رواتب فلكية لمسؤولين تحرج حكومة روحاني وتثير غضب الإيرانيين

تتجاوز بمقدار 50 مرة الحد الأدنى للأجور الحكومية

إيرانيون یستخدمون جهاز صراف آلي أمام بنك في منطقة ونك شمال العاصمة طهران ديسمبر 2013 (غيتي)
إيرانيون یستخدمون جهاز صراف آلي أمام بنك في منطقة ونك شمال العاصمة طهران ديسمبر 2013 (غيتي)
TT

رواتب فلكية لمسؤولين تحرج حكومة روحاني وتثير غضب الإيرانيين

إيرانيون یستخدمون جهاز صراف آلي أمام بنك في منطقة ونك شمال العاصمة طهران ديسمبر 2013 (غيتي)
إيرانيون یستخدمون جهاز صراف آلي أمام بنك في منطقة ونك شمال العاصمة طهران ديسمبر 2013 (غيتي)

أثارت تقارير حول الرواتب الفلكية التي يتلقاها كبار الموظفين الحكوميين الإيرانيين بأركان البلاد جدلا كبيرا، خاصة في ظل مزاعم الحكومة في مكافحة الفساد، فيما وضعت شعبية الرئيس حسن روحاني على المحك، في خضم الركود الاقتصادي المستمر، وتحقق القليل من التحسينات الناتجة عن رفع حزمة العقوبات الاقتصادية الدولية في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وواصلت تقارير التي أثارت موجة من السخط الواسع النطاق في احتلال العناوين الرئيسية للصحف في أنحاء البلاد؛ مما أدى كذلك إلى استقالة رئيس الهيئة الرقابية على التأمين الحكومي، محمد إبراهيم أمين وفق ما أوردت صحيفة «الغارديان» البريطانية. ولقد كان أول اندلاع لتلك الفضيحة قبل شهرين مضيا عندما نشرت سلسلة من كشوف الرواتب على مختلف مواقع الإنترنت، التي أظهرت أن عددا من كبار المسؤولين التنفيذيين في المؤسسة التأمينية والمالية التابعة للدولة يتقاضون رواتب شهرية تتجاوز بمقدار 50 مرة الحد الأدنى للرواتب الحكومية.
وخلال هذا الأسبوع، أصدر الرئيس روحاني تعليماته إلى نائبه إسحاق جهانغيري، بفتح تحقيقات موسعة في الرواتب المبالغ فيها، وغير ذلك من المدفوعات الباهظة الأخرى التي يتلقاها المسؤولون الحكوميون. ولقد سعى خصوم الرئيس روحاني إلى استغلال تلك الفضيحة للهجوم على شخص الرئيس، الذي يرزح بالفعل تحت وطأة ضغوط هائلة من أجل تأكيد المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الاتفاق النووي المبرم العام الماضي.
حيث قال الرئيس الإيراني في خطابه وفقا لوكالة «إيسنا» الإخبارية الإيرانية: «إن التقارير تشير إلى وجود بعض الرواتب غير التقليدية، وغيرها من المكافآت أو القروض المسددة. قد تكون مثل هذه المدفوعات متوافقة مع اللوائح المعمول بها لدى الحكومات السابقة، لكن وبرغم ذلك، فإن الأمر برمته غير مقبول استنادا إلى قيم الأخلاق والإنصاف التي تلتزم بها الحكومة الحالية للبلاد».
تعليقا على أزمة رواتب ضخمة يتلقاها مسؤولون، صرح المتحدث باسم الحكومة، محمد باقر نوبخت في مؤتمره الأربعاء، بأن الحكومة تتصدى لأي قضية فساد بجدية. وفي الأسبوع الأخير شهد تسريب مبالغ مالية ضخمة يتلقاها رؤساء بنوك ومؤسسات التأمين في إيران جدلا واسعا في الشارع الإيراني. وكانت إدارة روحاني وجهت خلال الأيام الأخيرة أصابع الاتهام إلى حكومة أحمدي نجاد بتشريع قوانين لدفع تلك الرواتب.
ونفى نوبخت تلقي وزراء الحكومة الحالية رواتب «غير متعارفة»، وأوضح أن الرئيس بنفسه مطلع على الأموال التي يتلقاها أعضاء تشكيلته الوزارية.
وردا على مخاوف الإيرانيين من الفساد الكبير في المؤسسات المالية والاقتصادية الحكومية أفاد نوبخت أن النظام البنكي الإيراني بحاجة إلى تحديث، لكنه بالمقابل رفض ما وصفه بالمبالغة حول تفشي الفساد في المؤسسات المالية، كما حذر نوبخت من التركيز على قضية الفساد المالي في المؤسسات الحكومية ومن تأثيره السلبي في دخول المستثمرين الأجانب إلى إيران.
وبشأن ما تردد في غضون الأيام القليلة الماضية حول عزل مسؤولين كبار وتعديل في تشكيلة الحكومة الإيرانية وفق تلك التقارير، انتقد نوبخت ما تداول في الصحافة الإيرانية عن ارتباط شقيق روحاني برئيس بنك «رفاه» المتورط بفضيحة الرواتب العالية وقبل ذلك، ترددت تقارير بشأن تورط شقيق روحاني حسين فريدون في شبكة فساد اقتصادية واستجوابه. وقال: «إن ما تناقل في الأيام الأخيرة حول فساد مقربين من روحاني غاياته سياسية تسبق الانتخابات الرئاسية المقررة صيف 2017».
