محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

الشاعر والناقد السعودي يرى أن حياتنا العربية أساءت لتطور الشعر

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا
TT

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

عرف الناقد والشاعر السعودي محمد الحرز، باشتغالاته النقدية على قراءة المشهد الثقافي السعودي، ورصد التحولات التي يمرّ بها، كما يعرف بأنه واحد من شعراء التجربة الحداثية التي أثراها من خلال أربع مجموعات شعرية قدمها، وهي: «رجل يشبهني»، دار الكنوز الأدبية، 1999. و«أخف من الريش أعمق من الألم»، دار الكنوز الأدبية، 2003. و«أسمال لا تتذكر دم الفريسة»، الصادرة ضمن إصدارات «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009»، وأخيرا «سياج أقصر من الرغبات»، عن دار طوى 2013.
وصدر له أيضا في النقد والدراسات الفكرية: «شعرية الكتابة والجسد»، عن مؤسسة الانتشار العربي، 2005، و«القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة»، عن نادي أدبي الجوف. و«يصرون على البحر» انطولوجيا الشعر السعودي، من إصدارات وزارة الثقافة الجزائرية، بالاشتراك مع الناقد عبد الله السفر، و«الحجر والظلال» عن دار طوى 2013، و«ضد الطمأنينة» عن دار مدارك 2013.
التقينا بالشاعر والناقد السعودي محمد الحرز، في الأحساء حيث يقيم، وأجرينا معه الحوار التالي:

* بالإضافة للنقد لديك تجربة شعرية حداثية ناضجة سجلت إضافة مهمة لقصيدة النثر. كيف تقرأ الواقع من زاوية أن تكون شاعرا؟
- ثمة حلم أشبه ما يكون بالطوباوي، يطارد الشعراء أينما حلوا، وإلى أي مكان ارتحلوا هو: الإقامة الشاعرية على الأرض.
هذا الحلم يتحول في أحيان كثيرة عند بعض الشعراء إلى نوع من التراجيديا، تجاربهم توحي بذلك، فتدفق النظرة الشاعرية عند الشاعر إلى الأشياء من حوله، وإلى علاقاته الاجتماعية، وسريان هذا التدفق في نسق تصوراته للحياة والكون والعالم، يجعل من ذاته أسيرة المثالية المفرطة، وبالتالي أسيرة الهشاشة والانكسار إزاء تناقضات الحياة. هكذا تعّلِمُنا تلك التجارب: أن كل شاعر حاول أن يعيش وفق نظرته الشاعرية، ويتطابق معها حد التلاشي، فإن المأساة تنتظره في أحد منعطفات حياته. لذلك بالنسبة لي خلق عالم بديل من الكلمات والأشياء، يوازي الواقع المعاش، هو ما يحافظ على التوازن النفسي والروحي والوجودي، حيث تصبح الحياة من خلال هذا التوازن ممكنة التعايش والانسجام مع الذات من جهة، ومع الآخرين من جهة ثانية. ربما كانت القصائد التي نكتبها لا تعبر عن هذا التوازن فقط، وإنما تقول شيئا يتجاوز ذلك بكثير، تقول: ثمة أمل ورغبة في أن تعيش الإنسانية يوما ما وفق قوانين الشاعرية على هذه الأرض، ووفق تاريخ الشعر المرتبط بذاكرتها.
* كيف توفق بين كونك ناقدا تحمل المبضع وتمزق أشلاء النصوص، مع رقة الشاعر الذي يتحاشى المعارك النقدية؟
- لا يوجد ثمة تناقض، فالنقد لا يلغي الشعر في ذات الشاعر، ولا الشعر يلغي النقد في ذات الناقد، فمن الأفكار الشائعة التي تدخل الاتجاهين في تناقض تام، هي مجموعة من المسلمات التي ورثناها من خطابنا النقدي العربي، جميعها كانت ترتكز على مؤثرات المنطق الأرسطي في اللغة والنحو والبلاغة وعلم الكلام والنثر والشعر. وهي مؤثرات تستند على فكرة الفصل المعياري بين صنوف المعرفة، فالشعر هو الشعر والنثر هو النثر، لا يلتقيان. بينما المفارقة التي تبرز في تاريخ الثقافة العربية، هو وجود علماء، على سبيل المثال، برعوا في العلوم الدينية بجانب الأدب شعرا ونقدا، دون أن يشعروا بمثل هذا التناقض. ناهيك أن الثقافة المعاصرة، لا تعترف بالحدود فيما تنتجه من أنواع المعرفة، فتاريخ سير المبدعين والمفكرين في العصر الحديث يشير إلى وجود منجز ثري ومتنوع عند هؤلاء، يتراوح بين الشعر والرواية وبين الفكر والفلسفة أو المسرح والموسيقى. من جهتي لم أشعر يوما ما بالفصل التام بين ما أكتبه شعرا، أو ما أكتبه نقدا، بل أرى أنهما يتقاطعان عندي من العمق، وكل جانب منه يرفد الآخر، ويثريه في الرؤية والأسلوب والتقنية.
* مجموعاتك الشعرية الأربع: «رجل يشبهني»، و«أخف من الريشة أعمق من الألم»، و«أسمال لا تتذكر دم الفريسة» و«سياج أقصر من الرغبات» تحمل تجارب متنوعة.. كيف تعبر هذه المجموعات عن تأثير الزمن في محطاتك الشعرية؟
- الزمن مكون أساس من مكونات أي تجربة إبداعية أو فكرية، والإحساس به وتلمس مكامن قوة تأثيره، يتطلب حساسية مفرطة في التقصي والبحث. لم أع هذه الحقيقة إلا لاحقا، عندما اكتشفت أن ثمة علاقة طردية بين الكلمات والجسد، فدماء الكلمات لا تتجدد إلا إذا شاخ الجسد بكل مخزونه الفكري والروحي والتخيلي. الزمن يلعب لعبته هنا، لا توجد تجربة إبداعية تضيء نفسها من الداخل إلا بعد أن يكون الجسد استسلم تماما لمشرط الزمن وتأثيراته التي تصل إلى عمق الروح. لكن هذا التلازم الشرطي في العلاقة بين تجدد الكلمات وضخها بمعان ودلالات، وبين تهدل الجسد بفعل الزمن، لا يدركه سوى المبدع الذي عمل على إيجاد صلة قوية بين حياته داخل القصيدة، وحياته داخل الجسد. لذلك هذا الاكتشاف، لا يعني بالضرورة أنني عملت على إيجاد مثل هذه الصلة. في مجموعاتي الأربع حاولت كثيرا تلمس منابع هذه العلاقة، لا أدعي النجاح. لكني على الأقل عرفت أين هي جهة البوصلة؟

