التقطناه يحمل اسمًا له أكثر من معنى وهو «Nuts!» فأحد معانيها «مجانين» والكلمة تعني أيضًا «عقدة»، لكن المعنى الثالث هو المقصود، وهو «خصيتان». الفيلم بوشر بعرضه هذا الأسبوع في صالات أميركية باستحسان نقدي جيد نسبة لموضوعه وحسن معالجته.
يبدأ «خصيتان» كما لو كان عملاً ساخرًا: طبيب يهاجر من المدينة إلى بلدة صغيرة لم يسمع بها أحد (اسمها ملفورد) في ولاية كانساس ويفتتح عيادة. ذات يوم يأتيه مزارع ويشكو له عدم قدرته على الإنجاب والشاكي نفسه هو من يقترح عليه لو أنه يزرع له خصيتي تيس. الطبيب يجد الفكرة قابلة للفعل ويجريهما (بعيدًا عن الكاميرا) وإذا بالرجل بعد تسعة أشهر صار أبًا.
هنا تفتح المخرجة بَني لين كتابًا عنوانه «حياة رجل» وضعه سنة 1934 كليمنت وود تستوحي منه أحداث هذا الفيلم. وعند هذه النقطة تدرك أن الفيلم بدأ ضاحكًا، وقد يجعلك تبتسم في بعض المشاهد اللاحقة، لكنه جاد جدًا في مجمله كونه يتحدث عن الطبيب الأميركي جون برينكلي الذي كان موضع سجال واسع في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته لأكثر من سبب، ليس تلقيح الرجال بمواد حيوانية إلا أحدها.‬
لكن حتى وإن لم يكن لديك الوقت لتراجع «غوغل» وما يذكره مطوّلاً عن هذا الطبيب وإنجازاته وما آلت إليه حياته، فإن الفيلم كاف لكي يقدّم لك تلك الحياة كما وقعت ولو ببعض الدهاء السينمائي الذي يجعلك تصدّق أن برينكلي كان ما ادعاه بنفسه من علم ونبل وشرف، قبل أن تنكشف شخصيته أمام الرأي العام، فإذا بها أقل مدعاة للتصديق والقبول. ليس فقط أنه فبرك حالات كثيرة وأجرى عمليات لم يكن واثقًا منها، وخلط القليل من المواد الطبية بالكثير من الماء ليحقن بالنتاج مرضاه، بل كوّن ثروة كبيرة (قدرت بعشرات الملايين في تلك الآونة). أما ذلك الكتاب الذي تم وضعه عنه فقد تبين أنه هو ناشره.‬
ليس أن الرجل كان كذبة خالصة. فهو أفاد الكثير بأبحاثه. والكثيرون يقولون إن عملياته الجراحية المتخصصة في تقوية فعل الإنجاب لدى الرجال أدت بالفعل لأن يسمعوا كلمة «بابا» من أولادهم لأول مرّة. لكن مع الهجمة الشديدة للمؤسسة العلمية الفيدرالية الأميركية لا بد أن تبدأ التفكير بأن هؤلاء ربما كانوا من لوازم الإعلام الذي اعتمده برينكلي ليواجه به تهم المؤسسة الرسمية بالخداع.‬
الفيلم مزيج بين التسجيلي (صور ولقطات أرشيفية) والرسوم. وهذه الأخيرة هي الجانب الروائي من الفيلم. وهي بالأبيض والأسود في نحو نصف الفيلم أيام العشرينات ولاحقًا بالألوان خلال الأربعينات، وهي الفترة التي تكاثرت فيها الأفلام الملوّنة أيضًا. والمخرجة لديها طرق فذّة لتوسيع رقعة العمل لتشمل سرد السيرة والتعليق على الحياة الاجتماعية وتصنيف الشخصيات رسمًا وتعليقًا. في أحد المشاهد تستعين بمشهد رائع من فيلم بستر كيتون الصامت «رجال شرطة» ليحاكي ما يمر به برينكلي من مشكلات. ويتركك الفيلم آسفًا على أن برينكلي هذا خرق القانون في أكثر من جهة، وأنه لم يكن سوى تاجر استطاع أن يخدع بعض الناس بعض الوقت.‬
