ميلان كونديرا وأنطولوجيا «الجهل»

معه نقرأ التاريخ ببؤسه وطغيانه وحروبه ودماره وما أحدثه من ألم وجروح لا تندمل

غلاف رواية "الجهل"
غلاف رواية "الجهل"
TT

ميلان كونديرا وأنطولوجيا «الجهل»

غلاف رواية "الجهل"
غلاف رواية "الجهل"

ينطوي عمل كل روائي على رؤية مضمرة لتاريخ الرواية، وعلى فكرة ماهية الرواية، إذ من خلالها يتم تنوير الوجود الإنساني وحمايته ضد كل أشكال النسيان. إنها مرآة عاكسة لتعقد الوجود. فحين تجالس «ميلان كونديرا»، أكان ذلك على مقعد في أحد المقاهي، أو تمشيا بصحبته في أحد الأحياء، أو السفر بصحبته حتى اليونان والتيه معه في أساطيرها التي لا تنتهي، أو جالست أبطال رواياته، ستجد في داخل كل هذا «كونديرا» فعلا. فالوطن، كفكرة متعالية مجردة، سيكون حاضرا حتى النخاع. إنه حب، بل عشق، حتى وإن كان من طرف واحد، يتجسد في شخوص كل رواية من رواياته. فهم (أي الشخوص) يطبعهم الخوف من العودة لأنها ستكون عودة مؤلمة غير مرحب بها، ولأنه وطن لا يفهم منطق الحب «الكونديري»، حيث نلمس هذا في ردود فعل متمردة. إن «كونديرا»، المتمرد العابث، سيدافع عن وجوده من خلال تلك الآليات لأنها الملاذ من أجل الاستمرار، وفي تحمل حب بهذا الحجم، أمام عدم القدرة على فعل شيء، أو تغيير شيء، أو تحقيق شيء. فعلى حد تعبيره «كلما كان الزمان الذي تركناه خلفنا رحبا، كان الصوت الذي يدعونا إلى العودة» أشد طغيانا. فهي عودة «أنطولوجية» ليس هناك مجال لمقاومتها. وعلى الرغم من الحياة المريحة في الغربة، فإن هناك اختيارا دائما للعودة، مع أنها عودة إلى مجهول غير مضمون العواقب، لا تتوقع ما ستكون ردة فعله، فالعودة كمغامرة ترفض دائما الانتهاء. ولأن العودة هي «مصالحة مع نهاية الحياة»، سنقرأ مع كونديرا التاريخ بلا هوادة، بكل بؤسه، وطغيانه، وحروبه، ودماره، وما أحدثه من ألم وجروح لا تندمل أبدا عند من خاضها أو عاشها. فأينما حلوا وارتحلوا، يحملون هما مثقلا، وبؤسا لعينا، وعيا شقيا لا يتوقف، بمعنى تحمل حياة ليست بالحياة. إنها قوة كامنة لا تتوفر للكل. فحتى أحلامهم باتت تتكرر بالصيغة نفسها، والأسلوب نفسه، وكذلك الألم. وفي خضم كل هذا، يرفضون الموت. إنها إرادة الحياة التي تنتصر على الرغم من القهر. هل نقول إنهم زومبي ZOMBIE؟ ولم لا؟! فهو الآخر يرفض الموت النهائي تحت وطأة شظايا مشاهد لا تنتهي، نابعة من أحضان الماضي. فـ«إرينا» مثلا، بطلة رواية «الجهل»، ستجسد بشكل عميق ما طرحته سابقا. ففي حديثه عن لقاء بين «إرينا» وأمها، بعد قطيعة دامت 17 سنة، نلاحظ أن اللقاء جاء فاترا باردا وصاعقا. فالأم جاءت من براغ إلى باريس، ولم تهتم لما يمكن أن تكون عليه «إرينا»، التي تحاول بدورها جاهدة لرسم صورة جميلة عن وجودها في باريس، صورة لا تكترث لها الأم بتاتا. إنه تعميق لمفهوم «الغربة» بكل معانيه عند «إرينا». فحتى العيش في وهم الحياة السعيدة لم تمنحها إياه الأم. بل كان حضورها تعميق للإحساس بالدونية والعجز، وبارتباط واه ما زال يجمعها بكل شيء. إنه الشعور بألا يكون المرء هو نفسه. إذن ففكرة الانفصال عن أي شيء، وعن أي شخص، لم تنجح بعد موت شخوص «كونديرا». إنه رجوع إلى الخلف، شعور بالضعف وبالشفقة