الوجع.. والخوف
* ثيمة «الوجع- الألم» نابضة في قصائدك.. وتبرز أكثر في مجموعته «أخف من الريش أعمق من الألم»، حيث تقول: «كلما أردت تحريك قلبك إلى الجهة المقابلة: تريث... هناك جهة أخرى، تستحق الوجع، بالطبع هناك أوجاع تنتظر المرور».. لكأن المعاناة والحزن «مصيرٌ لجوجُ»؟
- مفردة الألم تشكل لحظة تحول عندي في الكتابة الإبداعية، وهي المفصل الحقيقي بين مرحلتين، ليست بالمفهوم الزمني التراتبي، وإنما بالمفهوم التجاوري. قبلها كانت دلالاتها لا تتجاوز مجرد الصراخ والعويل والاحتجاج، وهذا ما تشي به كلمات كالوجع والذكريات والوحدة، وهي مبثوثة في النصوص. بعدها تخلصت هذه المفردة من كل ما علق بها من هذه الدلالات والمعاني السابقة، وذهبت إلى صفاء المعنى وعمقه وكثافته كما أزعم، وذلك في مجموعتي الأخيرة «سياج أقصر من الرغبات»، وبعض النصوص من هنا وهناك.
* ممَ يخاف المثقف؟، أنت تقول في مجموعتك: «هو الخوف إذن يطال القاع من تفكيري، ولا يترك قشة من الاطمئنان إلا ويكنسها برياحه العاتية»..
- الشعور بالخوف الذي تظهر تفاصيله في قصائدي، هو غيره الخوف الذي أستشعر أبعاده حين أمارس دور المثقف في تفكيري. الأول يتكئ على انكسارات الذات في الحياة، وعلى الضعف والهشاشة الإنسانية أمام الطبيعة والكون والآخر. تأمل هذا الانكسار يخلق في حد ذاته هذا الشعور ويكثفه. وخطورة هذا التأمل أنه يؤدي في بعض الأحيان عند بعض الشعراء إلى مزيد من الهشاشة والضعف، وبالتالي إلى التشاؤم والانتحار، بينما عند البعض مجرد التأمل يقوي صموده أمام الحياة، ويغذيه أمام عواصفها، ويعطيه نوعا من الطمأنينة والسكون. أما الخوف الآخر فالمثقف يرتبط به باعتباره خوفا يتصل بمظاهر المجتمع وقضايا في الشأن العام.

تطور الشعر

* تقول: «إن حياتَنا العربية السياسية والاجتماعية والثقافية أساءت كثيرا إلى تطور الشعر، وجعلت منه رهينا للوظيفة الآيديولوجية»، لكن الشعر في مداه التاريخي لم ينضج إلا في أروقة السلطة وبتأثير عطاياها.. أليس كذلك..؟
- هناك ثلاثة اتجاهات تتعلق بهذه المقولة، وبالنتيجة التي استخلصتها أنت في سؤالك،
- أولا هذه المقولة تتصل أساسا بفترة ما بعد عصر النهضة الأولى، عصر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أي النهضة الثانية التي تحررت فيها الحياة العربية من مرحلة الاستعمار، وبدأت في بناء مرحلة الآيديولوجيات التي طالت جميع مناحي الحياة. الشعر كان أحد هذه المناحي، فقد تحول إلى خطاب يوظف في البناء ذاته.
ثانيا- نعم ما تقوله صحيح. لكن لا ينطبق على مرحلة النهضة الثانية، بل على فترة تألقه في العصر العباسي الأول تحديدا، وعلاوة على ذلك، هذا التألق لم يكن بلاط الملوك هم من صنعوه وحدهم، بل تشكل المدينة وتطور الحياة المدنية في بغداد وضواحيها هي غذت هذا التألق من العمق.
ثالثا- ربما أمكنني القول هنا: أن تاريخ الموروث الشعري في العالم لم يتحرر من توظيفه وإدماجه في مجالات أخرى من تاريخ المعرفة، بدءا بالسحر ومرورا بالدين ونهاية عند السياسي. بيد أن بدايات تحرره لم تحصل إلا في العصر الراهن من الكتابة الشعرية الحديثة.

