رواية «الفتنة».. نص وثائقي ببناء معماري ركيك

كنعان مكية يعتذر فيها من الشعب العراقي والطائفة الشيعية

جنديان يفككان تمثال صدام حسين بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 الذي دعمه كنعان مكية.. وفي الإطار غلاف الرواية
جنديان يفككان تمثال صدام حسين بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 الذي دعمه كنعان مكية.. وفي الإطار غلاف الرواية
TT

رواية «الفتنة».. نص وثائقي ببناء معماري ركيك

جنديان يفككان تمثال صدام حسين بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 الذي دعمه كنعان مكية.. وفي الإطار غلاف الرواية
جنديان يفككان تمثال صدام حسين بعد الاجتياح الأميركي عام 2003 الذي دعمه كنعان مكية.. وفي الإطار غلاف الرواية

ما الذي يدفع مهندسا معماريا وكاتبا سياسيا مثل كنعان مكية لأن يكتب نصا روائيا؟ هل أن بريق الرواية قد أغراه لخوض هذه التجربة الأدبية التي تحتاج إلى خبرات فنية واسعة، ومؤهلات إبداعية قد لا يتوافر عليها كاتب النص الذي تسلل من دهاليز السياسة ومؤامراتها إلى فضاءات الأدب النقية، أم أن هناك أسبابا أخرى حرّضته على كتابة هذه الرواية التي صدرت بطبعتها الإنجليزية عن «دار بانثيون» تحت عنوان The Rope، أما ترجمتها العربية التي صدرت عن «منشورات الجمل» فقد ظهرت بعنوان «الفتنة»، لكنها خلت من اسم المترجم الأمر الذي يوحي لنا بأن الكاتب قد ترجمها بنفسه وارتكب الكثير من الأخطاء اللغوية والإملائية التي تقع خارج اهتمام هذه الدراسة النقدية.
لكي نتقصّى دوافع كتابة هذا النص الروائي لا بد لنا من التفتيش بين ثنايا الرواية نفسها وإشارات الكاتب التي قد تزودنا ببعض المفاتيح. يقول راوي النص الذي كان يحمل دفتر ملاحظاته في حقيبة قديمة: «أحملُ تلك الدفاتر معي حيثما ذهبت لأنني أقسمتُ أمام الله ونبيّه أن أسجِّل الحقيقة التي بدأتُ برؤيتها منذ ذلك اليوم، منذ تدلّى جسد الطاغية مُعلّقًا في حبل طوله مائة وعشرون سنتمترا» (ص14). يبدو أن الراوي مسكون بهاجس «التسجيل» الذي يوثِّق بواسطته الوقائع والأحداث وكأنه يتهيأ لكتابة نص توثيقي يعتمد على الحقائق والأرقام. وعلى الرغم من أهمية بعض هذه الأدلة الدامغة فإنها لا تنفع في كتابة نص روائي يجمع بين الحقيقة والخيال، ويحتاج إلى بناء معماري متقن، وشخصيات حيوية متفاعلة، ونهاية تنويرية تعْلق في ذاكرة القرّاء. وفي موضع آخر يعترف الراوي بحقيقة صادمة حينما يقول: «اخترت لأكتب قصة السيد مجيد. أمي وأبي أرادا ذلك. لأجلهما كتبتها. يشهد الله كم عانيت في كتابتها» (ص307). إذن، لم ينْوِ المؤلف مكيّة، الذي يختبئ خلف قناع الراوي، كتابة هذه الرواية لولا رغبة والديه التي حشرتْه في هذا المناخ التراجيدي المفجع الذي سبب له الكثير من الآلام والمعاناة. لعل القارئ يتحرّق شوقًا لمعرفة ثيمة الرواية، وأحداثها المؤسية، وشخصياتها الرئيسة والثانوية، والمصير الذي آلت إليه كل شخصية على انفراد.
إن من يقرأ رواية «الفتنة» يعتقد أنها تتمحور على مقتل السيد مجيد الخوئي في النجف يوم سقوط الطاغية؛ لأن قسمًا كبيرًا من الأحداث تدور حول البحث عن هوية القاتل: هل هو السيد، قائد جيش الإمام المُنتظر، أم أن هناك أعداءً آخرين له، خصوصًا أولئك الذين وصفوه بـ«العميل الأميركي» وقتلوه بذريعة التعامل مع القوات المحتلة؟ لعل هناك مَنْ يعتقد أن الرواية تدور حول الساعات الثلاث وبضع دقائق التي تمّ فيها تسليم الطاغية إلى الحكومة العراقية التي اقتادته إلى الشعبة الخامسة في الكاظمية، وأعدمته في اليوم الأول من عيد الأضحى لإثارة الفتنة، واستفزاز المكون السُني. وكما قال الراوي: «لقد كان أمرًا مُحرجًا من بدايته إلى نهايته. ما حدث كان عارًا ولم يبدُ أبدا عملية إعدام وفق القانون» (ص28) كما يلعب الطاغية دورًا مهمًا في الكشف عن الشخص الذي أوشى بوالد الراوي وغدر به، ولا غرابة في أن تكون النهاية صادمة عندما نعلم بأن الواشي هو عمّ الراوي نفسه، ولولا اللقاء الخيالي الذي جمع الراوي بالطاغية في تلك الغرفة الكئيبة لارتبكت النهاية وفقدت الرواية عنصرين من عناصرها الأساسية وهما المفاجأة والبناء المعماري الرصين.