‬* قطط شريرة
مما التقطناه أيضًا فيلم تركي ماهر الصنعة يبدو كما لو أنه من إنتاج هوليوودي نظرًا لتقنيته المتقدّمة وبراعة تنفيذ أفكاره المختلفة، وهو بالتأكيد متأثر بأسلوب «ديزني» و«دريموركس». «قط سيئ» لمحمد كورتولوش وعائشة أونال يدور حول الحياة العاطفية والاجتماعية لقط اسمه شيرو، لكنه ليس القط الذي تفكر بالاحتفاظ به كرفيق يؤانس وحدتك. على العكس هذا قط شرس يستخدم كلمات نابية طوال الوقت، ويتسبب في تكبيد الآدميين الكآبة والتسبب في مشكلات شخصية كانوا في غنى عنها. هو وصديقاه طائر النورس والجرذ يعيشون في مدينة إسطنبول، لكنه يتجاوزهما في مهارة التسلل إلى حيث يريد وسرقة الطعام (والشراب) من الأبرياء، والتسبب في موت قطط أخرى أحيانًا.‬
لا «قط سيئ» موجه للصغار. كذلك الحال بالنسبة لكثير من أفلام هذا المهرجان وكثير جدًا من أفلام الأنيميشن حول العالم. بالنسبة للقط الشرير فإن سوابقه تعود إلى فنانين آخرين سعوا قبل هذين المخرجين لتقديم الوجه المشاكس وغير الآمن للحيوان الأليف في المقدّمة رالف باكشي الذي ابتدع شخصية القط «فريتز» لمجلات «الكوميكس» أولاً ثم للسينما سنة 1972 وما بعد، وفي الحالتين عمد إلى شخصية تخص الراشدين الباحثين عما لا يستطيع فيلم الرسوم الموجه للصغار استحواذ اهتمامهم به.‬
فيلم آخر يثير الاهتمام في المسابقة هو «محطة سؤول» للمخرج سانغو يوون. هذا الفيلم الكوري الجنوبي في أساسه فيلم رعب تقع أحداثه في محيط محطة القطار في العاصمة الكورية، عندما ينتشر القتال بين مصابين بفيروس وآخرين سالمين ينتصر فيه الفريق الأول ويبدأ الفريق الثاني بمحاولة الهرب من المصابين قبل انتقال الفيروس إليهم. المشكلة هي أن البوليس كان عزل المنطقة بأسرها ما يجعلهم غير قادرين على النفاذ صوب الأمان.‬
لكن من المريح أن الفيلم الفائز بجائزة مسابقة الفيلم الطويل هو واحد من تلك التي يستطيع الصغار مشاهدتها بالفعل. وهو «كليو» المنفذ على الكومبيوتر بنظام الأبعاد الثلاثة، وهو فيلم كندي من إخراج جان - فرنسوا بوليو وفرنساوا بريسون ويتناول حكاية مجموعة من الأولاد انعزلت في استراحة في بعض الجبال الثلجية خلال رحلة الهدف منها محاربة أسباب التغيير المناخي. أما قسم الأفلام القصيرة فيحفل بعدد أكبر من الأفلام بطبيعة تكوينها الزمني. لكن من بين أبرزها الفيلم اللبناني «أمواج 98» لمخرجه إيلي داغر الذي كان خطف سعفة مهرجان «كان» الذهبية كأفضل فيلم قصير في العام الماضي. فيلم راقٍ في معالجته ولديه الكثير مما يرمز إليه، ولو أن القليل من ذلك هو ما يصل إلى المشاهدين على نحو واثق.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.