المثقف والحداثة

* طرحت ذات مقالٍ سؤالا قلقا، هو: لماذا لم نكن حداثيين؟، من هم الذين كان يجب أن يكونوا حداثيين وفاتهم القطار..؟
- هذه الإشكالية تمس الحياة العربية على العموم، وللأسف تم تناول مصطلح الحداثة في أغلب الخطابات الفكرية العربية باعتباره آيديولوجيا تخص الغرب وحدهم. هذا الوهم فرضه على التفكير العربي خلط المفاهيم والأفكار التي تشكلت في فضاء التاريخ الأوروبي. فتاريخ المفهوم هو تاريخ تصورات الفكر عنه، وتحولاته اجتماعيا وثقافيا. فمفاهيم مثل الليبرالية والعلمانية لها مساراتها الخاصة والعامة في تاريخ المجتمعات الأوروبية، بينما كنا نتلقاها في الفكر ومن ثم في الممارسة باعتبارها مصطلحات ذات دلالة واحدة تنوب الواحدة منها عن الأخرى، وهذا ما جرى أيضا مع مصطلح الحداثة. لذا قلت لسنا حداثيين بهذا المفهوم، وإلا قطار الحداثة هو يسير ويقطع العالم شرقه وغربه، قبلنا ذلك أم لم نقبل به، والمصيبة أننا لا نتعلم مما سبق، فقد كررنا نفس الموقف لاحقا مع مصطلح العولمة، وبنفس التصور والتحليل. (بالطبع مع تفريقي التام هنا بين إشكالية المصطلح وإشكالية المفهوم).
* هل ترى أننا بما نكتنز من موروث، قادرون على شق طريقنا نحو الحداثة..؟
- بلا شك نحن قادرون على شق هذا الطريق، وقد بدأت تبرز مشاريع تعبد لمثل هذا الطريق، لا يسعنا هنا الحديث عنها بالتفصيل. لكنها جميعا تركز على تأسيس فلسفة وفكر يرتبط بتاريخ الفكر الإسلامي بدأ من النص القرآني وما يتلوه من نصوص تمثل المتن من هذا التاريخ.
* هل يمكن الفصل بين الحداثة الأدبية، شعرا ورواية، والحداثة الفكرية؟
- لا يمكن فصل هذا عن ذاك. الحقيقة التي أخفقنا في استيعابها عند الغرب، أو لأقل حاولنا أن لا نبصر الجانب الآخر منها، لأسباب تبدو لي أنها بحاجة إلى علم النفس الاجتماعي، والدراسات التاريخية المقارنة. هي أن تطور التاريخ الأدبي الأوروبي كان الفكر والفلسفة ركيزته الأساسية. خذ على سبيل المثال تطور مفهوم الزمن في السرد، حيث كانت الاشتغالات النظرية عند الفيلسوف برغسون حول هذا المفهوم واضحة وجليلة في أعمال الروائي وليم فوكنر. وهناك شواهد كثيرة جميعها تدلل على هذا الترابط بين الفن والإبداع والفكر في تاريخ الثقافة الأوروبية.
* أنت تقول: إننا «لم نكن حداثيين لأن وعينا بالحداثة الغربية ليس وعيا تأريخانيا».. ماذا تعني؟
- أعني بالدرجة الأولى أننا لم نقرأ التاريخ الأوروبي في سياق تقاطعاته الداخلية، وتحولات مجتمعاته سواء على مستوى الفكر أو الاجتماع والسياسة والاقتصاد والدين. وبالتالي لم نستوعبه تماما. ومن مظاهر اللاعقلانية في فهم هذا الغرب أننا ذهبنا في تصديق ما يقوله عن نفسه حد اليقين. وبالقدر الذي حجب هو عنا نفسه، كنا نرتكب خطيئة أخرى حين صدقنا أيضا ما يقوله هو عنا بطريقة أو بأخرى. إنها تصورات عنا وعن الآخر تتكئ على أخطاء مزدوجة. تفكيك هذه التصورات في ظني هي من مهمات هذا الجيل المقبل على الفكر والفلسفة بوعي وحب.
* إلى أي درجة تمثل «الحداثة» أهمية للشعر..؟ يقول الدكتور سعد البازعي: «يخشى الحرز على الشعر من سوء الفهم، الذي يتهدده في مشهدنا الأدبي، يخشى على روح الحداثة فيه أن تذوي لدى الشعراء أنفسهم»..؟