قبل ذلك بثلاثة أيام قدم نوبخت اعتذارا رسميا للإيرانيين بعد كشف رواتب ضخمة يتلقاها مسؤولون في الحكومة كان أبرزهم رئيس بنك «رفاه» 234 مليون تومان إيراني في حين متوسط الراتب الحكومي للموظفين لم يتجاوز مليون ونصف تومان. وفي غضون ذلك، أصدر رؤساء الجمهورية والبرلمان والقضاء أوامر عاجلة إلى الأجهزة التابعة لهم لفتح تحقيق حول رواتب المسؤولين، ومن جانبه صرح وزير العدل الإيراني مصطفى بور محمدي أن فضيحة الرواتب لا تشمل فريق الحكومة (الوزراء)، مضيفا أن تخص المؤسسات المالية الكبيرة، مثل البنوك وشركات التأمين.
وفي وقت تتعرض حكومة روحاني لضغوط كبيرة من خصومها في الداخل دافع بور محمدي عن ملف الحكومة في محاربة الفساد، قائلا: «إن السلطة القضائية تواجه مشكلات في التوقيت لدراسة الملفات الكبيرة في الفساد الاقتصادي للمسؤولين».
وبحسب صحيفة «اعتماد» الإيرانية، فإنها المرة السابعة التي تقدم فيها الحكومة الإيرانية اعتذارا للمواطنين، لكن الحكومة أيضا ألقت بالمسؤولية على الحكومة السابقة، في حين أن تصريحات سابقة لبرلمانيين أظهرت موافقة إدارة روحاني على قانون أقرته حكومة أحمدي نجاد بشأن دفع تلك المبالغ الضخمة، مشيرة إلى أن الحكومة كانت مضطرة إلى دفع تلك المبالغ؛ نظرا للمنافسة الكبيرة.
وبعد تداول تفاصيل تلك الفضيحة ترك مشاعر من الإحباط بين الإيرانيين خاصة مع دخول روحاني عامه الأخير من رئاسته وإخفاقه المتواصل في العمل بوعوده، وتظهر الإحصاءات أن روحاني نجح في الوفاء بـ13 وعدا من أصل 72 وعدا قطعها على نفسه أي ما يعادل 18 في المائة من وعوده.
ووفق تقرير للغارديان فإن أمين حاول، قبل تنحيه عن منصبه، أن يقدم تفسيرا للرواتب الباهظة في القطاع الذي كان يشرف عليه؛ حيث زعم أن كشوف الرواتب المسربة أظهرت وجود رواتب عالية للغاية بصورة غير متناسبة؛ لأنها اشتملت على سداد الرواتب المتأخرة للموظفين، التي كانت مستحقة السداد عن الأعوام السابقة. غير أن تصريحاته لم تقدم الكثير من أجل تهدئة حالة الغضب والسخط التي اجتاحت البلاد، ولا سيما في وسط المزيد والجديد من التسريبات حول الرواتب الحكومية المبالغ فيها في مختلف القطاعات الحكومية.
ومن غير المعروف من المسؤول عن تسريب كشوف رواتب مؤسسة التأمين الحكومية، التي أظهرت في حالة واحدة سداد راتب يبلغ أكثر من 870 مليون ريال إيراني (نحو 17.400 جنيه إسترليني) عن شهر واحد فقط. والحد الأدنى المعروف للرواتب الحكومية الإيرانية يقدر بمبلغ 9 ملايين ريال إيراني (نحو 180 جنيها إسترلينيا). وبموجب القانون الإيراني، فإن أعلى راتب للموظف الحكومي لا يمكن أن يتجاوز 10 أضعاف الحد الأدنى المذكور.
وتأتي هذه الفضيحة في وقت شديد الحساسية بالنسبة إلى الرئيس روحاني، الذي يواجه قدرا مزيدا من الضغوط الداخلية من أجل تعزيز اقتصاد البلاد، وهي النتيجة المتوقعة لإبرام الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية عن كاهل البلاد. وعلى الرغم من بعض الاستقرار الذي شهدته أسواق صرف العملات الأجنبية، فإن حالة الركود لم تفارق الاقتصاد الإيراني بعد، مع احتجاجات العمال التي تعم مختلف أرجاء البلاد؛ بسبب المطالبة بزيادة الأجور والمعاشات في الشهور الأخيرة.
غير أن المشكلات الاقتصادية في البلاد لا تزال ماثلة للعيان على الرغم من وعود الحكومة بشأن النهوض بالاقتصاد بعد التوصل للاتفاق النووي، وأثار في الأيام القليلة الماضية إعلان إفلاس شركة أرج، وهي أقدم مصنع للأجهزة الكهربائية في إيران، مخاوف بين الإيرانيين من إغلاق مزيد من المصانع وتفاقم أزمة البطالة بدخول نحو مليوني إيراني إلى قائمة الواقفين في طابور البحث عن لقمة العيش.



