محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

الشاعر والناقد السعودي يرى أن حياتنا العربية أساءت لتطور الشعر

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا
TT

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

عرف الناقد والشاعر السعودي محمد الحرز، باشتغالاته النقدية على قراءة المشهد الثقافي السعودي، ورصد التحولات التي يمرّ بها، كما يعرف بأنه واحد من شعراء التجربة الحداثية التي أثراها من خلال أربع مجموعات شعرية قدمها، وهي: «رجل يشبهني»، دار الكنوز الأدبية، 1999. و«أخف من الريش أعمق من الألم»، دار الكنوز الأدبية، 2003. و«أسمال لا تتذكر دم الفريسة»، الصادرة ضمن إصدارات «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009»، وأخيرا «سياج أقصر من الرغبات»، عن دار طوى 2013.
وصدر له أيضا في النقد والدراسات الفكرية: «شعرية الكتابة والجسد»، عن مؤسسة الانتشار العربي، 2005، و«القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة»، عن نادي أدبي الجوف. و«يصرون على البحر» انطولوجيا الشعر السعودي، من إصدارات وزارة الثقافة الجزائرية، بالاشتراك مع الناقد عبد الله السفر، و«الحجر والظلال» عن دار طوى 2013، و«ضد الطمأنينة» عن دار مدارك 2013.
التقينا بالشاعر والناقد السعودي محمد الحرز، في الأحساء حيث يقيم، وأجرينا معه الحوار التالي:

* بالإضافة للنقد لديك تجربة شعرية حداثية ناضجة سجلت إضافة مهمة لقصيدة النثر. كيف تقرأ الواقع من زاوية أن تكون شاعرا؟
- ثمة حلم أشبه ما يكون بالطوباوي، يطارد الشعراء أينما حلوا، وإلى أي مكان ارتحلوا هو: الإقامة الشاعرية على الأرض.
هذا الحلم يتحول في أحيان كثيرة عند بعض الشعراء إلى نوع من التراجيديا، تجاربهم توحي بذلك، فتدفق النظرة الشاعرية عند الشاعر إلى الأشياء من حوله، وإلى علاقاته الاجتماعية، وسريان هذا التدفق في نسق تصوراته للحياة والكون والعالم، يجعل من ذاته أسيرة المثالية المفرطة، وبالتالي أسيرة الهشاشة والانكسار إزاء تناقضات الحياة. هكذا تعّلِمُنا تلك التجارب: أن كل شاعر حاول أن يعيش وفق نظرته الشاعرية، ويتطابق معها حد التلاشي، فإن المأساة تنتظره في أحد منعطفات حياته. لذلك بالنسبة لي خلق عالم بديل من الكلمات والأشياء، يوازي الواقع المعاش، هو ما يحافظ على التوازن النفسي والروحي والوجودي، حيث تصبح الحياة من خلال هذا التوازن ممكنة التعايش والانسجام مع الذات من جهة، ومع الآخرين من جهة ثانية. ربما كانت القصائد التي نكتبها لا تعبر عن هذا التوازن فقط، وإنما تقول شيئا يتجاوز ذلك بكثير، تقول: ثمة أمل ورغبة في أن تعيش الإنسانية يوما ما وفق قوانين الشاعرية على هذه الأرض، ووفق تاريخ الشعر المرتبط بذاكرتها.
* كيف توفق بين كونك ناقدا تحمل المبضع وتمزق أشلاء النصوص، مع رقة الشاعر الذي يتحاشى المعارك النقدية؟
- لا يوجد ثمة تناقض، فالنقد لا يلغي الشعر في ذات الشاعر، ولا الشعر يلغي النقد في ذات الناقد، فمن الأفكار الشائعة التي تدخل الاتجاهين في تناقض تام، هي مجموعة من المسلمات التي ورثناها من خطابنا النقدي العربي، جميعها كانت ترتكز على مؤثرات المنطق الأرسطي في اللغة والنحو والبلاغة وعلم الكلام والنثر والشعر. وهي مؤثرات تستند على فكرة الفصل المعياري بين صنوف المعرفة، فالشعر هو الشعر والنثر هو النثر، لا يلتقيان. بينما المفارقة التي تبرز في تاريخ الثقافة العربية، هو وجود علماء، على سبيل المثال، برعوا في العلوم الدينية بجانب الأدب شعرا ونقدا، دون أن يشعروا بمثل هذا التناقض. ناهيك أن الثقافة المعاصرة، لا تعترف بالحدود فيما تنتجه من أنواع المعرفة، فتاريخ سير المبدعين والمفكرين في العصر الحديث يشير إلى وجود منجز ثري ومتنوع عند هؤلاء، يتراوح بين الشعر والرواية وبين الفكر والفلسفة أو المسرح والموسيقى. من جهتي لم أشعر يوما ما بالفصل التام بين ما أكتبه شعرا، أو ما أكتبه نقدا، بل أرى أنهما يتقاطعان عندي من العمق، وكل جانب منه يرفد الآخر، ويثريه في الرؤية والأسلوب والتقنية.
* مجموعاتك الشعرية الأربع: «رجل يشبهني»، و«أخف من الريشة أعمق من الألم»، و«أسمال لا تتذكر دم الفريسة» و«سياج أقصر من الرغبات» تحمل تجارب متنوعة.. كيف تعبر هذه المجموعات عن تأثير الزمن في محطاتك الشعرية؟
- الزمن مكون أساس من مكونات أي تجربة إبداعية أو فكرية، والإحساس به وتلمس مكامن قوة تأثيره، يتطلب حساسية مفرطة في التقصي والبحث. لم أع هذه الحقيقة إلا لاحقا، عندما اكتشفت أن ثمة علاقة طردية بين الكلمات والجسد، فدماء الكلمات لا تتجدد إلا إذا شاخ الجسد بكل مخزونه الفكري والروحي والتخيلي. الزمن يلعب لعبته هنا، لا توجد تجربة إبداعية تضيء نفسها من الداخل إلا بعد أن يكون الجسد استسلم تماما لمشرط الزمن وتأثيراته التي تصل إلى عمق الروح. لكن هذا التلازم الشرطي في العلاقة بين تجدد الكلمات وضخها بمعان ودلالات، وبين تهدل الجسد بفعل الزمن، لا يدركه سوى المبدع الذي عمل على إيجاد صلة قوية بين حياته داخل القصيدة، وحياته داخل الجسد. لذلك هذا الاكتشاف، لا يعني بالضرورة أنني عملت على إيجاد مثل هذه الصلة. في مجموعاتي الأربع حاولت كثيرا تلمس منابع هذه العلاقة، لا أدعي النجاح. لكني على الأقل عرفت أين هي جهة البوصلة؟