على الذات، وبكل الأحاسيس السلبية غير المرغوب فيها. قد يبدو المرء أكثر وضوحا مع «إرينا» أثناء اقتنائها فستان الفرح في لحظة أجبرت عليه، وجلب عليها الكوابيس. فروحها قد أنشطرت بين رغبتين متناقضتين: رغبتها في العودة من جهة، ومقتها لعالمها السابق من جهة أخرى. تناقض عجيب يحمل بين طياته كل معاني الحنين الدفين والعميق للمكان. إنها المعاناة في شتى تجلياتها، إنها الحاجة إلى البوح والبكاء، والرغبة في الانعتاق من دون جدوى.
ويحدث أن تتحقق فكرة العودة. لكن عن أي عودة سوف نتحدث مع كونديرا؟ هل هو رجوع لذات مفرغة من أي تاريخ؟ أم لذات ما زال كل التاريخ يحبس أنفاسها؟ أم ذات أنشأت لنفسها تاريخا جديدا مضافا إلى ما سبق؟ أم ذات متشظية بين كل التواريخ؟
إن عودة «إرينا» إلى «براغ»، واللقاء بينها وبين صديقاتها القديمات في ليلة ساهرة ماجنة، لم يوصلاها إلا إلى هوة سحيقة في داخلها. إذ إنه السقوط في اللاشيء واللامعنى. فلم يحرك أي شيء شيئا. الكل ساكن غريب مهما بلغ عمقه (ضحكات تافهة، كلام مقزز، موسيقى مملة). إذن، هل الانتشاء ما زال حاضرا في موسيقى العودة؟ أم أن ضريبة العودة ما زالت تدفع بشكل أو بآخر؟
إنه الخوف المبهم من كل شيء. خوف يتجسد في وحدة عميقة للذات، وحدة ضد كل شعارات البلد الجديدة «إخوة لجميع الأعراق، امتزاج جميع الثقافات، وحدة الكون، وحدة البشر...». إنها الصور الدعائية الجوفاء التي يتم تسويقها بعيدا عن ذوات منهكة منشرخة منهزمة تريد الاعتراف بالخضوع. إنها ذوات «مريضة تعاني من نقص في الحنين»، ومن «تشوه مازوشي في الذاكرة». فالذكريات ننسجها ونحكيها حين نقطن البلد، وليس حين نبتعد عنه. فتاريخ الذاكرة يتم تشويهه في هذا الانقسام بين زمانين ومكانين مختلفين تماما. إنه الحاضر المهزوم الآسر المنتزع للماضي. ستنتقل الأحداث بين «إرينا» و«جوزيه». لكن الحال يبقى هو نفسه. إنها الغربة العميقة التي تنخر كل كيان على الرغم من مزاعم العودة. إن من يقرأ لكونديرا سيلمس عبثا ووهما يجر وراءه كل معنى وكل حقيقة وكل إيمان. إنها متاهة اللاشيء التي نغلفها بكثير من القيم الواهمة. فاللاشيء يجرنا إلى عبثية المعاني، ويعبر ربما عن وعكة روحية، أو طاقة مكبوتة، أو شاعر متمرس في وصف حقيقة وجودنا. إنه الجهل بكل شيء. إنه معرفة ناقصة بالذات، برغباتها ومتاهاتها، وبالآخر أيضًا في كل أبعاده، وبالكون وامتداداته. إننا نتخبط مع «كونديرا» في مياه وسطح وقعر، بلا هوادة ومن دون توقف. لا نحن ننجو ولا نغرق. عذاب بلا توقف – متعب هذا المآل. لكن ما يثير الانتباه في كتابات كونديرا هو أن القارئ يجد نفسه أمام ذات عارية لضربات سوط تلو سوط، لا تتوقف عن إحداث الألم والقلق والضجر والخيبات والانتكاسات، وطابوهات فارغة، وآيديولوجيات جوفاء، وقيود أسرة. لكن الذات لا تتوقف في البحث عن الحرية والانعتاق، عن لحظات من الانتشاء اللامنطقية. فالذاكرة الإنسانية لا تمسك من الماضي سوى بأجزاء صغيرة بائسة من دون أخرى، من دون أن تكون لدينا إمكانية معرفة لماذا هذا اللغز؟ لماذا هذا الاختيار؟ إنها الحياة الإنسانية باختصار. فليست لدينا الذاكرة نفسها حتى لو عشنا المواقف عينها. لكل منا ما يخصه: لا تشابه، لا تقاطع، لا مقارنة. لكن الشيء الأكيد هو أننا عشناها معا. لكن ليس بالطريقة نفسها حين نحاول تكرارها. إنها الألغاز الإنسانية في أبعادها كافة. فـ«إرينا»، وهي حالمة تمشي بين شوارع براغ كحقيقة، وبين شوارع «باريس» كصورة، ينتابها إحساس بالسعادة في «باريس» عنها في «براغ». غير أن رباطا سحريا جماليا لا يربطها سوى بـ«براغ». تفهم فجأة لماذا تحب هذه المدينة، وكم كان رحيلها عنها إلى الأبد مؤلما – وداعات مزيفة وغير ضرورية وثلجية بينما تقول لنفسها: «من خسر هذه الوداعات لا يمكن أن ينتظر شيئا ذا شأن من هذه اللقاءات». لكن لكل مدينة سحرها الذي لا يعرفه إلا من ذاب فيها: «ماشا شاعر الزمان، نيرودا قصاص الشعب التشيكي، أغاني فوسكوفيك وفيريتش في الثلاثينات، هرابال وسكفوريسكي»، إنهما رمزان للحرية، حران على نحو بهيج بفكاهتهما الوقحة. هذا هو عطر هذا البلد الذي لا يمكن الوصول إلى جوهره اللامادي الذي حملته معها إلى «فرنسا». إنه اليوم الأخير لتحقيق الوداعات، وداع للمدينة التي تحب بين جميع المدن، لكنها مستعدة في الوقت عينه لفقدانها دون أسف، لتكون جديرة بحياتها. وما ترغب فيه الآن هو الحب من دون أي امتنان، لأن الامتنان هو مجرد اسم آخر للضعف، للتبعية. وما يثير الانتباه عند «كونديرا» هو دقته في وصف المحيط، وما يصاحب ذلك من تأويلات وتشبيهات كثيرة. وفي الغالب لا يكون الأبطال عند كونديرا أحرارا في مصيرهم، وفي أخذ قراراتهم. لكن عندما تكون الظروف مواتية لأخذ القرار، يصبح الأمر صعبا. فأبطاله يتحنطون في متاهات من القرارات والأفكار والانفعالات إلى درجة تصبح فيها عملية الحسم صعبة. فالبطل يصبح معه كائنا زلقا يمكن أن تتوقع منه أي شيء وفي أية لحظة. إنها أزمة كائن ومتاهة لا تنتهي. أو بشكل مختصر، إنه في أبعاده الوجودية القلقة المؤرقة كلها، ربما ما يعمق هذا تلك العودة وأية عودة. عودة انقطع فيها جسر التواصل بين الكل، فلا أحد يهتم لأحد. فأنت تنسى كأنك لم تكن حتى من الأكثر قربا، فلا أحد يكترث لما صرت عليه. مفارقة نحاول جاهدين تقريب منطقها من دون جدوى. يجب أن تتعود على أن تعبر الحياة دون اهتمام أو إصغاء أو انتظار للرحمة من أحد. ولعل لقاء «إرينا» و«جوزيه» أكد ذلك حقا. فقد كان لقاء ظنناه للوهلة الأولى لقاء حبيبين. صرنا نتنفس الصعداء مع «كونديرا» لأن اللقاء كان بعد فراق طويل جدا مع ما صاحبه من حميمية. لكننا نصدم حين يقرر «جوزيه» الذهاب لحاله بكل بساطة، دون اكتراث لـ«إرينا» التي ما زالت تحتفظ بتذكار عن الأيام الخوالي. فحتى اسمها لم يعد يذكره – إنها المهزلة الكونديرية في قمتها. فقد أصبح اللقاء بلا معنى، بلا قيمة، بلا ذكرى. فكل شيء إلى مزبلة النسيان. لذا فإن الوطن والعودة «الكونديرية» ليستا كمثيلاتهما عند عبد الرحمن منيف، أو غسان كنفاني، أو الطيب صالح مثلا. إنها عودة اللاعودة. إنها رغبة اللارغبة. إن كل القيم في سلة المهملات. إننا أمام الكائن المتأزم، السارح في الملكوت ينتظر هلاكه. وهو في ذلك متسلح بالنسيان، بالعبث، باللامبالاة من أجل الاستمرار، ولكي لا تخنقه كل هذه الأعاصير من القلق والتيه والعبث.



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.