إسرائيل تخشى «صفقة ناقصة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تخشى «صفقة ناقصة» بين واشنطن وطهران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تبدو الحرب عند مفترق لا يُشبه وقفاً للنار بقدر ما يُشبه اختباراً متبادلاً للإرادات. فالولايات المتحدة أرسلت إلى إيران مقترحاً من 15 نقطة عبر باكستان، مع تداول أسماء تركيا ومصر أيضاً وسطاء أو ممرات رسائل، فيما يواصل الرئيس دونالد ترمب الحديث عن «محادثات بناءة»، وعن أنه يتعامل مع «الأشخاص المناسبين» في طهران.

وتنفي إيران علناً وجود مفاوضات، وتسخر من الخطاب الأميركي، في حين تواصل إسرائيل ضرباتها وتراقب بحذر احتمال أن يفضي هذا الحراك إلى تسوية لا تُحقق أهدافها بالكامل. وفي الخلفية، تتحرك قوات أميركية إضافية إلى المنطقة، بما فيها عناصر من «الفرقة 82» المحمولة جواً، بما يوحي بأن الدبلوماسية الجارية ليست بديلاً عن التصعيد، بل جزء منه.

مخرج أم مصالحة؟

وحسب ما رشح من تفاصيل في الصحافة الأميركية، لا تبدو خطة واشنطن «تسويةً وسطًا» بقدر ما تبدو محاولة لفرض شروط ما بعد الحرب بصيغة تفاوضية. فالمقترح، وفق التقارير، يتضمن إخراج مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف التخصيب، وكبح برنامج الصواريخ الباليستية، وتقليص دعم الحلفاء الإقليميين. كما تتحدث مصادر أميركية عن قبول إيراني ببعض هذه النقاط، من دون وجود دليل علني يثبت أن جهة إيرانية صاحبةَ قرار قد قدّمت مثل هذا التعهد.