تبدو الرواية من جهة ثالثة وكأنها بحث ودراسة في شخصيتين أساسيتين، هما الراوي وصديقه حيدر اللذان التحقا بجيش الإمام المُنتظر، وقاتلا المحتل الأميركي قبل أن يحوِّل «عصابة الثلاثة عشر» أو ما يُطلق عليهم خطأ بـ«البيت الشيعي» كراهيتهم نحو الداخل بهدف إثارة الفتنة. كل هذه القراءات صحيحة وممكنة، لكنها منسوجة نسجًا بوليسيًا فظًا ومضطربًا لا أثر فيه للبراعة أو الحِرفة الروائية.
تتناول الرواية موضوعات شتّى أضرّت بالنسق العام لها. فالكاتب كنعان مكيّة ليس روائيًا وقد جمع معلومات كثيرة بعضها ملفق، مثل حادث تفجير ضريح الإمامين العسكريين بسامراء الذي ينسبه الكاتب إلى منظمة متطرفة، بينما قطع القائد الأميركي جورج كيسي الشك باليقين حينما أعلن عن تورط إيران في تدبير هذا العمل الإرهابي، وبعضها الثاني يمجد الخرافة وما تنسجه الذاكرة الشعبية البسيطة حول رموز وهمية، وبعضها الثالث ينطوي على مبالغة صريحة في رسم صورة الديكتاتور الذي أذلّ سجانيه الجُدد وظل صامدًا حتى اللحظات الأخيرة قبل أن يتدلى جسده من حبل المشنقة.
إن سرد أسماء الميليشيات الشيعية والسنية لم يخدم النص الروائي؛ لأن القارئ يعرف هذه الميليشيات جيدًا وقد عانى القسم الأكبر من العراقيين من جرائمها ووحشية قادتها الذين فقدوا إنسانيتهم، وكان على الكاتب أن يكتفي بذكر المجموع الكلي لها للإشارة إلى الفوضى التي أعقبت سقوط الطاغية ودور إيران في تغذية النَفَس الطائفي من خلال الميليشيات التي كانت تغتال ضباط القوة الجوية أو القادة البعثيين، سواء أكانوا سنة أم شيعة.
لا شك في أن هذه الرواية تنطوي على جرأة واضحة وشجاعة كبيرة.. لكنها جاءت متأخرة جدًا في تعرية الأحزاب الدينية الطائفية التي تمسك بزمام السلطة في العراق.
لا يُقدِّم الكاتب كنعان مكيّة للقارئ السبب الذي أفضى إلى قتل السيد مجيد الخوئي، لكنه يطرح ثلاثة أسئلة تبدو جميعها منطقية ومُحتملة، وهي: «هل كان القتل نتيجة لصراع على الأموال؟ أم بسبب المشاجرة التافهة حول منْ باع نفسه للطاغية؟ أم نتيجة الحقد الدفين بين العرب والإيرانيين؟» (ص305).
إن ركاكة البناء المعماري قد امتدت إلى الشخصيات، ولا غرابة في أن يتوحش شخص مثل حيدر الذي غاب والده، لكنه عاد من إيران محملاً بالأحقاد الدفينة والرغبة في الانتقام، بينما غاب والد الراوي في سجن الرضوانية تاركًا لابنه رسالة مليئة بالدعوة إلى التسامح على الرغم من منهج العنف الذي هيمن في الحقبة الديكتاتورية السوداء، لكن هذا العنف الممنهج قد تضاعف في زمن الأحزاب الدينية. وقد أشار الكاتب غير مرة إلى ميليشيات حزب الدعوة التي تدير السجون وتمارس التعذيب لتعيد العراقيين إلى لعبة الجلاد والضحية من جديد وكأن شيئا لم يكن. لذلك قال مكية: «أعتذر أولاً من الشعب العراقي، وثانيًا من الطائفة الشيعية، لأنني لعبت دورًا قبل حرب 2003 لإضفاء الشرعية الدولية والعالمية على أولئك الذين كنا نسميهم طيلة التسعينيات «المعارضة العراقية»، وهم الذين حكموا العراق بعد 2003. هؤلاء لا يستحقون وصفهم بمعارضين لنظام البعث، ولا يستحقون أن يحكموا أحدًا. التاريخ سيسجل أنه ليس هناك تجربة سياسية فاشلة بحجم فشلهم، خصوصا المتشيعين منهم، فشل ستُضرب به الأمثال لأجيال. فشل لا مثيل له لا في القرن العشرين ولا هذا الذي نعيش مآسيه الآن، ولا حتى في أي بقعة من القارات الآسيوية والأفريقية والجنوب أميركية» (ص363).



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.