- الحداثة في الشعر هي بمثابة جريان ماء الحياة الذي لا يتوقف على الإطلاق. هي إعادة وصل الشعر بالحياة من جهة، والتخفف من كل الأعباء التي تثقل كاهل الشعر، وتبطئ حركته وجريانه، وليس السياسي والديني والطائفي والخطابات النفعية الأخرى سوى قيود تحد من حركته وانطلاقته. هذا ما أفهمه من أن يكون الشعر حداثيا بالدرجة الأولى. وكل هذا الفهم مشروط بمدى قابلية أذهاننا لزحزحة مفاهيم قديمة عن الشعر، وإبدالها بمفاهيم معاصرة له.
* أصدرت كتاب (القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة).. كيف ترى إلى علاقة الكتابة بالمثقف، والمجتمع؟
- كنت ولا زلت، لي اهتماماتي التي تتعلق بالكتابة تنظيرا وممارسة، قناعاتي التي تتصل بها تذهب باتجاه الفكرة التي تقول: لا يمكن تأسيس ثقافة مغايرة على سمات وأساليب في الكتابة لا تمت إلى المعاصرة بصلة. وأول شروط التأسيس هو تفكيك السلطة الكامنة خلف التقاليد الكتابية التي نشأت في المجتمع، حيث على أثرها انبنت ثقافة، تخرجت منها أجيال وأجيال، منهم المثقف والعامل والتاجر ورجل الدين والسياسي. وإذا كان ربط مفهوم السلطة بالكتابة هي الحقول التي تشتغل عليها الدراسات الثقافية المعاصرة، فإن أهمية طرحها في الأوساط الثقافية السعودية، لا تنبع من كون هذه الدراسات تنتصر للثقافات المهمشة في أي مجتمع، بل لأنها أيضا تعري عمليا جميع السلطات المختبئة في ثقافتنا منذ قرون: سلطة المؤسسة والقبيلة والطائفة والمثقف والأدب الرسمي والثقافة الرسمية وسلطة الأدب، وهكذا يكون مفهومي للكتابة محوري واستراتيجي في تفكيك جميع هذه السلط.
* كيف أصبح المثقفون اليوم حراسا للمقابر، وأبواقا للنزعات العصبية، ومع ذلك يتبجحون بأنهم نخبة المجتمع..؟
- من الطبيعي أن يدجن المثقف في إطار من الاستغلال والاستثمار، وهذا امتداد للمرض الذي أشرنا إليه سابقا. لم يتمايز المثقف بخطابه، لا عن سلطة المؤسسة، ولا عن سلطة المجتمع، بل كان تابعا في فترة من الفترات لإحداهما، وفي فترات لكلتيهما. لذلك الفجوة التي تحدثنا عنها، تركت كي يتم استثمارها لأحد الطرفين دون أن يشارك المثقف في سد ولو جانبا بسيطا منها، رغم تلك المحاولات التي طالعتنا بها محاولات عصر النهضة الأولى.
* كيف تقرأ التناقض في تكويننا الثقافي.. فمن جهة نمتلك أقوى درجات التواصل مع العالم عبر وسائط التقنية، ومن جهة نشعر أننا مشدودون بقوة للماضي، مع خوف من التغيير..؟
- هذا التناقض كما تقول في تكويننا الثقافي، هو مرض لا يخص الثقافة والمجتمع السعودي، بل هو ينسحب على عموم المجتمع العربي. الوسائط الاجتماعية بتقنياتها المتعددة عرت الكثير من التناقضات في السلوك والفكر والعلاقات. أهمها على الإطلاق انبعاث الماضي بحلة لم نعهدها من قبل، بوجود القنوات الفضائية والإعلام النتي المعولم. هذا الانبعاث كان غائبا ثم ظهر فجأة. المقصود هو أن الفجوة الواسعة بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ساعدت كثيرا كي يقوم مثل هذا الإعلام بملء الفراغ الذي تركته هذه الفجوة، وهذا ظاهر للعيان في الكثير من المجالات: السياسة، والاقتصاد والدين والاجتماع.



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».