كما أن «أكسيوس» نقلت أن الإسرائيليين أُبلغوا بأن إيران قد تكون وافقت على التخلي عن مخزون يناهز 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وقبول رقابة أممية مشددة، لكن حتى هذا بقي موضع شك داخل إسرائيل نفسها.

هنا تظهر المعضلة الحقيقية: واشنطن لا تعرض مصالحة مع النظام الإيراني، بل «مخرج مشروط» يُحقق لها 3 أهداف دفعة واحدة: خفض تكلفة الحرب على الأسواق، ومنع تحول إغلاق مضيق هرمز إلى فيتو إيراني دائم على التجارة والطاقة، وتثبيت المكاسب العسكرية في ملفي النووي والصواريخ. ولهذا بدا توصيف «نيويورك تايمز» دالاً حين ربط اندفاعة الإدارة نحو الخطة برغبتها في إيجاد مخرج من حرب هزت الاقتصاد العالمي.

أما «وول ستريت جورنال» فذهبت أبعد، فرأت في هذا المشهد «ضبابية دبلوماسية» مقصودة؛ حيث يمد ترمب يده للتفاوض فيما يهيئ اليد الأخرى للضرب.

استعراض للصواريخ الباليستية الإيرانية خلال حفل للقوات المسلحة في طهران خلال أغسطس 2023 (رويترز)

شروط إيرانية لشراء الوقت

في المقابل، لا توحي الرسائل الإيرانية بأن طهران مستعدة لتوقيع استسلام سياسي. فـ«رويترز» تحدثت عن تشدد إيراني يشمل المطالبة بضمانات ضد هجمات مستقبلية، ورفض فرض قيود على البرنامج الصاروخي، فيما تحدثت مصادر أخرى عن مطالب تشمل تعويضات، ورفع العقوبات، وإخراج القوات الأميركية من الخليج، وربط المرور في «هرمز» بترتيبات تتحكم بها إيران.

ونقلت تقارير أميركية أن مسؤولين أميركيين وعرباً وصفوا بعض هذه المطالب بأنها غير واقعية ومفرطة، فيما وصفها مسؤول أميركي بأنها «سخيفة» أو أقرب إلى شروط تعجيزية.

لكن هذه الشروط، مهما بدت قصوى، لا تعني بالضرورة أن إيران أغلقت الباب نهائياً. فهي قد تكون جزءاً من محاولة لرفع سقف التفاوض، أو لتأكيد أن أي حديث عن وقف الحرب يجب أن يبدأ من وقف الضربات والتعويض وطمأنة النظام أنه لن يُستدرج إلى مفاوضات تحت النار ثم يُفاجأ بضربة جديدة.

«أكسيوس» نقلت بوضوح أن مسؤولين إيرانيين يشتبهون في أن ترمب يحاول تهدئة الأسواق وكسب الوقت لخططه العسكرية، عبر الحديث عن تقدم دبلوماسي غير موجود فعلياً، وهو ما يفسر الإصرار الإيراني العلني على النفي، حتى مع الإقرار بتبادل الرسائل عبر وسطاء.

المشكلة الأعمق أن أحداً لا يبدو واثقاً بمن يملك قرار التوقيع داخل طهران. «أكسيوس» و«رويترز» أشارتا إلى فوضى داخلية وصعوبة في الاتصالات داخل النظام، مع غموض يحيط بمدى قدرة أي وسيط، بمن في ذلك رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، على الالتزام باسم مراكز القوة كافة، ولا سيما «الحرس الثوري». وهذا يعني أن جزءاً من الحراك الحالي ليس تفاوضاً على البنود فقط، بل اختبار لمعرفة من بقي قادراً على اتخاذ القرار في إيران بعد أسابيع من الاستنزاف.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