الوجع.. والخوف
* ثيمة «الوجع- الألم» نابضة في قصائدك.. وتبرز أكثر في مجموعته «أخف من الريش أعمق من الألم»، حيث تقول: «كلما أردت تحريك قلبك إلى الجهة المقابلة: تريث... هناك جهة أخرى، تستحق الوجع، بالطبع هناك أوجاع تنتظر المرور».. لكأن المعاناة والحزن «مصيرٌ لجوجُ»؟
- مفردة الألم تشكل لحظة تحول عندي في الكتابة الإبداعية، وهي المفصل الحقيقي بين مرحلتين، ليست بالمفهوم الزمني التراتبي، وإنما بالمفهوم التجاوري. قبلها كانت دلالاتها لا تتجاوز مجرد الصراخ والعويل والاحتجاج، وهذا ما تشي به كلمات كالوجع والذكريات والوحدة، وهي مبثوثة في النصوص. بعدها تخلصت هذه المفردة من كل ما علق بها من هذه الدلالات والمعاني السابقة، وذهبت إلى صفاء المعنى وعمقه وكثافته كما أزعم، وذلك في مجموعتي الأخيرة «سياج أقصر من الرغبات»، وبعض النصوص من هنا وهناك.
* ممَ يخاف المثقف؟، أنت تقول في مجموعتك: «هو الخوف إذن يطال القاع من تفكيري، ولا يترك قشة من الاطمئنان إلا ويكنسها برياحه العاتية»..
- الشعور بالخوف الذي تظهر تفاصيله في قصائدي، هو غيره الخوف الذي أستشعر أبعاده حين أمارس دور المثقف في تفكيري. الأول يتكئ على انكسارات الذات في الحياة، وعلى الضعف والهشاشة الإنسانية أمام الطبيعة والكون والآخر. تأمل هذا الانكسار يخلق في حد ذاته هذا الشعور ويكثفه. وخطورة هذا التأمل أنه يؤدي في بعض الأحيان عند بعض الشعراء إلى مزيد من الهشاشة والضعف، وبالتالي إلى التشاؤم والانتحار، بينما عند البعض مجرد التأمل يقوي صموده أمام الحياة، ويغذيه أمام عواصفها، ويعطيه نوعا من الطمأنينة والسكون. أما الخوف الآخر فالمثقف يرتبط به باعتباره خوفا يتصل بمظاهر المجتمع وقضايا في الشأن العام.

تطور الشعر

* تقول: «إن حياتَنا العربية السياسية والاجتماعية والثقافية أساءت كثيرا إلى تطور الشعر، وجعلت منه رهينا للوظيفة الآيديولوجية»، لكن الشعر في مداه التاريخي لم ينضج إلا في أروقة السلطة وبتأثير عطاياها.. أليس كذلك..؟
- هناك ثلاثة اتجاهات تتعلق بهذه المقولة، وبالنتيجة التي استخلصتها أنت في سؤالك،
- أولا هذه المقولة تتصل أساسا بفترة ما بعد عصر النهضة الأولى، عصر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أي النهضة الثانية التي تحررت فيها الحياة العربية من مرحلة الاستعمار، وبدأت في بناء مرحلة الآيديولوجيات التي طالت جميع مناحي الحياة. الشعر كان أحد هذه المناحي، فقد تحول إلى خطاب يوظف في البناء ذاته.
ثانيا- نعم ما تقوله صحيح. لكن لا ينطبق على مرحلة النهضة الثانية، بل على فترة تألقه في العصر العباسي الأول تحديدا، وعلاوة على ذلك، هذا التألق لم يكن بلاط الملوك هم من صنعوه وحدهم، بل تشكل المدينة وتطور الحياة المدنية في بغداد وضواحيها هي غذت هذا التألق من العمق.
ثالثا- ربما أمكنني القول هنا: أن تاريخ الموروث الشعري في العالم لم يتحرر من توظيفه وإدماجه في مجالات أخرى من تاريخ المعرفة، بدءا بالسحر ومرورا بالدين ونهاية عند السياسي. بيد أن بدايات تحرره لم تحصل إلا في العصر الراهن من الكتابة الشعرية الحديثة.