الحذر الإسرائيلي

التحفظ الإسرائيلي ليس على الخطة من حيث المبدأ، بل على احتمال أن يحولها ترمب إلى مخرج سياسي سريع يوقف الحرب قبل استكمال الأهداف الإسرائيلية. فـ«أكسيوس» نقلت عن مصادر إسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخشى أن يبرم ترمب اتفاقاً يقل كثيراً عن الأهداف الإسرائيلية، ويُقيد حرية إسرائيل في مواصلة الضربات مستقبلاً. كما أن مسؤولين إسرائيليين شككوا أصلاً في أن تكون إيران قدمت فعلاً التنازلات التي تقول واشنطن إنها تلقتها. ووفق «رويترز»، تريد إسرائيل أن يحتفظ أي اتفاق بحقها في شن ضربات استباقية لاحقاً.

هذا التوجس مفهوم لأن الفجوة بين أولويات الطرفين اتسعت. إسرائيل تريد تغييراً استراتيجياً عميقاً، يضمن ألا تستعيد إيران قدرتها على التهديد، في حين يبدو ترمب معنياً أكثر بتثبيت مكاسب الحرب، ومنع انفجار اقتصادي عالمي ينعكس عليه داخلياً، خصوصاً بعد تقلبات النفط والأسواق؛ لذلك فإن ما تراه إسرائيل «تنازلاً خطيراً» قد يراه البيت الأبيض «صفقة عملية» إذا حققت وقف التخصيب مؤقتاً، وفتحت «هرمز»، وخففت الضغط على الأسواق، حتى لو رُحّل جزء من الملفات إلى تفاوض لاحق.

جنود من «الفرقة 82» المحمولة جواً في نورث كارولاينا فبراير 2022 (نيويورك تايمز)

دبلوماسية بغطاء عسكري

إذا كان هناك ما ينسف فكرة أن المنطقة تتجه سريعاً إلى التهدئة، فهو التحشيد العسكري الأميركي المتزامن مع الرسائل السياسية. فالتقارير تتحدث عن توجيه عناصر قيادة من «الفرقة 82» المحمولة جوّاً و«لواء مشاة» من عدة آلاف إلى الشرق الأوسط، بما يوسع هامش الخيارات للعمليات البرية المحتملة، إضافة إلى وحدات من مشاة البحرية في الطريق. ووصفت «وول ستريت جورنال» هذا الأسلوب بأنه «دبلوماسية على طريقة ترمب»: تفاوض تحت النار، مع اقتراب 2200 من مشاة البحرية ثم احتمال لحاق قوة إضافية من المارينز وعناصر من «قيادة 82» المحمولة جواً.

المعنى السياسي واضح: واشنطن تريد أن تقول لطهران إن باب التفاوض مفتوح، لكنه ليس بديلاً عن الاستعداد لمرحلة أشد. وهذا ينسجم أيضاً مع تفضيل الإدارة، وفق «أكسيوس»، التفاوض من دون وقف مؤقت للنار، حفاظاً على الرافعة العسكرية. أي أن الخطة الأميركية ليست عرض سلام كلاسيكياً، بل جزء من معادلة ضغط: وافقوا الآن فيما ما زالت الضربات جارية، وإلا فثمة تصعيد أكبر، ربما يشمل ضرب البنى المدنية للطاقة أو عمليات أكثر تعقيداً في الميدان.

في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب سلام وشيك، و«الضبابية الدبلوماسية» ليست وصفاً عابراً، بل جوهر اللحظة نفسها.


نتنياهو أوقف خطة «الموساد» لإسقاط النظام الإيراني

بنيامين نتنياهو ومدير «الموساد» ديفيد برنياع في القدس (د.ب.أ)
بنيامين نتنياهو ومدير «الموساد» ديفيد برنياع في القدس (د.ب.أ)
TT

نتنياهو أوقف خطة «الموساد» لإسقاط النظام الإيراني

بنيامين نتنياهو ومدير «الموساد» ديفيد برنياع في القدس (د.ب.أ)
بنيامين نتنياهو ومدير «الموساد» ديفيد برنياع في القدس (د.ب.أ)

في خضم نقاشات دائرة داخل إسرائيل بشأن تقديرات «جهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد)» بأن الحرب على إيران قد تؤدي إلى إسقاط النظام، كُشف، الأربعاء، عن «صراع محتدم بين الأجهزة الأمنية» دار خلال السنوات الأخيرة بشأن الجهة التي تتولى هذه المهمة.

تبيّن أن «الموساد» أعدّ خطة واسعة بمليارات الدولارات، وبدأ تنفيذها، قبل أن يوقفها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بعدما ظهر أنها غير ناضجة وتفتقر إلى مقومات النجاح. وكُلّف الجيش والمخابرات العسكرية بإعداد خطة بديلة، لكن اندلاع الحرب سبق اكتمالها.

«هدف مبالغ فيه»

تشير النقاشات الجارية في أروقة الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية إلى أن طرح إسقاط النظام بوصفه هدفاً مباشراً للحرب كان مبالغاً فيه، ولا يستند إلى أساس واقعي متين.

وأدى ذلك إلى خيبة أمل داخل إيران وخارجها، فيما دفع طهران إلى ردود فعل متوترة، شملت توسيع دائرة الهجمات لتطول نحو 12 دولة، بينها دول خليجية سعت إلى تجنب التصعيد.

وفي ضوء ذلك، خفّضت واشنطن وتل أبيب سقف التوقعات بعد الأسبوعين الأولين، ليُطرح بدلاً من ذلك أن الحرب قد «تمهّد» لظروف داخلية تُفضي لاحقاً إلى تغيير النظام، خلال عام أو أكثر.

وتصاعد الجدل مطلع الأسبوع، بعد تقارير في واشنطن أفادت بأن «الموساد» أوحى لنظرائه الأميركيين بأن الأيام الأولى للحرب قد تشهد خروج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع؛ مما يسرّع إسقاط النظام.

وعُدّ هذا التقدير من بين العوامل التي شجّعت الرئيس، دونالد ترمب، على خوض الحرب؛ مما زاد الانتقادات داخل الولايات المتحدة لإسرائيل، واتهام نتنياهو بدفع واشنطن إلى مواجهة لا تخدم مصالحها.

لقطة من فيديو نشره الجيش الإسرائيلي أمس تظهر لحظة استهداف مقر خامنئي (أ.ف.ب)

خطة قديمة

وسارع رئيس «الموساد»، دودي برنياع، إلى نفي تلك الأنباء. ونقلت «يديعوت أحرونوت» أن برنياع أكد أنه لم يتعهد قبل الحملة ولا خلالها بإسقاط النظام، بل أشار إلى أن ذلك قد يتحقق فقط بعد انتهاء العمليات.

مع ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن مصادر استمعت إليه وإلى نائبه قالت إنه، وإن لم يقدّم تعهداً صريحاً، فإنه أوحى بإمكانية تحقيق هذا الهدف.

وكشف التقرير عن أن خطة إسقاط النظام وُضعت في «الموساد» بعد هجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بطلب من نتنياهو، الذي يولي أهمية منذ عام 2011 لهدف تحييد التهديد الإيراني.

واستُثمرت مليارات الدولارات في هذه الجهود على مر السنين، لكن الخطة عانت تكرار الحاجة إلى تعديلات جوهرية؛ مما دفع نتنياهو إلى رفضها بسبب مخاطرها وعدم نضجها.

ووفق التقرير، فإن جذور الخطة تعود إلى عهد رئيس «الموساد» الأسبق تمير باردو (2011 - 2016)، ولم يتحمس لها خليفته يوسي كوهين (2016 - 2021)، قبل أن يعيدها الرئيس الحالي، دودي برنياع، إلى الواجهة ويطلب موارد إضافية لها حصل عليها. وبقيت تعاني ثغرات مزمنة.