المثقف والحداثة

* طرحت ذات مقالٍ سؤالا قلقا، هو: لماذا لم نكن حداثيين؟، من هم الذين كان يجب أن يكونوا حداثيين وفاتهم القطار..؟
- هذه الإشكالية تمس الحياة العربية على العموم، وللأسف تم تناول مصطلح الحداثة في أغلب الخطابات الفكرية العربية باعتباره آيديولوجيا تخص الغرب وحدهم. هذا الوهم فرضه على التفكير العربي خلط المفاهيم والأفكار التي تشكلت في فضاء التاريخ الأوروبي. فتاريخ المفهوم هو تاريخ تصورات الفكر عنه، وتحولاته اجتماعيا وثقافيا. فمفاهيم مثل الليبرالية والعلمانية لها مساراتها الخاصة والعامة في تاريخ المجتمعات الأوروبية، بينما كنا نتلقاها في الفكر ومن ثم في الممارسة باعتبارها مصطلحات ذات دلالة واحدة تنوب الواحدة منها عن الأخرى، وهذا ما جرى أيضا مع مصطلح الحداثة. لذا قلت لسنا حداثيين بهذا المفهوم، وإلا قطار الحداثة هو يسير ويقطع العالم شرقه وغربه، قبلنا ذلك أم لم نقبل به، والمصيبة أننا لا نتعلم مما سبق، فقد كررنا نفس الموقف لاحقا مع مصطلح العولمة، وبنفس التصور والتحليل. (بالطبع مع تفريقي التام هنا بين إشكالية المصطلح وإشكالية المفهوم).
* هل ترى أننا بما نكتنز من موروث، قادرون على شق طريقنا نحو الحداثة..؟
- بلا شك نحن قادرون على شق هذا الطريق، وقد بدأت تبرز مشاريع تعبد لمثل هذا الطريق، لا يسعنا هنا الحديث عنها بالتفصيل. لكنها جميعا تركز على تأسيس فلسفة وفكر يرتبط بتاريخ الفكر الإسلامي بدأ من النص القرآني وما يتلوه من نصوص تمثل المتن من هذا التاريخ.
* هل يمكن الفصل بين الحداثة الأدبية، شعرا ورواية، والحداثة الفكرية؟
- لا يمكن فصل هذا عن ذاك. الحقيقة التي أخفقنا في استيعابها عند الغرب، أو لأقل حاولنا أن لا نبصر الجانب الآخر منها، لأسباب تبدو لي أنها بحاجة إلى علم النفس الاجتماعي، والدراسات التاريخية المقارنة. هي أن تطور التاريخ الأدبي الأوروبي كان الفكر والفلسفة ركيزته الأساسية. خذ على سبيل المثال تطور مفهوم الزمن في السرد، حيث كانت الاشتغالات النظرية عند الفيلسوف برغسون حول هذا المفهوم واضحة وجليلة في أعمال الروائي وليم فوكنر. وهناك شواهد كثيرة جميعها تدلل على هذا الترابط بين الفن والإبداع والفكر في تاريخ الثقافة الأوروبية.
* أنت تقول: إننا «لم نكن حداثيين لأن وعينا بالحداثة الغربية ليس وعيا تأريخانيا».. ماذا تعني؟
- أعني بالدرجة الأولى أننا لم نقرأ التاريخ الأوروبي في سياق تقاطعاته الداخلية، وتحولات مجتمعاته سواء على مستوى الفكر أو الاجتماع والسياسة والاقتصاد والدين. وبالتالي لم نستوعبه تماما. ومن مظاهر اللاعقلانية في فهم هذا الغرب أننا ذهبنا في تصديق ما يقوله عن نفسه حد اليقين. وبالقدر الذي حجب هو عنا نفسه، كنا نرتكب خطيئة أخرى حين صدقنا أيضا ما يقوله هو عنا بطريقة أو بأخرى. إنها تصورات عنا وعن الآخر تتكئ على أخطاء مزدوجة. تفكيك هذه التصورات في ظني هي من مهمات هذا الجيل المقبل على الفكر والفلسفة بوعي وحب.
* إلى أي درجة تمثل «الحداثة» أهمية للشعر..؟ يقول الدكتور سعد البازعي: «يخشى الحرز على الشعر من سوء الفهم، الذي يتهدده في مشهدنا الأدبي، يخشى على روح الحداثة فيه أن تذوي لدى الشعراء أنفسهم»..؟
- الحداثة في الشعر هي بمثابة جريان ماء الحياة الذي لا يتوقف على الإطلاق. هي إعادة وصل الشعر بالحياة من جهة، والتخفف من كل الأعباء التي تثقل كاهل الشعر، وتبطئ حركته وجريانه، وليس السياسي والديني والطائفي والخطابات النفعية الأخرى سوى قيود تحد من حركته وانطلاقته. هذا ما أفهمه من أن يكون الشعر حداثيا بالدرجة الأولى. وكل هذا الفهم مشروط بمدى قابلية أذهاننا لزحزحة مفاهيم قديمة عن الشعر، وإبدالها بمفاهيم معاصرة له.
* أصدرت كتاب (القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة).. كيف ترى إلى علاقة الكتابة بالمثقف، والمجتمع؟
- كنت ولا زلت، لي اهتماماتي التي تتعلق بالكتابة تنظيرا وممارسة، قناعاتي التي تتصل بها تذهب باتجاه الفكرة التي تقول: لا يمكن تأسيس ثقافة مغايرة على سمات وأساليب في الكتابة لا تمت إلى المعاصرة بصلة. وأول شروط التأسيس هو تفكيك السلطة الكامنة خلف التقاليد الكتابية التي نشأت في المجتمع، حيث على أثرها انبنت ثقافة، تخرجت منها أجيال وأجيال، منهم المثقف والعامل والتاجر ورجل الدين والسياسي. وإذا كان ربط مفهوم السلطة بالكتابة هي الحقول التي تشتغل عليها الدراسات الثقافية المعاصرة، فإن أهمية طرحها في الأوساط الثقافية السعودية، لا تنبع من كون هذه الدراسات تنتصر للثقافات المهمشة في أي مجتمع، بل لأنها أيضا تعري عمليا جميع السلطات المختبئة في ثقافتنا منذ قرون: سلطة المؤسسة والقبيلة والطائفة والمثقف والأدب الرسمي والثقافة الرسمية وسلطة الأدب، وهكذا يكون مفهومي للكتابة محوري واستراتيجي في تفكيك جميع هذه السلط.
* كيف أصبح المثقفون اليوم حراسا للمقابر، وأبواقا للنزعات العصبية، ومع ذلك يتبجحون بأنهم نخبة المجتمع..؟
- من الطبيعي أن يدجن المثقف في إطار من الاستغلال والاستثمار، وهذا امتداد للمرض الذي أشرنا إليه سابقا. لم يتمايز المثقف بخطابه، لا عن سلطة المؤسسة، ولا عن سلطة المجتمع، بل كان تابعا في فترة من الفترات لإحداهما، وفي فترات لكلتيهما. لذلك الفجوة التي تحدثنا عنها، تركت كي يتم استثمارها لأحد الطرفين دون أن يشارك المثقف في سد ولو جانبا بسيطا منها، رغم تلك المحاولات التي طالعتنا بها محاولات عصر النهضة الأولى.
* كيف تقرأ التناقض في تكويننا الثقافي.. فمن جهة نمتلك أقوى درجات التواصل مع العالم عبر وسائط التقنية، ومن جهة نشعر أننا مشدودون بقوة للماضي، مع خوف من التغيير..؟
- هذا التناقض كما تقول في تكويننا الثقافي، هو مرض لا يخص الثقافة والمجتمع السعودي، بل هو ينسحب على عموم المجتمع العربي. الوسائط الاجتماعية بتقنياتها المتعددة عرت الكثير من التناقضات في السلوك والفكر والعلاقات. أهمها على الإطلاق انبعاث الماضي بحلة لم نعهدها من قبل، بوجود القنوات الفضائية والإعلام النتي المعولم. هذا الانبعاث كان غائبا ثم ظهر فجأة. المقصود هو أن الفجوة الواسعة بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ساعدت كثيرا كي يقوم مثل هذا الإعلام بملء الفراغ الذي تركته هذه الفجوة، وهذا ظاهر للعيان في الكثير من المجالات: السياسة، والاقتصاد والدين والاجتماع.



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».