وفي مارس (آذار) 2024، قرر نتنياهو إسناد إدارة الحملة ضد إيران إلى الجيش الإسرائيلي، بقيادة رئيس الأركان حينها هيرتسي هاليفي وقائد سلاح الجو تومر بار. وقدّم رئيس شعبة العمليات خطة الضربة الافتتاحية التي أصبحت لاحقاً أساس عملية «الأسد الصاعد» في يونيو (حزيران) 2025، والمنفّذة حالياً ضمن عملية «زئير الأسد».

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

قائمة طويلة من الثغرات

وقد تعلق الأمر بـ«الموساد»، فقد شُكّلت لجنة برئاسة يعقوب نيغل، القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، لفحص الخطة العملياتية. وأوصت اللجنة بوقفها بعد رصد «قائمة طويلة من الثغرات»، وهو ما حدث بالفعل. ومع ذلك، فإن التقديرات تشير إلى أن أجزاء من الخطة الأصلية أُقرّت ونُفذت.

ويرى مراقبون في تل أبيب أن هناك حالة إحباط لدى نتنياهو بسبب عدم تحقق التقديرات المتفائلة بشأن إمكانية إسقاط النظام. غير أن الاختبار الحاسم، وفق «يديعوت أحرونوت»، لا يزال أمام إسرائيل: فإذا انهار النظام خلال عام، فسيُحسب ذلك لرئيس «الموساد»، أما إذا لم يحدث، فسيُطلب منه تفسير مدى امتلاك الجهاز خطة عملياتية محكمة.

ويخلص التقرير إلى أن الدرس الأوسع يتمثل في ضرورة عمل المنظومة الأمنية بوصفها وحدة متكاملة، بدلاً من تنافس الأجهزة على تقديم خطط منفصلة، فيما تبقى المسؤولية النهائية على عاتق المستوى السياسي في تحديد الأهداف وتوزيع الموارد ومراقبة الجاهزية، وهو ما لم يتحقق دائماً بشأن إيران.


وزير الخارجية التركي ونظيره الصيني يبحثان جهود إنهاء حرب إيران

وزير الخارجية التركي ‌هاكان ‌فيدان  (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي ‌هاكان ‌فيدان (أ.ف.ب)
TT

وزير الخارجية التركي ونظيره الصيني يبحثان جهود إنهاء حرب إيران

وزير الخارجية التركي ‌هاكان ‌فيدان  (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي ‌هاكان ‌فيدان (أ.ف.ب)

كشف مصدر ​دبلوماسي تركي، اليوم (الأربعاء)، أن وزير الخارجية ‌هاكان ‌فيدان ​ناقش ‌الحرب ⁠على ​إيران وجهود إنهاء ⁠الصراع خلال اتصال هاتفي مع ⁠نظيره ‌الصيني وانغ ‌يي.

وأضاف ​المصدر ‌أن ‌الوزيرين «شددا على ضرورة إنهاء ‌الحرب فوراً»، وأكدا «الأهمية البالغة» ⁠لاستمرار عمل ⁠خطوط النقل وسلاسل الطاقة والإمداد دون انقطاع.

وقُتل ‌آلاف الأشخاص في أنحاء الشرق الأوسط منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران في 28 فبراير (شباط)، وردت إيران بغارات جوية على إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة.

وكشفت «وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان» (هرانا) ومقرها الولايات المتحدة، أمس (الثلاثاء)، إن 3291 شخصاً لقوا حتفهم في إيران، بينهم 1455 مدنياً، منهم 217 طفلاً على الأقل. وتقول الوكالة إنها تجمع بياناتها من تقارير ميدانية ومصادر محلية وطبية وإغاثية ومن منظمات المجتمع المدني ومواد من مصادر مفتوحة ومن البيانات الرسمية.

من جهته، أفاد سفير إيران لدى الأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، بأن ما لا يقل عن 1500 مدني قتلوا في الغارات الأميركية والإسرائيلية حتى الآن.